سياسات ترامب الاقتصاديّة: هل تؤدّي إلى حرب مع الصّين؟ (2-2)

مدة القراءة 8 د

بعد وفاة ماو تسي تونغ، أطلق دينغ شياو بينغ سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية في عام 1978 تحت شعار “عبور النهر عن طريق تحسّس الحجارة”. كانت هذه الإصلاحات تدريجية وتجريبية، فتمّ تطبيق سياسات جديدة في مناطق محدّدة أوّلاً لتقويم فعّاليّتها قبل التوسّع فيها على مستوى البلاد.

 

 

تمكّنت الصين من إتقان اقتصاد السوق مع الحفاظ على حكم الحزب الشيوعي من خلال تبنّي نموذج فريد يسمّى “اقتصاد السوق الاشتراكي ذا الخصائص الصينية”. هذا النموذج ليس ببساطة مزيجاً من الاشتراكية والرأسمالية، بل هو نظام معقّد تطوّر عبر عقود من الإصلاحات والتعديلات.

“لا يهمّ لون القطّة، المهمّ أن تمسك بالفئران”، هذه المقولة الشهيرة لدينغ شياو بينغ تجسِّد البراغماتية التي اتّبعتها الصين في تبنّي آليّات السوق ما دامت تخدم التنمية الاقتصادية، بغضّ النظر عن أصولها الرأسماليّة.

لكن على الرغم من تبنّي آليّات السوق، احتفظت الدولة بدور مركزيّ في التخطيط الاستراتيجي وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات الأولويّة. فالدولة تسيطر على قطاعات استراتيجيّة مثل الطاقة والبنية التحتيّة والماليّة، وهو ما يمنحها نفوذاً كبيراً على الاقتصاد. وتتدخّل بشكل كبير في تنظيم الأسواق لضمان الاستقرار الاقتصادي وتحقيق أهداف التنمية.

بعد وفاة ماو تسي تونغ، أطلق دينغ شياو بينغ سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية في عام 1978 تحت شعار “عبور النهر عن طريق تحسّس الحجارة”

الانفتاح المدروس على العالم

سمحت الصين بدخول الاستثمار الأجنبي المباشر، فدخلت البلادَ رؤوس الأموال والتكنولوجيا والخبرات الإدارية. في الوقت ذاته، تبنّت الصين استراتيجية النموّ الموجّه بالتصدير، مستفيدةً من قاعدتها العمّالية الكبيرة وتكاليف الإنتاج المنخفضة لتصبح “مصنع العالم”. ثمّ ساهم انضمام الصين إلى منظّمة التجارة العالمية في عام 2001 في تعزيز تجارتها الدولية واندماجها في الاقتصاد العالمي.

في الوقت ذاته، حافظ الحزب الشيوعي على قبضته القويّة على السلطة، فنشأت بيئة سياسية مستقرّة نسبياً ضروريّة للتنمية الاقتصادية. فقد وضع الحزب الشيوعي التنمية الاقتصادية وتحسين مستويات المعيشة هدفاً أساسيّاً لتعزيز شرعيّته. ويرى الحزب أنّ الصين لا تزال في مرحلة أولّيّة من الاشتراكية تسمح بوجود وتطوّر اقتصاد السوق تحت إشراف الحزب وتوجيهه.

من هنا، تسعى الصين إلى استخدام آليّات السوق بكفاية لتنمية قوى الإنتاج وتحقيق الرخاء المشترك، مع الحفاظ على الأهداف الاشتراكية الطويلة الأجل. هذا يعني أنّ الصين لم تلتزم اقتصاد السوق بالمعنى الغربي الكامل للكلمة. بل قامت بإنشاء نظام هجين فريد يجمع بين عناصر اقتصاد السوق ودور الدولة القويّ تحت قيادة الحزب الشيوعي. سمح لها هذا النموذج بالاستفادة من ديناميكيّات السوق لتحقيق نموّ اقتصادي هائل مع الحفاظ على نظامها السياسي. ومع ذلك، يظلّ هذا النموذج قيد التطوّر ويواجه تحدّيات مستمرّة في الموازنة بين آليّات السوق والسيطرة الحكومية.

هنا يحضر السؤال: هل كانت استدارة ترامب نحو الحمائية التجارية ردّاً على نجاح الصين في المنافسة في اقتصاد السوق؟

من البديهي القول إنّ سياسات ترامب الحمائية أتت نتيجة ضخامة حجم الاقتصاد الصيني وأثره على الاقتصاد الأميركي. تكمن النقطة الأهمّ في كون الميزان التجاري بين الولايات المتّحدة والصين يميل بشكل فاضح لمصلحة الأخيرة. اعتبرت إدارة ترامب أنّ هذا الأمر سببه الحمائية في التصنيع الممارَسة في الصين عند إنتاج السلعة، معتبرةً أنّ ذلك يضرب مبدأ التجارة من أساسه. فبدخول الصين منظّمة التجارة العالمية تمكّنت من حصد فوائد لا تحصى، في حين أنّ الولايات المتّحدة خسرت الكثير من الوظائف في القطاع الصناعي إثر دخول الصين على خطّ المنافسة المفتوحة. ويعتبر الأميركيون أنّ الصين تسرق الأفكار التكنولوجيّة من الخارج وتستخدمها في تصنيع السلع الرخيصة من دون تكاليف البحث والملكيّة الأدبيّة.

من البديهي القول إنّ سياسات ترامب الحمائية أتت نتيجة ضخامة حجم الاقتصاد الصيني وأثره على الاقتصاد الأميركي

تغيير المسار وتصحيحه

إلى ذلك، انتقدت إدارة ترامب كون السياسات الصناعية التي تقودها وتوجّهها الدولة في الصين وتتضمّن منحاً ودعماً لصناعات مفصليّة تتسبّب بتخريب مبدأ المنافسة الحرّة. فوق ذلك، وبما يتعدّى المسائل الاقتصادية، يكمن القلق في استخدام الصين كلّ ما سبق في مضاعفة قدراتها العسكرية والتكنولوجيّة.

لذلك من المنطقي القول إنّ نجاح الصين في المنافسة على السوق العالمية هو ما دفع إدارة ترامب لاتّباع السياسات الحمائية، لكنّ هذه السياسات تدخل أيضاً في مسألة اعتبار أنّ مصلحة أميركا تأتي أوّلاً في العلاقات مع الدول، وبالأخصّ في المسألة الاقتصادية. هذا مع العلم أنّ هذا الأمر تدخل فيه وجهات نظر متعدّدة بخصوص إمكان نجاح تلك السياسات في مواجهة التمدّد الاقتصادي الصينيّ.

هنا يحتمل تحليل هذا الأمر أوجهاً عديدة، ففرض تعريفات جمركية يفترض أنّه سيجبر الصين على تغيير وتصحيح مسارها التجاري العالمي. هذا ما قد يجبر الشركات التي تستثمر في الصين سعياً وراء انخفاض كلفة الإنتاج إلى تنويع مواقع استثماراتها كما تنويع مصادر سلسلة الإنتاج. وتسعى الولايات المتّحدة إلى وضع ضوابط أكثر صرامة بالنسبة لسرقة الملكيّات الأدبيّة لإضعاف قدرة الصين على استخدام الاختراعات التي تستوردها من الخارج وتضعها في خدمة صناعاتها من دون مقابل. كما تسعى تلك الإدارة إلى الحدّ من تسرّب التكنولوجيا المرتبطة بالمسائل الحسّاسة على مستوى الأمن القومي.

لكنّ كلّ تلك الإجراءات عرضة للتشكُّك في إمكان نجاحها في احتواء الصين، فإنّ الاقتصاد المعولم يجعل من إمكان محاصرة أو احتواء الاقتصاد الصيني أمراً صعباً للغاية، فمعظم دول العالم تعتمد على التجارة مع الصين، وسلاسل الإنتاج عند معظم الشركات العالمية مرتبطة بشكل أو بآخر بالصناعة الصينية. ومن الواضح أنّ الصين نوّعت من تبادلاتها التجارية لتتجاوز إمكان تقلّص تجارتها مع الولايات المتّحدة. فوق كلّ ذلك، تستند صلابة الاقتصاد الصيني إلى سوق محلّي كبير، وهي تستثمر بشكل حثيث في البحوث من أجل اختراعات جديدة تجعلها بغنى عن سرقة الملكيّات الأدبيّة، وتسعى إلى الاكتفاء الذاتي في سلاسل إنتاجها.

ما يجعل أيضاً من مسألة تقييد التجارة مع الصين أمراً يحتاج إلى درس عميق ومتأنٍّ هو حساب ردّ فعل الصين على أيّ إجراءات بحقّها الذي قد يتسبّب بضرر للشركات والمستهلكين الأميركيين بسبب ارتفاع أسعار السلع المستوردة، وصعوبة تصدير الصناعات المحلّية بسبب فرض الرسوم الارتدادية.

إنّ إمكان نجاح سياسات الحماية الاقتصادية من قبل الإدارة الأميركية مرتبط بعوامل عدّة، أهمّها ردّة فعل الصين مع العلم أنّها نسجت علاقات سياسية وتجارية واستثمارية واسعة مع شبكة واسعة من الدول، وهو ما يعني أنّها تملك بدائل كثيرة. وهذا ما يصعّب من إمكان توقّع النتائج على المدى الطويل.

الخطورة الكبرى تكمن في حصول صراع على الموادّ الأوّليّة وقطاع الطاقة، فالدول التي تشعر بأنّ مواردها منها تتعرّض للخطر، ستلجأ حتماً إلى التصعيد العسكري

التّصعيد العسكريّ

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تؤدّي الحرب التجارية إلى حرب عسكرية؟

لا شكّ أنّ شرح وتحليل تلك المسألة ليس بالأمر البسيط، فقد لا يكون بالإمكان دائماً وضع رابط مباشر ووحيد لنشوب الحروب على أساس الاقتصاد، لكنّ التزاحم الاقتصادي يؤدّي بشكل حتميّ إلى التشاحن على المستوى السياسي. فسياسات الحماية الاقتصادية تشحن عادة الشعور القومي العدائي وتعيد إلى الأذهان حقبة فترة المركنتيلية، حين كان مكسب دولة أو قوميّة ما يُحسب خسارة لأخرى مع تجاهل تامّ لما هو خسارة في النموّ للطرفين بسبب التشاحن. هذا ما يدفع عادة إلى تزايد الداء وانعدام الثقة، وتدفع الشعبويّة السياسة إلى تقليل فرص المصالحات عن طريق الدبلوماسية.

إقرأ أيضاً: سياسات ترامب الاقتصاديّة: سيفٌ ذو حدّين (1-2)

أمّا الخطورة الكبرى فتكمن في حصول صراع على الموادّ الأوّليّة وقطاع الطاقة، فالدول التي تشعر بأنّ مواردها منها تتعرّض للخطر، ستلجأ حتماً إلى التصعيد العسكري. والحرب التجارية هنا تفاقم عادةً التنافس السياسي عندما تتداخل مع الصراع التجاري والاقتصادي، فيسهل نشوب الحروب. تثبت السوابق التاريخية في القرن الماضي على الأقلّ كيف تسبّب الصراع على الموارد في نشوء الحروب الكبرى، وأزمة العشرينيات والثلاثينيات وفرض التعريفات الجمركية ساهمت في تضخيم العداء القومي ودفعت إلى دخول العالم الحرب العالمية الثانية.

لكنّ ما يمكنه التخفيف من هذا الاحتمال هو تطوّر المؤسّسات الدولية والوسائط الدبلوماسية لعلاج الخلافات الاقتصادية وإيجاد حلول تصالحيّة لمنعها من التفاقم. فالعالم اليوم متداخل بشكل كبير على المستوى الاقتصادي، وهو ما قد يشكّل رادعاً كبيراً لتفاقم الأمور إلى حرب مفتوحة. لكنّ العامل الأكثر أهميّة هو إدراك الدول الكبرى أنّ حصول حرب مفتوحة على الباب النووي يعني الدمار الشامل، وهذا ما يشكّل رادعاً نظريّاً، وإن كان غير مأمون بالكامل، لإمكان الوصول إلى حروب كبرى جديدة. هذا بالطبع صحيح إلّا إذا ظنّ أحد الأطراف المتنازعة أنّه ستكون له اليد الطولى في النهاية، أو إذا شعر أحد الأطراف بخطر وجوديّ.

لمتابعة الكاتب على X:

@allouchmustafa1

مواضيع ذات صلة

إسرائيل تستنجد بواشنطن: أوقفوا “الحملة السّعوديّة”

فقدت إسرائيل الأمل في الحصول على تطبيع لعلاقاتها الدبلوماسيّة مع السعوديّة. وصل اليأس إلى درجة سقوط الرماديّة في لهجة ساسة إسرائيل وإعلامها، والتحوّل من الغمز…

حروب الادامةالاستراتيجية:كيف تدار الصراعات حين لايكون الحسم هدفاً؟

من سؤال: من يُضرَب؟ إلى سؤال: من يتحمّل كلفة الزمن… ولماذا؟ حين لا تعود الحرب حدثاً بل نظام تشغيل: تُخطئ التحليلات التقليديّة حين تُقارب الصراعات…

يا حامل المطرقة: لا تسمح للشيعة بالانتحار

العقل هو الفيصل يا دولة الرئيس. لا العواطف ولا العصبيات ولا الردح فوق المنابر وفوق الشرفات. العقل هو الميزان يا دولة الرئيس. لا الصراخ ولا…

من باب المندب إلى دارفور: السّعوديّة ومصر تكسران الأطواق

لم تُعلن مصر رسميّاً مشاركتها في الاتّفاقيّة الأمنيّة السعوديّة–الباكستانيّة التي أُبرمت العام الماضي، غير أنّها باتت في الواقع شريكاً أساسيّاً في هذا التحالف، الذي يضمّ…