يعتمد الإليزيه في تدعيم نفوذه الخارجي على منطقة الشرق الأوسط، بالارتكاز على حزمة من المؤثّرات الجيوسياسية المتغيّرة، التي أرخت بثقلها على الساحة الدولية.
تشكّل المبادرة الفرنسية للاعتراف بالدولة الفلسطينية معبراً جوهريّاً، حيث يحاول الرئيس الفرنسي ماكرون بشراكة عميقة مع المملكة العربية السعودية وكلّ الدول العربية والصديقة، الانتقال من سياسة التوازنات غير المستقرّة إلى نظير مماثل للثوابت الفرنسية الديغوليّة المنتجة. فما هي أهميّة مؤتمر حلّ الدولتين؟ وهل تشهد المرحلة المقبلة اعترافاً فرنسيّاً ودوليّاً بالدولة الفلسطينية؟
أيقنت الإدارة الفرنسية عدم إمكان اندثار حلّ الدولتين. بدأت تستشعر أنّ ملاءة اللحظة المتناسبة والمتوازنة تصبّ في مصلحة الاعتراف بالدولة الفلسطينية. تريده مؤسّساً لواقع جديد. تحرِّك عبره المياه الراكدة منذ عقود، فلا تبغيه رمزيّاً فقط. وتحاول أن تخرق سكون الدول الكبرى، الحليفة والصديقة.
تنطلق حقيقة الخطوة الفرنسية من مشروطيّة التوازن بين الأطراف الدوليّين في تكريس للمبدأ الفرنسي التقليدي في منطق العلاقات الدولية، القائم على صفة التوازن وخاصيّة تقرير المصير والامتثال للقانون الدولي بين الدول. اعتمدت فرنسا مجدداً المبدأ الديغوليّ المنادي بحلّ الدولتين، بعد تخلّي الإدارة الفرنسية عن هذا الحلّ في العقدين الأخيرين.
يعتمد الإليزيه في تدعيم نفوذه الخارجي على منطقة الشرق الأوسط، بالارتكاز على حزمة من المؤثّرات الجيوسياسية المتغيّرة، التي أرخت بثقلها على الساحة الدولية
صانعة سلام
تبحث عن التوازن والحضور على المستوى الدولي. تريد استرجاعهما لما لهما من إفادة واستقرار للجمهوريّة. تُقبل على ذلك في خطوات حذرة تحتوي بشكل ضمنيّ على رضى أكبر جاليتين فرنسيّتين عربية ويهودية في أوروبا. لذا تراكم الإدارة الفرنسية نشاطها في التحوّل إلى إحداث التغييرات الفعليّة، غير الكلامية. وتعتقد أنّ هنالك واجباً إنسانيّاً وأخلاقيّاً وقانونيّاً في وجوبيّة المحافظة على نطاق دولة فلسطينية.
يتوق الرئيس ماكرون إلى أن تكون فرنسا صانعة سلام، أو أن تكون مساعداً حقيقيّاً في صنعه. هو مقصد كبير يتجلّى فيه اقتناع فرنسي متين بعدم استهلال السلام في المنطقة الشرق الأوسطيّة إلّا بمعبر إلزاميّة الاعتراف بالدولة الفلسطينية. وهذا ما يُصار إلى بلورته سعوديّاً وفرنسيّاً مع المجموعات الدولية والأوروبية.
لذا تعمل الدبلوماسيّتان على تحقيق توليفة دوليّة تضم مروحة مؤيّدة وواسعة من العواصم الأوروبية والدولية المتحمّسة للإقرار بالدولة الفلسطينية، في مواظبة على متابعة الجهود لإقناع العديد من الدول المتشجّعة على الاعتراف، وتذليل العراقيل الإضافية أمام الإقرار، مع العمل على تسريع وتغليب وتيرة الاعتراف في هذه الفترة القريبة.
إصلاح خلل سياسيّ
لقد طرأ نتيجة الهشاشة الفرنسية والرتابة الأوروبية خللٌ دبلوماسي كان قد أخرج السياسة الفرنسية الخارجية من حالة التوازن في الأفكار والمواقف، التي كانت رائجة إبّان فترة الرؤساء شارل ديغول وفرسوا ميتران وجاك شيراك. وهذا ما تعمل الإدارة الفرنسية الحالية على استعادته، في محاولة من الرئيس ماكرون لتوضيح أولويّات الإدارة الفرنسية اتّجاه المنطقة الشرق الأوسطية، التي تنطلق من أهمّية الشراكة العميقة والعلاقات المتناغمة والتعاونات الاستراتيجيّة المؤدّية إلى الحلول السلمية النهائية، وإلى حلّ عادل للقضيّة الفلسطينية.
يحاول ماكرون استعادة الثقة الفرنسية المتخثّرة مع الدول العربية، التي لا تثق كثيراً بفاعليّة السياسة الخارجية الفرنسية. ويحرص في سبيل ذلك على صوابيّة الشراكة المتينة مع المملكة العربية السعودية. إذ لا تعتبر المملكة السعودية شريكة استراتيجيّة عالمية في الاقتصاد والطاقة والتجارة وحسب، بل وفي السياسة المقرّرة.
أضحت السعودية مركز جذب عالمي لا بديل عنه، وصاحبة دور قياديّ في المنطقة. تعتمد فرنسا عليها في كلّ خطواتها الشرق الأوسطية. ينسّقان بتناغم تامّ وبقراءة واحدة لعمليّة السلام. توحّدت رؤيتهما لآليّات الوصول إلى تسوية الدولتين، والاعتراف بالدولة الفلسطينية. لكن ليس بشكل باهت ترفضه المملكة السعودية، وكذلك فرنسا.
يتوق الرئيس ماكرون إلى أن تكون فرنسا صانعة سلام، أو أن تكون مساعداً حقيقيّاً في صنعه
أهمّيّة مؤتمر الدّولتين
يشكّل المؤتمرالمرتقب لحلّ الدولتين، والمقرَّر عقده في الثلث الثاني من حزيران، على امتداد ثلاثة أيّام في أروقة الأمم المتّحدة، باكورة التقارب الاستراتيجي بين فرنسا والسعودية. يعتبر ثمرة جهودهما كرئيسين مؤسّسين ومشاركين للفعّالية. يؤكّد دور المملكة المسؤول اتّجاه القضيّة الفلسطينية، من مبادرة الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز في عام 2002، إلى حاضر هذا المؤتمر.
يكتسب مكانة مهمّة لتحصين القانون الدولي، وإعادة جزء من الحياة إلى مبادئ المواثيق الدولية، وفي كونه فرصة سانحة مع احتمالية وافرة للمضيّ قدماً، وكمسار أوحد وقابل للتطبيق نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية. إنّه تأكيد من الإدارة الفرنسية لنهجها في رفض الازدواجية في السياسة الفرنسية الشرق الأوسطية بشكل عامّ، وناحية القضيّة الفلسطينية بشكل خاصّ، مع تأكيد إرادتها الكبيرة للاتّفاق على حلّ سياسي مكفول، ضمن مجهود إقليمي وعربي ودولي مشترك، قد يضع حدّاً نهائيّاً للصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي. ولا ترى بصيصه إلّا من خلال معبر واحد، وهو حلّ الدولتين.
تبحث الإدارة الفرنسية عن دور وعناوين كبيرة في السياسة الدولية، من أجل إعادة الزخم الموثوق إلى مكّوكيّة سياستها الخارجية. شكّلت حرب أكتوبر الثانية علامة فارقة على المسرح العالمي. اعتُبرت أيضاً نقطة فاصلة بين مرحلتين في السياسة الفرنسية الخارجية في ما يتعلّق بشكل خاصّ بالقضيّة الفلسطينية.
إقرأ أيضاً: باريس على طريق الرياض: لا حلّ إلا بدولة فلسطينية
إذ تبدّلت معها ملامح الصراع (العربي الإسرائيلي، والفلسطيني الإسرائيلي)، وأعادت الزخم إلى حلّ الدولتين على الرغم من كلّ التشوّهات الديمغرافية والسياسية والتشريعية التي طالته بنتيجة التغوّل الإسرائيلي. انقلبت الإدارة الفرنسية على الكيان الإسرائيلي. ارتفعت حدّة المواجهة بينهما بسبب الحرب. أظهرت أسلوباً جديداً في السياسات الصارمة. تبدّلت من مرحلة الدعم إلى مرحلة العقوبات، ومراجعة اتّفاقات الشراكة التجارية.
فهل يثمر هذا الانقلاب؟ هل تنجح الإدارة الفرنسية – السعودية؟ وهل يكون العالم على موعد الاعتراف بالدولة الفلسطينية في السابع عشر من هذا الشهر موعد انعقاد المؤتمر الدولي في نيويورك؟
