عمى استراتيجيّ في إسرائيل… يحيلها متفرّجاً

مدة القراءة 6 د

الإنجازات السياسية الاستراتيجية التي حقّقها وليّ عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمّد بن سلمان في الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمملكة، تقلق الإسرائيليين وتشعل النقاش بينهم في ما يتعلّق بموقع إسرائيل في المعادلة الجديدة.

يبرز إجماع بين النخب الإسرائيلية على أنّ الثمار التي قطفها محمّد بن سلمان من هذه الزيارة أتت على حساب إسرائيل ومكانتها. إذ بدت هذه الأخيرة على الهامش في لحظة ولادة مشهد تاريخي في المنطقة.

يؤكّد هذا المشهد أنّ المملكة تحوّلت بفضل محمد بن سلمان، مهندس سياستها الخارجية، إلى مركز الثقل الجيوسياسي في المنطقة، إذ لا سلام وإعادة تشكيل للمنطقة أو استقرار في أسواق الطاقة العالمية من دون المملكة. من ناحية أخرى، شكّل فصل ملفّ التطبيع مع إسرائيل عن متطلّبات الشراكة الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن في مختلف الحقول، وتناغم ترامب مع موقف بن سلمان بتفضيله الخيار الدبلوماسي مع طهران على الخيار العسكري، ورفع العقوبات عن سوريا بناء على طلب الأخير، ضربةً كبيرةً لنتنياهو فحسب، بل للدور الذي كانت تستعدّ له إسرائيل في رسم مستقبل المنطقة.

ربّما يكون الأقرب إلى الواقع ما أشارت إليه صحيفة “هآرتس” من أنّ الخريطة الجيوسياسية التي يحاول ترامب رسمها في المنطقة، والتي تبدو فيها إسرائيل “متفرّجةً”، تعبّر بشكل واضح عن حجم العزلة التي يشعرون بها في تل أبيب في لحظة إعادة تشكيل المنطقة.

يبرز إجماع بين النخب الإسرائيلية على أنّ الثمار التي قطفها محمّد بن سلمان من هذه الزيارة أتت على حساب إسرائيل ومكانتها

السّعوديّة في قلب رؤية ترامب للمنطقة 

فهِم الإسرائيليون بشكل دقيق الأبعاد السياسية لزيارة ترامب للسعودية وقطر والإمارات العربية المتّحدة. بالتأكيد لم يقلّلوا من أهميّة البعد الاقتصادي للزيارة التي تندرج برأيهم في إطار زيادة “ثراء واشنطن” وجذب الاستثمارات السعودية والخليجية إلى أميركا. لكنّهم رأوا فيها فرصة لإعادة تشكيل المنطقة بتأثير سعودي واضح.

ناقش ياكي دايان الموضوع في مقالته على موقع القناة العبرية N12 بعنوان “ترامب آتٍ إلى الشرق الأوسط لإبرام اتفاقات، ونتنياهو يمكن أن يعرض عليه صفقة حياته”، فكتب: “لن تصبح السعودية فقط شريكة في التجارة الكبرى للولايات المتّحدة، بل إنّ ترامب يمنحها أيضاً دوراً إضافيّاً في رؤيته للشرق الأوسط، وهو أن تعبّئ الفراغ الذي تركه الإيرانيون، من لبنان حتّى قطاع غزّة”.

مع ذلك، لا تتوقّف طموحات الرئيس الأميركي عند هذا الحدّ، فهو يريد توسيع “اتّفاقات أبراهام”، التي قد تُحدث تغييراً في الشرق الأوسط بأسره. بالطبع استبق دايان حجم التحدّيات التي تواجهها إسرائيل من الموقع الذي حجزه بن سلمان للمملكة في إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية في المنطقة، فاقترح على نتنياهو الإسراع في عقد صفقة مع ترامب تعيد إسرائيل إلى المشهد “بدلاً من انتظار أن تفرض الظروف على الإسرائيليين واقعاً قد لا يروق لهم في شرق أوسط جديد”.

تقضي الصفقة بنظره بأن توافق إسرائيل على الاقتراح الذي طرحه المصريون بشأن إنهاء الحرب في غزة، والذي يتضمّن وقفاً لإطلاق النار مدّة خمس سنوات، إلى جانب الإفراج عن جميع المخطوفين الإسرائيليين الـ59.

فهِم الإسرائيليون بشكل دقيق الأبعاد السياسية لزيارة ترامب للسعودية وقطر والإمارات العربية المتّحدة

في الواقع، لم يلتقط نتنياهو الفرصة. ففي الوقت الذي كان يتحدّث فيه ترامب من الرياض عن ضرورة تحرير المحتجزين كافّة، كانت طائرات سلاح الجوّ الإسرائيلي تغير على مستشفى خان يونس الأوروبي، ظنّاً منها أنّ محمد السنوار يختبئ في أحد ملاجئه. غادر ترامب المنطقة وبقي نتنياهو على محطّة الانتظار مع الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتامار بن غفير.

ترامب لن يمنح نتنياهو دوراً في سياسته الخارجيّة

فتحت زيارة ترامب للمملكة العربية السعودية جدالاً كبيراً في إسرائيل في ما يتعلّق بمسؤوليّة نتنياهو عن العزلة التي تواجهها بلاده في إعادة تركيب المشهد الجيوسياسي الجديد. تركّز غالبيّة النخب الإسرائيلية على مسؤوليّة الأخير عن استمرار الحرب على غزّة من دون أيّ أفق سياسي، وتغليب مصالحه الشخصيّة على المصالح الوطنية. ويذهب البعض منهم إلى اتّهامه بالعجز عن فهم ترامب وقراءة رؤيته للمصالح الأميركية في المنطقة والتحوّلات التي تجري فيها.

عبّرت عن هذا الفشل صحيفة “يديعوت أحرونوت” بالقول: “نعلم أنّه كان هناك عمى استراتيجي قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأوّل)…. في المرحلة الحالية، من غير الواضح ما إذا كان نتنياهو لا يزال يعاني جرّاء العمى ذاته، أم يضع مرّة أُخرى مصلحته السياسية فوق المصلحة الوطنية. في كلتا الحالتين، هذا الرجل فشِل”.

من جهته، يذكّر ألوف بن نتنياهو في مقالته في صحيفة هآرتس بعنوان “ترامب لن يحوّل الولايات المتّحدة إلى دولة تحت رعاية إسرائيل”، بأنّ إعفاء واشنطن لإسرائيل منذ الاعتراف بها أيّام الرئيس الأميركي هاري ترومان من التزام القضايا والمعايير الدولية، لم يمنحها التأثير غير المحدود في السياسة الخارجية.

يضيف: “إذا كانت إسرائيل قد حصلت على ما تريد في الشأن الفلسطيني، فإنّ الأميركيين قد أوضحوا مراراً للإسرائيليين مَن هي القوّة العظمى، ومن هي الدولة الموجودة تحت حمايتها”. ويتابع: “عندما وصل ترامب إلى السلطة، كسر قضايا كان متّفقاً عليها مع إسرائيل: نقل السفارة الأميركية إلى القدس، اعترف بضمّ الجولان، وامتنع عن الإلحاح بشأن المستوطنات، وخلال أسبوعه الأخير في الإدارة دمج إسرائيل في منطقة دفاع “القيادة الوسطى” الأميركية”.

إقرأ أيضاً: الزّيارة التّاريخيّة وانفصال المسارات

المفاتيح أميركيّة

عندما عاد إلى السلطة، اعتقد بنيامين نتنياهو أنّه سيحصل على مفاتيح السياسة الخارجية الأميركية. “سريعاً جدّاً، اتّضح أنّ الرئيس لا يملك أيّ نيّة للسماح بذلك. بقيت الخطّة مثلما كانت عليه دائماً: إسرائيل تقوم بما تريده مع الفلسطينيين، وتلتزم أوامر واشنطن في كلّ مكان آخر”. ويختم الكاتب بالقول: “صحيح أنّ ترامب يمكن أن يكون عصبيّاً وسريعاً، ويتجاهل القانون الدولي وحقوق الإنسان أكثر من أسلافه، لكنّه لن يحوّل الولايات المتّحدة إلى دولة تحت رعاية إسرائيل”.

في النهاية، عرف محمّد بن سلمان كيف يستثمر نجاح سياسته الخارجية المتوازنة والمتنوّعة، وعرف أيضاً كيف يضبط ساعته على إيقاع ترامب، بينما فشل نتنياهو في فعل ذلك. المنطقة ما بعد الزيارة التاريخية للسعودية غير ما قبلها. وبانتظار معرفة ما إذا كان خامنئي سيلتقط “غصن الزيتون”، أو سيذهب إلى خيارات أخرى، وما إذا كان نتنياهو سيطلق العنان “لمركبات جدعون” لتدمير ما بقي من غزّة وتهجير سكّانها، أو سينصاع لرؤية ترامب، الثابت من الآن وصاعداً هو الموقع المميّز الذي رسّخه محمّد بن سلمان للمملكة في رسم خريطة مستقبل المنطقة.

* أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@WalidSafi16

مواضيع ذات صلة

الرّياض تفضّل إيران الدّولة على إيران الفوضى

لم تعد المملكة العربيّة السعوديّة تنظر إلى إيران بوصفها خصماً يجب إضعافه أو إسقاطه، بل بوصفها دولة يجب منع انهيارها. المفارقة تبدو صارخة، لكنّها في…

هل أعدّت واشنطن نظاماً إيرانيّاً بديلاً؟

بعد ساعات من انتهاء جلسة المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة الأخيرة في جنيف، وبعد التصريحات المملّة من وفدَي البلدين عن التقدّم، التفاؤل، ووضع إطار… وما يشبه ذلك،…

واشنطن تثبّت الشّرع: تعديل حكوميّ… وانسحاب عسكريّ

بين حديث إعلاميّ عن ورشة لتشكيل حكومة سوريّة جديدة بصلاحيّات موسّعة وأسماء طُرحت لرئاسة الوزراء، رسم تقرير i24NEWS صورة حكومة شاملة قد تعيد ترتيب المشهد…

مجلس السّلام: معاني إقصاء السلطة الفلسطينية

نصّب الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب نفسه راعياً لـ”السلام” في الاجتماع الأوّل لـ”مجلس السلام العالميّ” في واشنطن، مستعرضاً سيلاً من السيناريوات عن “اليوم التالي” في المنطقة،…