ترامب – بن سلمان: المنطقة تسير عكس نتنياهو

مدة القراءة 6 د

في حدث غير مسبوق، ينجح وليّ عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان، في قلب مسار التاريخ، في لحظة مصيرية تمرّ بها المنطقة. فهو احتضن سوريا وحرّرها من العقوبات، وأبطأ من اندفاعة واشنطن بتحريض إسرائيلي ضدّ إيران، وفتح الباب لمستقبل مختلف، قوامه حلّ عادل للقضيّة الفلسطينية. أمّا زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمملكة فليست سوى البداية.

 

لم يكن عاديّاً المشهد الجيوسياسي في المنطقة قبيل الزيارة التاريخية للرئيس الأميركي للمملكة العربية السعودية، وسيكون مختلفاً جدّاً بعدها وإلى وقت غير معلوم. ما جرى في تلك الزيارة من لقاءات ومواقف وصفقات يغيّر وجه المنطقة، لكن ليس على الشكل الذي أراده رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأوّل) 2023. وذلك بدليل ما سبق زيارة ترامب ورافقها من اتّفاقات منفردة بين ترامب والحوثيين في اليمن في 6 أيّار (وقف الغارات الأميركية مقابل وقف استهداف السفن في البحر الأحمر)، وبينه وبين حركة “حماس” في 11 أيّار (إطلاق سراح الأسير الإسرائيلي الأميركي عيدان ألكسندر بهدف تعقيد الموقف السياسي والميداني لإسرائيل، وفتح قناة حوار مع واشنطن)، من دون التنسيق مع نتنياهو وبمعزل عنه.

حتّى إنّ رفع العقوبات عن سوريا واستقبال الرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض برعاية سعودية، يتجافى بالطبع مع المخطّط الإسرائيلي المعلن لتقسيم سوريا، بما يعني إضعاف الحكومة المركزية وإغراق سوريا في الفوضى لسنوات طويلة.

 هل يجلس المتضرّرون من هجمة ترامب على المنطقة التي هي قلب العالم مكتوفي الأيدي؟

إسرائيل على كراسي المتفرّجين

لقد كانت إسرائيل كلّها خارج مسار التاريخ في تلك الأيّام الحاسمات، وعلى كراسي المتفرّجين على التاريخ وهو يحتفل، لا على طاولة الصانعين له. وهذا إنجاز غير مسبوق للعرب والمسلمين. لكن هل يجلس المتضرّرون من هجمة ترامب على المنطقة التي هي قلب العالم مكتوفي الأيدي؟ وهل نفدت الإمكانات والوسائل بين أيديهم؟

لاستعراض الموقف الجيوسياسي العامّ لا بدّ من استنطاق المشهد في سوريا. ففي جغرافيتها الحيويّة والمتنازَع عليها بين الدول القريبة والبعيدة، تكمن الحكاية كلّها، ومنها يُشرق المستقبل المأمول.

صحيح أنّ هجوم “حماس” على غلاف غزّة فتح أبواب التغيير على مصراعيه، وأنّ الردّ الجنونيّ لنتنياهو أضعف “الحزب” في لبنان، وخلخل قبضة الأسد في سوريا، إلّا أنّ أحمد الشرع نجح في اقتناص الفرصة، فكان تحرير سوريا أبرز حدث استراتيجي منذ سنوات. فمع تحرير دمشق، ترسّخ ميزان جديد للقوى، وارتسمت خارطة النزاع بين ثلاثة معسكرات:

ترامب

1- محور الممانعة بين طهران وصنعاء، وقد تدهورت أحواله على نحوٍ خطير.

2- المحور الإسرائيلي الذي بدأ يراكم الأرباح طمعاً بالهيمنة أمنيّاً وعسكريّاً على كامل منطقة الشرق الأوسط ما بين إيران ومصر، وتركيا واليمن.

3- المحور العربي الصاعد بقيادة المملكة العربية السعودية، الذي احتضن سوريا بقيادة أحمد الشرع، بما رأى فيه من فرصة سانحة للاستقرار والتنمية في قلب المحور الإيراني السابق بما يوسّع المجال الحيوي الاقتصادي والأمنيّ للجزيرة العربية، ويعزّز موقف العرب في سياق الحلّ العادل للقضيّة الفلسطينية، بعيداً عن سردية التهجير الشامل والتصفية الكاملة، التي لا يُقصد منها إلّا ارتهان المنطقة كلّها لعقود طويلة مظلمة.

يتغيّر الشرق الأوسط فعلاً، لكن من دون نتنياهو، وعلى عكس رؤيته التوسّعية

من أشعل حرب آسيا؟  

قبل يومين فقط من زيارة ترامب، نجت آسيا والعالم من خطر حرب شاملة بين الهند وباكستان، الدولتين النوويّتين. والرئيس الأميركي هو الذي أوقفها على طريقته، وهو ما أغضب رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، لأنّ النهاية كانت في التوقيت الأفضل لباكستان لا الهند. وفيما انشغل العالم بمهارات الطيّارين الباكستانيين الذين أفشلوا الهجوم الجوّي الهندي الرئيسي في اليوم الأوّل، نسي الجميع أمرين جوهريَّين هما: من أشعل الفتيل؟ وهل هي المجموعات الباكستانيّة الولاء أم مجموعة مجهولة مخترَقة استخباريّاً؟ وما الذي أطفأه؟ فهل كان الخوف من تصاعد الحرب إلى سجال نوويّ، أم كان حرص ترامب على نجاح رحلته الأسطورية إلى السعوديّة؟

الأهمّ من ذلك، ما كان هدف إشعال حرب إقليمية كبرى في آسيا قبيل زيارة ترامب للرياض بأيّام قليلة، إن اعتبرنا أنّ من أشعل الفتيل كان ينوي التخريب على القرارات المزمع إصدارها في الرياض، وهي بالغة الأهميّة وذات أبعاد استراتيجيّة؟

إنّ طرح التساؤل ينبئ بحدّ ذاته بضخامة الحدث، وآثاره الجيوسياسية التي تغيّر فعلاً وجه المنطقة. فهل كانت باكستان وراء التوتّر الأخير وهي تتوجّس من انتقال الدور إليها بعد ضبط المشروع النووي الإيراني في الاتّفاق الآتي مع واشنطن، وإسرائيل تحرّض على تجريد باكستان من قنبلتها النووية منذ سنوات طويلة؟

لكنّ باكستان ليست من الدول المتهوّرة إلى حدّ إشعال حرب غير متكافئة مع الهند، وإلقاء الضوء ساطعاً على خطورة سلاحها النووي. فهل كانت إسرائيل باختراقاتها الأمنيّة وراء إشعال الحرب من خلال استهداف السيّاح الهنود في كشمير، لتحقيق أهدافها التخريبية في المنطقة؟ وهل ثمّة تقاطع بين المصلحتين الإسرائيلية والإيرانية في هذا الفضاء الآسيوي لما للحرب في آسيا من انعكاسات سلبية على مشروع ترامب في المنطقة؟ فهل من أطلق الرصاص في كشمير أفراد تابعون لجهات جهاديّة مستقلّة أرادت خلط الأوراق الاستراتيجيّة؟ كلّ هذا مجرّد تساؤلات مشروعة قد لا تعثر على إجابات شافية.

زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمملكة فليست سوى البداية

الشّرق الأوسط يتغيّر

يتغيّر الشرق الأوسط فعلاً، لكن من دون نتنياهو، وعلى عكس رؤيته التوسّعية، التي كان يُكثر الكلام عنها هو ورفاقه اليمينيون المتطرّفون، وكلّهم يمين بعد تبخّر اليسار، وذلك منذ “طوفان الأقصى”. لكن كان لزاماً على نتنياهو الذي يخوض حرباً بلا نهاية في قطاع غزّة أن يكون بعيداً عن الحدث، ليس من دون أيّ دور له وحسب، بل أيضاً مع اعتقاده الشخصي أنّه الصانع الحقيقي لهذا التاريخ، من خلال حربه على غزّة ولبنان امتداداً إلى سوريا، وإسهامه في إضعاف الأسد وإسقاطه.

إقرأ أيضاً: زيارة ترامب: بن سلمان “أعاد” صياغة العلاقة مع أميركا؟

لكنّ المشكلة في الرؤية الاستراتيجيّة لنتنياهو أنّها لا تتلاءم مع المصالح الأميركية ولا العربية الإسلامية بطبيعة الحال. فنتنياهو يريد قصف إيران وتقسيم سوريا وتصفية القضيّة الفلسطينية وتفريغ فلسطين من سكّانها الفلسطينيين ابتداء من غزّة، وصولاً إلى فرض التطبيع على العالم العربي كلّه دون أيّ مقابل سياسي، ومن دون أيّ تعهّد بإقامة دولة فلسطينية ما، على بقعة ما من فلسطين التاريخية.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@HishamAlaywan64

مواضيع ذات صلة

الزيارة الإيرانيّة والزيارات الإسرائيليّة “الجويّة”

لم تصحّ التوقّعات التي راهنت على منح لبنان فرصة لالتقاط أنفاسه، على الرغم من الإيجابيّة النسبيّة التي عكستها التصريحات الأميركيّة والإسرائيليّة بشأن تحرّكات الجيش في…

رسائل عراقجي من بيروت: تفادي الحرب بالتّحضير لها

“نحن جاهزون للتفاوض”، قالها وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي قبل انتهاء زيارته لبيروت وعودته بعد ساعات إلى طهران حيث يستقبل نظيره العُمانيّ، الوسيط مع أميركا،…

إيران لا تسقط من فوق

مع أنّه لا صلةَ مباشرة بين الحدثين، تقارب زمنيّاً اختطاف الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو مع تصاعد واتّساع الاحتجاجات الشعبيّة في إيران. لم يستفِق الرئيس الأميركيّ…

الانتفاضة الإيرانيّة تطعن قلب الشّرعيّة الثّوريّة

تعود إيران إلى واجهة الاهتمام مع انتفاضة تبدو مختلفة في عمقها ودلالاتها عمّا سبقها، ليس فقط باتّساع رقعتها الاجتماعيّة، بل باستهدافها المباشر لمرتكزات الشرعيّة الثوريّة…