جان عبَيد (1/3): حكايته مع رفيق وسرّ السُبحة

مدة القراءة 6 د

“لو قدّر لجان عبيد أن يكتب بنفسه سيرته ولا تُروى عنه، لأعطى الكتاب عنواناً آخر، هو أقدار في سيرة رجل. تصنع الأقدار تاريخ الأوطان والشعوب، لكنّها تصنع أيضاً سِير الرجال. هو من طراز الذين وقفت الأقدار أمام أبوابهم أو دونهم. جان عبيد من قلّة من أجيال عارفي لبنان، الوطن والدولة اللذين يختلط حاضرهما بماضيهما. ولد في الجمهورية الأولى، وتدرّب في الجمهورية الثانية، وصعد في الجمهورية الثالثة”.

 

بتلك الكلمات افتتح الزميل الكاتب نقولا ناصيف احتفاليّة إطلاق كتابه “جان عبيد.. ستّة عقود في الوطن” الصادر عن دار النهار.

ينشر موقع “أساس ميديا” عبر ثلاث حلقات شهادات شهدها الحفل الكبير لسببين. الأول لأنّها شهادات لرجل كانت له في حياتنا السياسية بصمات وعِبَر. أمّا السبب الثاني فكونها شهادات لمراحل مرّت وما تزال تمرّ حاملةً كلّ الحقائق المقبلة من زمن مضى إلى زمن سيأتي.

***********

في الحلقة الأولى قصّتان، قصّة علاقته بالرئيس رفيق الحريري، وقصّة عشق تربطه بالمسابح. الأولى ترويها النائب بهيّة الحريري، والثانية يرويها الوزير السابق رشيد درباس.

يتحدّث رشيد درباس، وهو الصديق القديم لجان عبيد، فيقول: “القبر يندى بالطيوب وحميم أحزان القلوب، العشب لم ينبت على لهف المفارق والدروب، تتمرّد الذكرى فلا يلتئم جرح بالندوب، ضمّ الثرى عينيه فانبثق الشعاع من الثقوب، ألا لا بارك الله في دموع الحبر، إذا ذُرفت حزناً عليه، تبّاً للخطّ إذا كان رقيماً، فأنا لم أعاقره إلّا إدماناً على اكتشاف خزائنه ونشر ملائحها ودررها حتّى اتُّهمت بأنّي ظلّ خجول لابن عبيدالله، لمّا علمت، فزعت إلى أكياس المسابح التي أهدانيها، حاولت أن أتذكّر كلامه في مزايا كلّ واحدة، حدّقت بحبّاتها التي كان يقرّبها لي من النور، ليريني محتوياتها الخفيّة، فلم أرَ فيها إلّا وجهه، يطلّ عليّ من عمق الكهرمان باسماً، لاذعاً شاتماً، ناعماً صارماً، صادقاً، ناصحاً وحكيماً”.

يضيف: “جمعت مسابحي تلك التي شكّها في خيط الوجدان في حوالي نصف قرن، فقرأت فيها عناد الضوء ولسعتني كهرباؤها، فتكشّف لي كم تغيّرت طباعي من خلال صداقته، دون انتباه، كانت محطّة كلامه الآية الكريمة: “فإذا الذي بينك وبينه عداوة، كأنّه وليّ حميم”.

يتابع: “كان يحبّ من أحبّ، ويصالحني مع من لم أحبّ، وحسبي من ذلك كلّه أنّه قدّمني إلى الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي أحاطني بعناية حميمة وزرع في قلبي محبّة مقيمة. وكم حدّثني عن أيّام سجنه واختطافه، وصفحه على الرغم من ذلك عن كلّ من أساء إليه”.

يردف: “الفتى الطرابلسيّ “العلماويّ” العلمانيّ العربي الوجه واليد واللسان، يسير في ملاعب جنة فلا يحتاج إلى ترجمان، تماماً كما الحكيم سليمان، صامداً بغير تشنّج عابراً للحواجز الحربية، متنقّلاً بين القذائف، يركب المخاطر لإنقاذ مخطوف وإغاثة ملهوف وردّ البسمات إلى الأبناء والزوجات والأمّهات، بردّ عزيزهم إليهم، بما له من حجّة ودماثة وشجاعة وطلاوة لسان”.

يقول: “عرفته أوّل مرّة أثناء الحرب المشؤومة، قافزاً مع المرحوم الشيخ الياس الخازن فوق اللهب ليصلا إلى طرابلس لاسترجاع ثلاثة من رهبان الكسليك الذين احتجزتهم الصاعقة، فكأنّه بعد تمرّسه في عبور الحواجز برع بعد ذلك في عبور القارّات وزيراً للخارجيّة كان موضع إعجاب قادة العرب والعالم، ولقد قال له الرئيس خاتمي مرّة إنّه كلّما التقاه استفاد من فهمه العميق للإسلام والأديان”.

رئيسة مؤسّسة الحريري للتنمية النائبة السابقة بهيّة الحريري روت حكاية جان عبيد مع رفيق الحريري وقصّة لقاء الجمعة الأسبوعي

حكايته مع رفيق الحريري

رئيسة مؤسّسة الحريري للتنمية النائبة السابقة بهيّة الحريري روت حكاية جان عبيد مع رفيق الحريري وقصّة لقاء الجمعة الأسبوعي فقالت: “يوم 22 تشرين الأوّل 1992 كان أوّل ثلاثاء يلي الخامس عشر من تشرين الأوّل، يوم التأم المجلس النيابي المنتخب لأوّل مرّة بعد عشرين عاماً من الانقطاع عن الانتخابات. يومها دخلتُ المجلس النيابي وأنا في حالة من الغربة والريبة. كنت وحيدة بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من غربة وضياع، وكان الزملاء النوّاب مثنى ومجموعاتٍ يتسابقون على اختيار مقاعدهم لأربع سنوات مقبلة، وكنت أنا وحدي ولا أعرف كيف أختار مقعدي، وكان أن جلست ضمن مجموعة من الزملاء النوّاب لا أعرف أحداً منهم. وأنا في صميم حيرتي اقترب منّي الزميل الكبير الأستاذ جان عبيد وعرّفني بنفسه، وطلب منّي الجلوس إلى جانبه، مع الأستاذ الكبير عبداللطيف الزين. عندها شعرت بفيض من الثقة والأمان. وانتقلت إلى ذلك المقعد المحاط بالحكمة والخبرة والوطنيّة والصداقة، ولم أغادر ذلك المقعد طوال فترة وجودي في المجلس النيابي على مدى ثلاثين عاماً”.

أضافت: “يوم 31 تشرين الأوّل 1992 تشكّلت حكومة الرئيس رفيق الحريري الأولى، ومنذ ذلك اليوم أصبحنا نعرف أنّه كلّ يوم جمعة عند الساعة السابعة صباحاً سيكون هناك لقاء استثنائي بين الرئيس رفيق الحريري والنائب والصديق الأستاذ جان عبيد. وأصبحت في كثير من الأحيان أطلب من الأستاذ جان عبيد المساعدة في بعض الموضوعات ليتولّى بحكمته الحديث فيها مع الرئيس رفيق الحريري، الذي كان شديد الاعتزاز بصداقته والإصغاء إلى حكمته ومعرفته. واستمرّ لقاء الجمعة عند السابعة صباحاً بانتظام وبدون انقطاع حتّى السابعة من صباح 11 شباط، يوم الجمعة الأخير قبل يوم الإثنين 14 شباط 2005. اليوم الخميس في 29 أيّار 2025. وفي اتّصال من الإمارات العربية المتّحدة مع الرئيس سعد الحريري هذا الصباح حمّلني إلى هذا اللقاء خالص المودّة والتقدير والاحترام”.

إقرأ أيضاً: فخري كريّم “شخصيّة العام الإعلاميّة”… وكل الأعوام؟

تابعت: “يوم 7 تشرين الثاني 1996 تولّى الأستاذ جان عبيد حقيبة وزارة التربية الوطنية، وكنت حينها رئيسة لجنة التربية النيابية، وبادر معالي الوزير الأستاذ جان عبيد إلى إطلاق أكبر عمليّة تحديث وتطوير للمناهج التربوية، وهو ما جعلنا نعمل فريقاً واحداً كلّ من موقعه، وكانت لجنة التربية النيابية تحظى بحضور واهتمام استثنائي من معالي وزير التربية الوطنية، الشديد الوطنيّة، وهو ما جعل من إنجاح عمليّة التحديث والتطوير قضيّة متحقّقة أحدثت بارقة أمل كبرى باستعادة لبنان مكانته التربوية العميقة والمميّزة”.

في الحلقة الثانية غداً: جان عبيد (2/3): جنبلاط والجميّل يكشفان السرّ.

مواضيع ذات صلة

21 عاماً من رفيق لا يغيب

21 عاماً على الغياب ويبقى رفيق الحريري مؤلماً بحضوره الذي لا يغيب. نعم مؤلماً، بالحسرة على الفراق، بالشوق إلى اللقاء، وبالرغبة إلى الحلم بوطن ينطبق…

وزارة الخارجية توضح: لا تعطيل إداري

أصدرت وزارة الخارجية بياناً توضيحياً عن المقال الذي نشره موقع “أساس” للزميلة ملاك عقيل اليوم السبت. البيان ينشره “أساس” التزاماً بحق الرد وقد جاء فيه:…

استقالة القاضية المهتار: مضبطة إدانة للدولة الجديدة

لم تكرّر صحافة في العالم مقولة ونستن تشرشل الشهيرة عن اهمية القضاء كما فعلت الصحافة اللبنانية، ولكن التكرار لم يعلّم الشطّار بعد في لبنان. الشاهد…

قضيّة الموقوفين السّوريّين: نصار يتلاعب بالتفاهمات..

عادَ الوفدُ القضائيّ – التّقنيّ اللبنانيّ من العاصمة السّوريّة من دون أيّ تقدُّم يُذكر في حلّ قضيّة الموقوفين السّوريّين في السّجون اللبنانيّة. كانت الأجواء في…