بعدما انقلبت موازين القوى في المنطقة رأساً على عقب، سيصعب على العراق تجنّب الانجرار إلى الاضطرابات. فما هي التحدّيات المحدقة؟ وكيف السبيل إلى الخروج بأقلّ الأضرار الممكنة؟
يستبعد الباحث الدكتور ريناد منصور، الذي يدير مشروع مبادرة العراق في معهد “تشاتام هاوس” بلندن، أن يدوم الهدوء الهشّ الذي يشهده العراق، ويتوقّع أن تنجرّ البلاد إلى التحوّل الجذري في النظام الإقليمي الذي لا يزال المسار الكامل له غير واضح. ولكن من شبه المؤكّد أنّه سيكون مضطرباً وعنيفاً.
يحدث التحوّل الجذري الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، بحسب منصور، في وقت بدأ فيه العراق بالخروج من سنوات من الصراع، ولا يزال الطيف السياسي العراقي بأكمله في حالة ضعف، وهو ما يثير تساؤلات عن موقف العراق حتّى الآن المتمثّل في ضبط النفس الاستراتيجي. فلا تزال النخبة السياسية العراقية، بغضّ النظر عن تحالفاتها الأيديولوجيّة أو العرقيّة الطائفية، حذرة من الانجرار إلى صراع إقليمي، لدرجة أنّ الفصائل التي تربطها علاقات وثيقة تاريخيّاً بإيران، مثل قوّات الحشد الشعبي، مارست ضبط النفس إلى حدّ كبير منذ 7 أكتوبر/تشرين الأوّل، لأنّ قادتها من قادة “الإطار التنسيقي” الشيعي الحاكم في بغداد لا يستفيدون من الدولة فحسب، بل هم أيضاً أوصياء عليها.
أدّى الغزو الذي قادته الولايات المتّحدة للعراق في عام 2003 إلى إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي وبداية عصر جديد أكّدت فيه إيران نفسها قوّةً إقليمية مهيمنة
ضبط النّفس لم يعد مقبولاً؟
أدّى الغزو الذي قادته الولايات المتّحدة للعراق في عام 2003 إلى إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي وبداية عصر جديد أكّدت فيه إيران نفسها قوّةً إقليمية مهيمنة. وتتعرّض أسس هذا النظام الآن للزعزعة في أعقاب هجمات “حماس” في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل، والهجوم الإسرائيلي على غزّة، والصراع الإقليمي الذي أعقب ذلك.
في رأي منصور سيكون من الصعب على العراق الحفاظ على موقفه المتمثّل في ضبط النفس الاستراتيجي في مواجهة الاضطرابات الإقليمية الحالية. على الرغم من كلّ ما شهده العراق من أحداث هدّدت بجعله مسرحاً لتصعيد إقليمي أوسع نطاقاً، ساد ضبط النفس. بل وفي السنوات الأخيرة، رسّخت جماعات رئيسية تابعة لقوّات الحشد الشعبي، مثل منظّمة بدر وعصائب أهل الحقّ، وجودها داخل الدولة العراقية. وبات قادتها اليوم يشغلون حقائب وزارية، ويتولّون مناصب بيروقراطية عليا، ويؤثّرون على الشركات المملوكة للدولة التي تعطي إيرادات كبيرة. بلغ متوسّط الميزانية الفدرالية العراقية أكثر من 100 مليار دولار سنوياً خلال السنوات الثلاث الماضية. وقد شجّعت الرغبة في الحفاظ على إمكان الوصول إلى هذه الموارد على اتّباع نهج أكثر براغماتيّة وأقلّ تصادميّة.
هذه الجماعات، كما يصفها منصور، ليست وكيلة لإيران. بل بالنسبة لها، يُعدّ عدم الاستقرار أمراً سيّئاً لأعمالها.
يرى أنّ غريزة ضبط النفس تنبع أيضاً من التجربة. ففي عام 2020، اغتالت الولايات المتّحدة الجنرال في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني وأبا مهدي المهندس، القائد الفعليّ لقوّات الحشد الشعبي. وقد كشفت هذه الاغتيالات عن الواقع الصارخ المتمثّل في سيطرة العراق المحدودة على مجاله الجوّي وسيادته. ولا يزال هذا الدرس يؤثّر على الحسابات الاستراتيجيّة للجهات الفاعلة العراقية اليوم، وهو ما يعزّز تفضيلها لضبط النفس بدلاً من المواجهة. وتدرك هذه المجموعات أنّ تأثيرها على النظام الإقليمي المتغيّر ضئيل. وتعطي الأولويّة لبقائها على قيد الحياة، مع التركيز على الحفاظ على قوّتها المحلّية.
قد يفضّل القادة العراقيون الابتعاد عن الأضواء والتركيز على التنمية الاقتصادية والاستقرار الداخلي. لكنّ تطوّر الديناميكيّات الإقليمية يفلت إلى حدّ كبير من سيطرتهم
حسابات جديدة لبغداد
لكن على الرغم من ذلك، تثير الاضطرابات الإقليمية الحاليّة، في رأي منصور، تساؤلات عن موقف العراق المتمثّل في ضبط النفس الاستراتيجي.
يرجّح منصور، الذي عمل أيضاً مستشاراً لوزارة المجتمع المدني في حكومة إقليم كردستان بين عامَي 2008 و2010، عدّة سيناريوهات محتملة يمكن أن تعيد تشكيل حسابات بغداد:
- أحد السيناريوهات المحتملة هو حرب طويلة الأمد بين إيران وإسرائيل، بدعم من الولايات المتّحدة. في هذا السياق، قد ينجرف العراق تدريجياً مع ضغط إيران على الجماعات المسلّحة المتحالفة معها لتنفيذ هجمات ضدّ أميركيين في المنطقة أو في إسرائيل. ونظراً لهشاشة وقف إطلاق النار منذ 7 أكتوبر/تشرين الأوّل وللمستوى الحالي من عدم الاستقرار الإقليمي، يبدو هذا السيناريو معقولاً. وتشتبه طهران منذ فترة طويلة في أنّ عملاء الموساد تسلّلوا إلى أراضيها عبر العراق. وقد يؤدّي ذلك إلى تفاقم التوتّرات بين الدولتين، ويدفع إلى المزيد من الضربات عبر الحدود، لا سيما في إقليم كردستان. سبق لإيران أن استهدفت المنطقة بحجّة تفكيك مواقع مزعومة للموساد. وحتّى في غياب التدخّل المباشر، سيزداد خطر امتداد الصراع، وهو ما يجعل العراق ساحة معركة محتملة مرّة أخرى.
- السيناريو الثاني هو خفض التصعيد بشكل متحكَّم فيه، بقيادة الدبلوماسية الأميركية واستراتيجية إسرائيليّة مُعاد ضبطها. قد يسمح هذا للعراق بعزل نفسه عن التورّط المباشر والتركيز على التنسيق الإقليمي. في مثل هذا الوضع، قد يتحالف العراق مع شركائه الخليجيّين لتطوير هيكل أمنيّ إقليميّ أكثر متانة، مصمّم للحدّ من التعرّض للصدمات الخارجية المستقبلية. وسيكون من أهمّ عناصر هذا التكامل مع الخليج بذل جهد دبلوماسي مستدام لحلّ النزاع على الحدود البحريّة مع الكويت.
- أمّا السيناريو الثالث، وهو الأكثر زعزعة للاستقرار، فهو أزمة الخلافة في إيران وتفتيت النظام. وقد يؤدّي مثل هذا الانهيار إلى تفتيت شبكة محور المقاومة، ودفع اللاجئين إلى عبور الحدود العراقية، وإحداث فراغ أمنيّ. هذا السيناريو محفوف بالمخاطر وتحويليّ في الوقت نفسه. فمن جهة، يمكن للجماعات العراقية المتحالفة مع إيران أن تتدخّل في إيران أو في المنطقة للقتال من أجل الحفاظ على النظام القائم. ومن ناحية أخرى، يوفّر للقادة العراقيين فرصة نادرة لتأكيد قدر أكبر من الاستقلال. وقد يتحرّر العراق أخيراً من سيطرة النفوذ الإيراني على سياسته التي دامت عقدين من الزمن.
- هناك سيناريو التصعيد النووي، الذي تُعلن فيه إيران نيّتها السعي إلى امتلاك أسلحة نووية وتوطيد نظامها. وإذا أعادت طهران فرض سيطرتها واستقرارها داخليّاً، فمن المُرجّح أن يستمرّ العراق في مساره الحالي. وهذا يعني إدارة العلاقات بحذر، وإعطاء الأولويّة للتعافي الداخلي، مع السعي إلى الحفاظ على سيادته. وفي هذا السيناريو، سيلوح شبح الانتشار النووي الإقليمي في الأفق.
إقرأ أيضاً: خامنئي لن يتراجع: إنّها “حرب أبديّة”
إعادة تعريف الدّور
قد يفضّل القادة العراقيون الابتعاد عن الأضواء والتركيز على التنمية الاقتصادية والاستقرار الداخلي. لكنّ تطوّر الديناميكيّات الإقليمية يفلت إلى حدّ كبير من سيطرتهم. ومن الممكن أن يؤدّي عدم الاستقرار الذي طال أمده إلى تعريض الروابط الحيوية في مجال الطاقة والتجارة للخطر، وهو ما يُعيق الانتعاش الاقتصادي الهشّ للعراق. وقد يُعرّض للخطر السلطة التي بدأت النخب العراقية بترسيخها أخيراً. ومن الممكن أن تؤدّي التهديدات الأمنيّة إلى إحياء الصراعات الداخلية أو دفع العراق إلى حروب خارجية، في حين قد تؤدّي الصدمات السياسية الآتية من طهران إلى كسر توازن القوى الدقيق في بغداد.
يعتبر منصور أنّ ما يشهده النظام الإقليمي من تغيّر مستمرّ وسريع يجعل التشبّث بالوضع الراهن غير قابل للتطبيق. ويرى أنّه سيكون من الضروري تطوير الرؤية الاستراتيجيّة والقدرة على التكيّف وإعادة تعريف دور العراق في المنطقة إذا كانت البلاد تأمل التغلّب على العاصفة المقبلة.
