سرّ التّقارب المصريّ الإيرانيّ

مدة القراءة 6 د

كان لافتاً عنوان افتتاحية صحيفة الأهرام في 4 حزيران الجاري: “مصر وإيران.. قوّتان فاعلتان”. عنوان كهذا كان من الصعب تمريره في صحيفة مصرية خلال 46 عاماً من العلاقات المتوتّرة بين القاهرة وطهران، أي منذ إغلاق السفارات بين البلدين، عقب توقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل، وعلى خلفيّة استقبال الشاه محمد رضا بهلوي الذي أسقطته الثورة الإسلامية عام 1979.

حدثت خطوات تقارب عدّة بين الطرفين، لكنّها لم تساهم في إعادة الودّ المفقود بينهما إلى ما كان عليه أثناء المصاهرة الملكية التي استمرّت عشر سنوات بين شاه إيران الراحل أحمد رضا بهلوي والأميرة فوزيّة ابنة الملك فؤاد وشقيقة الملك فاروق.

 

  

جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للقاهرة قبل أياّم مختلفة هذه المرّة عن سابقتها، حتّى عن زيارة الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد عام 2013، وأشارت إلى مرحلة جديدة في العلاقات المصرية الإيرانية. أتت في سياق معادلات جديدة تُرسم على أنقاض نظام إقليمي تقليدي منصرم. واتّخذت أبعاداً مهمّة من حيث الزخم السياسي، لا سيما بتضمينها لقاء بين الضيف الإيراني والمدير العامّ للوكالة الدولية للطاقة النووية رافاييل غروسي في القاهرة بحضور وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، عمل على إزالة العديد من الإشكالات الخاصّة بالبرنامج النووي الإيراني الذي صار الشغل الشاغل للسياسة الدولية.

مصر بعيدة جغرافيّاً عن إيران، لكنّ بين الدولتين الكبيرتين إقليميّاً والأكثر اكتظاظاً بالسكّان في الشرق الأوسط، بحوراً من التوتّرات الهائلة التي تمسّ صميم الأمن القومي لكلتيهما: التغوّل الإسرائيلي في المنطقة، الإبادة المستمرّة في غزّة والمخطّطات المعدّة للفلسطينيين، أمن الملاحة في البحر الأحمر الذي يثير قلقاً مصريّاً عارماً، التغيّرات السريعة والمفاجئة في سوريا، تطوّرات المفاوضات النووية، توسّع الدور التركي في الإقليم والعودة الأميركية الصاخبة إلى المنطقة على الحصان الهائج لدونالد ترامب.

كان لافتاً عنوان افتتاحية صحيفة الأهرام في 4 حزيران الجاري: “مصر وإيران.. قوّتان فاعلتان”. عنوان كهذا كان من الصعب تمريره في صحيفة مصرية خلال 46 عاماً من العلاقات المتوتّرة بين القاهرة وطهران

مصر قلقة وإيران محشورة وتعاني

مصر قلقة ومتوتّرة، مزنّرة بالنار والأطواق، من غزّة إلى ليبيا والسودان ومياه النيل والمضيقين باب المندب وقناة السويس، وتحسب ألف حساب لمشروع ممرّ التنمية أو ممرّ بايدن الذي يربط بين الهند ودول الخليج وإسرائيل وأوروبا ويتجاهلها. تضاف إلى كلّ ذلك أزمتها الماليّة. وإيران محشورة وتعاني، تلملم أذيال خيبة محورها الممانع وتتراجع إلى خلف حدودها وتغرق في الأزمات الاقتصادية المعيشية والتوتّرات الداخلية. تحتاج القاهرة إلى استعادة دورها بما هي قوّة مستقلّة ومؤثّرة وبناء علاقات متوازنة لا ترتبط بمحاور أو استقطابات في ظلّ هجمة لا تستثنيها، ولا يمكنها تجاهل إيران القوّة الإقليمية المؤثّرة، مهما كانت الخلافات حول سياساتها. وقد سبقتها إلى ذلك السعوديّة والإمارات. في المقابل، طهران التي تعيد تقويم خساراتها لا بدّ أن ترى في مصر بوّابة أساسيّة إلى العالم العربي، وعنواناً لا غنى عنه إذا أرادت إعادة ترتيب حضورها الدبلوماسي عربيّاً. فهل تجمع المصائب والشدائد ما فرّقته أيّام السباق على النفوذ وزهو التوسّع الإيراني؟

معبر للنّفط الإيرانيّ

طبعاً تصدّر الملفّ النووي الإيراني محادثات الجانبين: مصر تخشى أن يؤدّي امتلاك طهران للسلاح النووي إلى سباق تسلّح نووي في المنطقة يرهق اقتصاداتها ويهزّ ما بقي من أمنها واستقرارها. تريد الاضطلاع بدور مؤثّر في التوصّل إلى اتّفاق يريح المنطقة ويخفّف من توتّرها، وهذا ما يفسّر وساطتها اللافتة بين غروسي وعراقجي. وطهران التوّاقة للتوصّل إلى اتّفاق، تسعى لدى حلفاء أميركا، ولا سيما السعودية ومصر، لإنجاح المفاوضات للاتفاق على إلى صيغة مقبولة لإتمامها. وثمّة توافق بين الجانبين على الاستخدام السلميّ للطاقة النوويّة، مع مطالبتهما بإنهاء ازدواجية المعايير في التعامل مع الملفّ النووي في المنطقة، خصوصاً في ظلّ امتلاك إسرائيل أسلحة نووية وتهديدها باستخدامها في قطاع غزّة.

المسّ بأمن الملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر وقناة السويس مسألة استراتيجيّة بالنسبة إلى مصر تهدّد أمنها القومي وترتّب عليها خسائر اقتصادية قاسية تتجاوز سبعة مليارات دولار سنوياً. تملك طهران أحد مفاتيح الحلّ بوقف دعمها لجماعة الحوثي في اليمن أو على الأقلّ حضّها على عدم التمادي بحرق الأوراق، لا سيما مع مصر.

تدلّ كلّ المؤشّرات على وجود رغبة متبادلة في تقارب مدروس وتجاوز العراقيل على قاعدة “المصالح تتصالح”

تتطلّع القاهرة إلى أن تكون معبراً للنفط الإيراني عبر العراق وسوريا عند التوصّل إلى اتّفاق يخفّف من وطأة العقوبات الغربية على طهران.

تخشى مصر المعنيّة بالحفاظ على توازن القوى في الإقليم أن يصبّ إضعاف إيران في نهر تعاظم النفوذين الإسرائيلي والتركي، وخصوصاً في سوريا. وهي بذلك تبعث برسائل غير مباشرة إلى إسرائيل المتمادية في ارتكاب الإبادة الجماعية في فلسطين، تشدّد على رفضها التصعيد مع إيران، وسعيها لخفض التوتّر الإقليمي ووقف العدوان في غزّة، حيث تضطلع القاهرة بدور الوسيط.

“المصالح تتصالح” لكنّ الثّمار لم تنضج

دفعت المتغيّرات الإقليمية والدولية الحالية نحو تقارب “الضرورة” و”المحسوب” بين مصر وإيران، وتجاوز جبل الخلافات القديمة والمتجذّرة سياسياً ودينياً. لكنّها على أهمّيتها لا تكفي وحدها لإعادة العلاقات بين البلدين إلى صفوها، علماً أنّ عراقجي وعد بأن يكون مسار تطويرها “مفتوحاً وأكثر وضوحاً من أيّ وقت مضى”، مشيراً إلى “وجود بعض العراقيل” التي قال إنّها “ستُزال في غضون الأسابيع القليلة المقبلة”.

إقرأ أيضاً: سوريا: رفع العقوبات من الدّاخل قبل الخارج

هذه العراقيل غير واضحة، فهل المقصود بها عمليّات الحوثي التي تؤثّر سلباً على حركة الملاحة البحرية، أم هي من نوع آخر. مع التذكير بأنّ طهران تصرّ على النأي بنفسها عن الجماعة اليمنية وفق قول وزير خارجيتها إنّ الحوثيين يتّخذون قراراتهم بشكل مستقلّ، وإنّ طهران ليست طرفاً مباشراً في دعم عمليّاتهم.

تدلّ كلّ المؤشّرات على وجود رغبة متبادلة في تقارب مدروس وتجاوز العراقيل على قاعدة “المصالح تتصالح”.  لكنّ ثماره قد لا تنضج قريباً نظراً إلى حساسيّة الموقف وتشابك المصالح والتحالفات في الإقليم. تحرص مصر على تجنّب استفزاز الغرب بالإبقاء على علاقات متوازنة من دون تطبيع شامل.  لديها شراكات استراتيجيّة واقتصادية لا يمكن التفريط بها من أجل تقارب مع طهران، ومعاهدة كامب ديفيد لا تزال جزءاً من التوازن الإقليمي، وأيّ تقارب مصري إيراني قد يفسَّر في “اللحظات الحرجة” بأنّه تهديد له.

مواضيع ذات صلة

لماذا خسرت إيران المعركة قبل أن تبدأ؟

لا تُقاس الخسائر الاستراتيجيّة بالمعارك التي تُخاض فقط، بل بتلك التي فشلت الدول في منعها أو تجنّبها. لم تخطئ إيران في الحساب العسكريّ وحده، بل…

هل ينقذ الرّهان على الوقت النّظام الإيرانيّ؟

لم يعد القول إنّ إيران وشبكة حلفائها في المنطقة تلقّوا ضربات عسكريّة موجعة خلال المرحلة الماضية، موضع جدل. خرجت قيادات بارزة من المعادلة، تعطّلت مسارات…

من سيغيّر وجه إيران؟

“تمرّ عقودٌ أحياناً بالكاد أحداثها تذكَر، وثمّة أسابيع تتسارع فيها أحداث عقود”، قال ذلك يوماً فلاديمير إيليتش لينين. وهذا ينطبق على المستجدّات المتلاحقة ‫في إيران…

إيران… قبل خامنئي وبعده

كان مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي حدثاً يفوق الهزّة التي أحدثها مقتل حسن نصرالله. من هو خامنئي؟ لماذا أقدموا على قتله وتتبّع كلّ القيادة الإيرانيّة…