“يجب أن نقبل أنّنا لا نستطيع حاليّاً حلّ مشاكل سوريا، ولذا يجب ألّا نضيع الوقت والموارد الثمينة على السياسة الداخلية السوريّة”. هي نصيحة المؤرّخ الأميركي المتخصّص في شؤون الشرق الأوسط، جاكوب أوليدورت، الذي يشغل منصب مدير مركز الأمن الأميركي في معهد “أميركا أوّلاً للسياسات” الذي أُسّس عام 2021 بهدف تعزيز أجندة دونالد ترامب للسياسات العامّة التي تضع الشعب الأميركي في المقام الأوّل.
في رأيه، “تواجه الولايات المتّحدة الأميركية منذ عهد الرئيس السابق باراك أوباما صعوبة في صياغة سياسة صحيحة تجاه سوريا، وذلك إلى حدّ كبير بسبب انشغالها بقائمة طويلة من القضايا الحرجة، بدءاً من الأثر الإنساني للحرب الأهليّة، إلى الإطاحة بالأسد وتسهيل الانتقال السياسي، وصولاً إلى تصرّفات خصومنا العالميين والإقليميين هناك. وهي حالة كلاسيكية للمثل القائل: “عندما يكون كلّ شيء على رأس الأولويّات، لا شيء هو أولويّة”.
يعتبر أوليدورت الذي عمل مستشاراً للسياسة الخارجية في مكتب نائب الرئيس السابق مايك بنس، وللسيناتورَين الجمهوريَّين أورين هاتش وجوش هاولي، أنّ “سياسة إدارة ترامب الأولى تجاه سوريا نجحت قدر الإمكان من خلال التركيز على القضايا العاجلة والمهمّة التي واجهتها هذه الإدارة وشركاؤها: تدمير خلافة داعش، وتقليص نفوذ إيران. وهذه السياسة على الرغم من أنّها لم “تحلّ” مشاكل سوريا، وضعت الولايات المتّحدة في أفضل وضع ممكن لحماية أولويّاتها”.
ديناميّات معقّدة
يرى أوليدورت أنّ في سوريا “مجموعة جديدة من الديناميات المعقّدة. فمع الإطاحة المفاجئة بالدكتاتور السابق بشّار الأسد من السلطة في كانون الأوّل، أصبحت دمشق في قبضة أحمد الشرع الذي استبدل ثوبه التقليدي ببدلة رسمية، ويلتقي بقادة العالم ويتحدّث عن احترام المرأة والأقلّيات ويحاول الظهور بمظهر أكثر “اعتدالاً”. وما يزيد الموقف الأميركي تعقيداً أنّ القوّة المحلّية الشريكة لها، قوّات سوريا الديمقراطية، أبرمت اتّفاقاً مع هيئة تحرير الشام التابعة للشرع”.
ينصح الباحث الأميركي الإدارة الأميركية بأن تتقبّل أنّها لن تحلّ الأزمة السورية، على الأقلّ ليس في الوقت الراهن
لذا يعتقد الباحث في مركز داعمٍ لسياسة ترامب أنّ “إدارة ترامب كانت حكيمة بما يكفي لعدم تحديد سياسة بشأن سوريا حتّى الآن، وهو أمر يستحقّ الثناء بشكل خاصّ بالنظر إلى الوفود الدولية العديدة (بما في ذلك، قبل 20 كانون الثاني، فريق بايدن) التي تسعى إلى لقاء الحكومة المؤقّتة الجديدة”.
يحذّر الباحث من أنّه يبدو “في الوقت الذي تدرس فيه الإدارة الأميركية خياراتها، أنّ هناك توافقاً يتشكّل في واشنطن والمجتمع الدولي على أنّ العدوّ الذي نعرفه أفضل من الذي لا نعرفه، ولذا من مصلحة الولايات المتّحدة بناء علاقات مع الشرع، كما فعل حلفاؤها الأوروبيون، خشية أن ينفّذ أوامر خصومها”.
في رأي أوليدورت الذي عمل أيضاً في وكالة الاستخبارات المركزية، ومستشاراً لسياسة الشرق الأوسط في مكتب وزير الدفاع، “هذا خطأ واضح. فثلاثة أشهر من المجاملات من إرهابيّ عالمي لا تضمن أنّه سينحاز إلينا بدلاً من خصومنا”، ويحذّر من أنّ “أيّ تعامل دون شروط واضحة مع الشرع سيعيدنا إلى نمطنا القديم الفاشل المتمثّل في دعم الحصان الخطأ، وإدراكنا متأخّرين أنّنا نعمل ضدّ مصالح أمننا”.
أجندة ترامب في سوريا
يعتقد أيضاً أنّ سوريا الجديدة، مع تراجع النفوذ الإيراني، وحكومة مؤقّتة تحاول ترسيخ وجودها، تقدّم لنا طريقاً آخر. لهذا يجب على إدارة ترامب:
– النظر إلى ما هو أبعد من دمشق، والعمل مع إسرائيل والأردن وشركاء إقليميين آخرين لضمان عدم تحوّل المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة جنوب البلاد وشرقها إلى ملاذات آمنة للإرهابيين أو لإيران. فلقد طوّرت إسرائيل بالفعل بنيتها العسكرية في جنوب غرب البلاد من خلال تعزيز صلاتها مع مجموعات من أقلّيات صديقة مثل الدروز، بينما اعترض الأردن، الذي أصبح بشكل متزايد في مرمى إيران، تهريب المخدّرات المرتبط بإيران على حدوده مع سوريا، بما في ذلك من خلال الغارات الجوّية.
يجب أن نقبل أنّنا لا نستطيع حاليّاً حلّ مشاكل سوريا، ولذا يجب ألّا نضيع الوقت والموارد الثمينة على السياسة الداخلية السوريّة
– تعزيز الإجراءات الإسرائيلية في هذه المنطقة العازلة جنوب البلاد.
– التركيز في الشرق حيث يتمركز حوالي 2,000 جندي أميركي، على تحويل مهمّتنا ليس فقط لمواجهة داعش، بل أيضاً، إلى جانب إسرائيل، لمواجهة أيّ حشد عسكري إيراني.
– الاستمرار في تقليص النفوذ السياسي لـ”الحزب” وموارده في لبنان المجاور. فبدون “الحزب”، لا تملك إيران خيارات كثيرة لإعادة تشكيل وجودها في سوريا.
ينصح الباحث الأميركي الإدارة الأميركية بأن “تتقبّل أنّها لن تحلّ الأزمة السورية، على الأقلّ ليس في الوقت الراهن. لذا يجب ألّا يضيع الوقت والموارد الثمينة على السياسة الداخلية السوريّة”، مذكّراً بما قاله ترامب عن حقّ بعد الإطاحة بالأسد: “هذه ليست معركتنا”.
إقرأ أيضاَ: بومبيو: هذه شروط الصّفقة الجيّدة مع إيران
في رأيه أنّ “إعطاء الأولويّة للقضايا التي ستشكّل تهديداً لنا ولشركائنا إذا لم يتمّ التعامل معها، وهي خطر دولة جهادية جديدة أو نظام إيراني معاد تشكيله، يمنح الولايات المتحدة الأميركية ليس فقط أفضل فرصة لبناء ائتلاف إقليمي واسع وفعّال لمواجهة قضايا مشتركة، بل أيضاً إمكان تهيئة الظروف على الأرض التي قد تساعد في بدء انتقال سياسي يُفضي إلى سوريا أفضل لشعبها ولشعبنا”.
لقراءة النص الأصلي: إضغط هنا

