أميركا ترتقي روحياً بينما تنكفئ سياسياً

مدة القراءة 4 د

فيما كانت أوروبا تحيي الذكرى الحادية والثمانين ليوم الإنزال في النورماندي، اليوم الذي شكّل بداية نهاية الحكم النازي وتحرير أوروبا  بفضل التدخل العسكري الأميركي، انتخب الفاتيكان أول بابا أميركي في التاريخ: البابا ليو الرابع عشر، المولود روبرت فرانسيس بريفوست في شيكاغو عام 1955، هو أول بابا أمريكي، يتم انتخابه في عام 2025. عضو في رهبانية القديس أوغسطين، يحمل درجات علمية في الرياضيات واللاهوت وقانون الكنيسة، ويجيد لغات متعددة. يتماشى مع تركيز البابا فرنسيس الراحل على السينودسية والعدالة الاجتماعية، ويدعو بريفوست إلى حكم كنسي شامل والتواصل مع المهمشين.

 

تزامن رمزي كثيف بالدلالات: أميركا التي أنقذت أوروبا في الحرب العالمية الثانية، تتسلم اليوم القيادة الروحية للعالم الكاثوليكي. غير أن هذا الحدث لا يقع في زمن الهيمنة الأميركية الليبرالية، بل في ظل صعود عقيدة “أميركا أولاً” التي يقودها دونالد ترامب.

قد يبدو الأمر تتويجاً للدور الأميركي على الساحة العالمية، ليس فقط في السياسة والاقتصاد، بل في الإيمان والدين أيضاً. غير أن هذا الصعود الروحي يتقاطع مع نزعة انكفائية متزايدة في السياسة الأميركية، ما يطرح سؤالاً مركزياً: ماذا يحدث عندما ترتقي دولة إلى قيادة العالم، فيما تختار في الوقت ذاته الانكفاء عنه؟

لحظة جيوسياسية

انتخاب البابا  في عهد ترامب ليس مجرد محطة دينية، بل لحظة جيوسياسية بامتياز. فقد بُنيت سلطة الفاتيكان الأخلاقية في العقود الماضية على مبادئ التضامن العالمي، والرحمة تجاه المهاجرين، والعدالة المناخية، والدفاع عن الفقراء. إذا اختار بريفوست أن يكون صوتاً لمقاومة العولمة الأخلاقية والدفاع عن الهويات الوطنية، فقد يجد في ترامب حليفًا سياسيًا غير مباشر. أما إذا قرر، خلافًا للتوقعات، تبنّي خطاب الفاتيكان التقليدي عن العدالة الاجتماعية، فقد يواجه صدامًا مكتومًا مع البيت الأبيض.

في نظر الأوروبيين، الذين يستعيدون في يوم الإنزال صورة أميركا المنقذة، يحمل انتخاب البابا الأميركي مفارقة لافتة

في نظر الأوروبيين، الذين يستعيدون في يوم الإنزال صورة أميركا المنقذة، يحمل انتخاب البابا الأميركي مفارقة لافتة. فأوروبا التي باتت تشكك في التزام واشنطن بقضايا العالم، قد ترى في هذا الحدث محاولة جديدة لـ”أمركة” المؤسسات الدولية. لكنه قد يكون أيضاً فرصة لإعادة بناء الثقة، إذا ما اختار البابا تمثيل القيم العالمية الجامعة بدل الاندماج في الاستقطاب السياسي الأميركي.

أميركا

في حال تبنّى البابا خطاب العدالة والمناخ وحقوق اللاجئين، فقد يسهم في جسر الهوة عبر الأطلسي. أما إذا انسجم مع التيارات المحافظة والشعبوية، فقد يعمّق الانقسامات الثقافية داخل الغرب.

تأمل عميق

في الداخل الأميركي، من المرجّح أن يزيد انتخاب البابا من حدة الاستقطاب السياسي والثقافي. إذ قد يسعى ترامب إلى استثمار رمزية البابا الأميركي لتعزيز رصيده بين الناخبين المسيحيين المحافظين. وفي ظل توافق بين خلفية بريفوست وتوجهات قاعدة ترامب الاجتماعية، قد يتحول الفاتيكان إلى غرفة صدى للقيم القومية الأميركية. لكن أي انتقاد للسياسات الأميركية – خصوصًا في ملفي الهجرة والعدالة الاقتصادية – قد يُعيد إشعال التوتر داخل الكنيسة الكاثوليكية الأميركية، المنقسمة أساسًا.

هذا التلاقي بين ذكرى إنزال النورماندي وانتخاب البابا بريفوست يفرض لحظة تأمل عميقة. في عام 1944، جسّدت أميركا قوتها من خلال التضحية والتضامن. أما اليوم، فهي تُعيد تعريف دورها من خلال الانكفاء والاستثناء.

إقرأ أيضاً: ليون الرابع عشر يُكمل مسيرة فرنسيس الإصلاحيّة

إنها مفارقة تختزل الواقع الراهن: أميركا ترتقي روحياً بينما تنكفئ سياسياً. والتفاعل بين الفاتيكان والبيت الأبيض في السنوات المقبلة قد لا يحدد فقط مسار الكنيسة الكاثوليكية، بل يرسم ملامح الدور الأميركي الأخلاقي والقوة الناعمة في القرن الحادي والعشرين.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

الرّياض تفضّل إيران الدّولة على إيران الفوضى

لم تعد المملكة العربيّة السعوديّة تنظر إلى إيران بوصفها خصماً يجب إضعافه أو إسقاطه، بل بوصفها دولة يجب منع انهيارها. المفارقة تبدو صارخة، لكنّها في…

هل أعدّت واشنطن نظاماً إيرانيّاً بديلاً؟

بعد ساعات من انتهاء جلسة المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة الأخيرة في جنيف، وبعد التصريحات المملّة من وفدَي البلدين عن التقدّم، التفاؤل، ووضع إطار… وما يشبه ذلك،…

واشنطن تثبّت الشّرع: تعديل حكوميّ… وانسحاب عسكريّ

بين حديث إعلاميّ عن ورشة لتشكيل حكومة سوريّة جديدة بصلاحيّات موسّعة وأسماء طُرحت لرئاسة الوزراء، رسم تقرير i24NEWS صورة حكومة شاملة قد تعيد ترتيب المشهد…

مجلس السّلام: معاني إقصاء السلطة الفلسطينية

نصّب الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب نفسه راعياً لـ”السلام” في الاجتماع الأوّل لـ”مجلس السلام العالميّ” في واشنطن، مستعرضاً سيلاً من السيناريوات عن “اليوم التالي” في المنطقة،…