تعود الهجمات الإسرائيلية على إيران بفائدة مزدوجة للكرملين: أكّدت موقع روسيا الشريكة في الشرق الأوسط والحكَم العالميّ معاً، وزادت أسعار النفط، ومعها خزينة بوتين الحربية، وفقاً للمؤرّخ والكاتب البريطاني أوين ماثيوز.
يكتب ماثيوز في مجلّة “سبكتاتور” البريطانية: لقد سمحت سنوات من الدبلوماسية ذات المسارين لفلاديمير بوتين بأن يُقدّم نفسه صديقاً لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وللقيادة الإيرانية على حدّ سواء. وهذا سيجعل روسيا شريكاً لا غنى عنه للولايات المتّحدة عند شروعها في العمليّة الطويلة لمعالجة الواقع السياسي الجديد في الشرق الأوسط في أعقاب هذه الحرب، التي أثارت الأسواق وزادت من أسعار النفط الخام المتراجعة، ومعها خزينة بوتين الحربية.
على مدار ثلاثة أشهر من المفاوضات غير الحاسمة مع إدارة دونالد ترامب بشأن إنهاء حرب أوكرانيا، كان الروس يؤكّدون دائماً أنّ أوكرانيا هي جزء من حزمة عالميّة من القضايا العسكرية والاقتصادية والسياسية، التي يمكن أن تتوافق فيها مصالح واشنطن الأساسية مع مصالح موسكو. والآن حدث ذلك. في أعقاب الضربات الإسرائيلية، كان بوتين الزعيم العالمي الوحيد الذي تحدّث هاتفيّاً مع كلّ من بنيامين نتنياهو والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ودونالد ترامب.
روسيا وسيط لا غنى عنه
بفضل الضربات العسكرية الإسرائيلية المدمّرة، تواجه واشنطن الآن تحدّياً متعدّد الأبعاد، إذ تسعى إلى منع صدمة أسعار النفط العالمية، ونشوء حرب ثنائية بين إيران والسعودية، وردّ فعل عنيف ضدّ أهداف عسكرية ومدنية أميركية من قبل عملاء أو وكلاء إيران. وستكون روسيا، بفضل علاقاتها العسكرية والدبلوماسية مع طهران، جزءاً لا يتجزّأ من هذا التوازن الدبلوماسي. وبدا الضغط على الكرملين لتقليص عمليّاته في أوكرانيا مسألة تافهة مقارنةً بالمساعدة في منع الشرق الأوسط بأسره من الاشتعال.
في أعقاب الهجوم الإسرائيلي مباشرة، قفزت أسعار النفط من أقلّ من 60 دولاراً إلى 75 دولاراً للبرميل
كانت روسيا تتظاهر أخيراً بأنّها حليف لإيران. أصدرت خارجيّتها في أعقاب الضربات الإسرائيلية مباشرة بياناً شديد اللهجة يدين الهجمات باعتبارها “غير مقبولة بشكل قاطع”، ويحذّر من أنّ “جميع عواقب هذا الاستفزاز ستقع على القيادة الإسرائيلية”. وحثّت موسكو كلا الطرفين “على ممارسة ضبط النفس من أجل منع المزيد من تصعيد التوتّرات ومنع المنطقة من الانزلاق إلى حرب شاملة”.
لكنّ هذا التحالف القائم على المصلحة، في نظر الكرملين، ثانويٌّ جدّاً مقارنةً بدور روسيا الأهمّ المتمثّل في كونها قوّة عالمية فاعلة قادرة على الوقوف حكَماً إلى جانب الولايات المتّحدة والصين في الشؤون العالمية. وقّع بوتين معاهدة “شراكة استراتيجيّة شاملة” مع الرئيس الإيراني بزشكيان في كانون الثاني الماضي، لكنّه يهدف إلى تحقيق هدف دبلوماسي أكثر طموحاً، وهو تعزيز مكانته بأن يكون لاعباً مؤثّراً في الشرق الأوسط.
أكّد بوتين في محادثته مع نتنياهو “أهمّية العودة إلى التفاوض وحلّ جميع القضايا المتعلّقة بالبرنامج النووي الإيراني بالوسائل السياسية والدبلوماسية حصراً”. وعرض وساطته “لمنع المزيد من تصعيد التوتّرات”، وفقاً لبيان الكرملين. وفي مكالمته مع ترامب يوم السبت، أشار أيضاً إلى استعداد روسيا للقيام “بجهود وساطة لتهدئة الأزمة”، بينما ذكّر ترامب بأنّ روسيا كانت في الواقع حليفاً قديماً للولايات المتّحدة على مدار سنوات من المفاوضات مع الإيرانيين بشأن برنامجهم النوويّ.
موسكو- طهران: تقلّبات متكرّرة
لطالما اتّسمت علاقات موسكو بالجمهورية الإسلامية بتقلّبات متكرّرة. ففي تسعينيّات القرن الماضي، ساعدت موسكو إيران في بناء أوّل صواريخ شهاب البالستية البعيدة المدى، وبنت أوّل مفاعل نووي مدني إيراني في بوشهر، وقد بدأ تشغيله عام 2013. تعاونت روسيا وإيران لدعم حكومة بشّار الأسد في سوريا، حيث نشرت روسيا طائرات حربية في عام 2015. وزوّدت موسكو إيران بأنظمة صواريخ الدفاع الجوّي S-300 واستوردت منها آلاف الطائرات المسيّرة من طراز شاهد، التي أطلقتها بشكل عشوائي على أوكرانيا.
ذكّر ترامب بأنّ روسيا كانت في الواقع حليفاً قديماً للولايات المتّحدة على مدار سنوات من المفاوضات مع الإيرانيين بشأن برنامجهم النوويّ
في حين وقّعت موسكو على الاتّفاق النوويّ الإيراني الذي توسّطت فيه مع الولايات المتّحدة عام 2015، والذي ألغاه ترامب بعد عامين، عرضت هذا العام إدارة تخصيب الوقود النووي الإيراني لتكون جزءاً من اتّفاق يسمح لإيران بالحفاظ على برنامجها المدني للطاقة النوويّة، مع حرمانها من أيّ ذريعة لتخصيب اليورانيوم إلى درجة صنع الأسلحة. وعلى الرغم من تحالفهما المعلن، أحجمت روسيا عن بيع إيران طائرات مقاتلة متطوّرة من طراز سو-35 قد تكون قادرة على مواجهة الطائرات الإسرائيلية في الجوّ. في المقابل، رفضت إسرائيل تزويد أوكرانيا بالأسلحة على الرغم من المناشدات القويّة من كييف.
ارتفاع أسعار النّفط لمصلحة خزينة بوتين
في أعقاب الهجوم الإسرائيلي مباشرة، قفزت أسعار النفط من أقلّ من 60 دولاراً إلى 75 دولاراً للبرميل مع خوف التجّار المتوتّرين من تعطّل قدرة إيران على تصدير النفط الخام. ولكن سرعان ما اتّضح أنّ الطائرات الحربية الإسرائيلية لم تضرب البنية التحتية الرئيسية في أكبر محطّة نفط إيرانية في جزيرة “خرج”، وبدت حركة المرور في مضيق هرمز عند مصبّ الخليج العربي طبيعية. وبدلاً من ذلك، هاجمت إسرائيل صناعة الطاقة المحليّة الإيرانية، بما في ذلك محطّات معالجة الغاز ومستودعات البنزين في جميع أنحاء البلاد، ربّما في محاولة لرفع الأسعار الذي أثار احتجاجات مناهضة للنظام في الماضي.
تعود الهجمات الإسرائيلية على إيران بفائدة مزدوجة للكرملين: أكّدت موقع روسيا الشريكة في الشرق الأوسط والحكَم العالميّ معاً
غرّد وزير الطاقة الأميركي كريس رايت قائلاً إنّ الولايات المتّحدة “تعمل عن كثب مع مجلس الأمن القومي لمراقبة الوضع الراهن في الشرق الأوسط وأيّ آثار محتملة على إمدادات الطاقة العالمية”. بمعنى آخر، ستحثّ واشنطن إسرائيل على تأجيل مهاجمة “خرج” لتجنّب أضرار كارثية على اقتصاد الصين، الزبون الرئيسي لإيران. في الوقت نفسه، تُبقي إسرائيل خيار التصعيد ضدّ البنية التحتية النفطية في جيبها الخلفيّ بينما تتفاوض مع الأعداء والحلفاء على حدّ سواء.
في الشهر الماضي، قدّمت إدارة ترامب لبوتين ما بدا عرضاً ممتازاً لاسترداد مكاسبه ووقف هجومه على أوكرانيا مع حدود فعليّة على طول خطّ السيطرة الحالي، ووعد بأن لا تنضمّ كييف أبداً إلى حلف الناتو. لكنّ بوتين رفض. حيّر هذا القرار العديد من المراقبين. الآن أصبحت الصورة أوضح. مع كلّ صراع جديد، وخاصّةً حريقاً كبيراً في الشرق الأوسط، تتضاءل أهميّة حرب أوكرانيا بالنسبة للغرب قليلاً. وكلّما زادت فرص بوتين في استغلال ثقل روسيا الدبلوماسي ومساعدة واشنطن وبكين في حلّ مشاكل العالم، ابتعد عن كونه مُحرِّضاً على الحرب واقترب من دوره المنشود في أن يكون رجل دولة دوليّاً رفيع المستوى.
يشكّل كلّ ذلك أخباراً جيّدة للكرملين، الذي كان يواجه احتمال انخفاض أسعار النفط الذي سيؤدّي إلى زيادة العجز وتمديد الميزانيّات. قال سيرغي ماركوف، المحلّل المقرّب من الكرملين، في منشور على “إكس”: “إنّ اهتمام العالم بأوكرانيا سيضعف. الحرب بين إسرائيل وإيران ستعزّز نجاح الجيش الروسي في أوكرانيا”.
إقرأ أيضاً: هل غادر المرشد الإيرانيّ إلى عُمان؟
صحيح أنّه لم يكن من الممكن أن يتنبّأ بوتين بالهجوم الإسرائيلي الشامل على إيران قبل أشهر عندما بدأ يماطل في تنفيذ اتّفاق السلام الذي أبرمه ترامب، لكن كانت لديه دائماً فرص لا تصدّق.
لقراءة النص الأصلي: إضغط هنا

