على وقع هجمات موجعة تشنّها الولايات المتحدة في اليمن، بعثت واشنطن رسائل متعدّدة المستويات متنوّعة اللهجات إلى طهران. وعلى خلفيّة تلك النيران المندلعة هناك ارتبكت وتلعثمت الروايات الإيرانية في فهم ذلك التصاعد المفاجئ في مستوى المواجهة مع الولايات المتحدة. وفيما تجول حاملات الطائرات والغوّاصات الأميركية في المياه البعيدة والقريبة المحيطة بإيران، تستعدّ طهران بتهيّب لأيّام غامضة، وربّما تكون الأكثر غموضاً في حكاية سلوك أميركا مع نظام الجمهورية الإسلامية منذ نشأته عام 1979.
في 12 آذار الجاري، حمل المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات الدكتور أنور قرقاش إلى طهران رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المرشد الإيراني علي خامنئي. وفي يوم وصول المبعوث الإماراتي إلى طهران، كان المرشد يقول إنّه لم يتسلّم الرسالة، ويكرّر رفضه لمبدأ التفاوض مع واشنطن. قرأت طهران لاحقاً، واستنتج وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي تهديداً في عباراتها.
قبل أيّام، سرّبت منابر طهران نصّ تلك الرسالة المثيرة للجدل. جاء التسريب متزامناً مع إعلان طهران أنّها ردّت على تلك الرسالة عبر بوّابة عُمّان هذه المرّة، لا بوّابة المرسَل الإماراتي. ووفق ذلك التسريب، عرض الرئيس الأميركي “فتح آفاق جديدة لعلاقاتنا، بعيداً عن سنوات النزاع وسوء التفاهم والمواجهات غير الضرورية التي شهدناها في العقود الماضية”. ثمّ دعا إلى فتح “صفحة جديدة من التعاون والاحترام المتبادل”، معتبراً أنّ “هناك فرصة تاريخية أمامنا”.
استبعاد التّهديد الوجوديّ
في الكلام المعسول أيضاً إغراء باتّخاذ خطوة كبيرة نحو السلام ورفع التوتّر. قال: “نستطيع معاً إزالة العقوبات، وتمكين الاقتصاد الإيراني، وفتح أبواب التعاون بين بلدينا، ليس فقط لمصلحة شعبَينا، بل لمصلحة الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط والعالم أجمع”.
على وقع هجمات موجعة تشنّها الولايات المتحدة في اليمن، بعثت واشنطن رسائل متعدّدة المستويات متنوّعة اللهجات إلى طهران
لكنّ وراء العسل تهويلاً بمُرّ الأيام “إذا رفضتم هذه اليد الممدودة”، ذلك أنّ “الردّ سيكون حاسماً وسريعاً. لن نقف مكتوفي الأيدي أمام تهديدات نظامكم لشعبنا أو لحلفائنا”. أكمل الوعيد في آخر الرسالة بمعادلة بسيطة: “إذا كنتم مستعدّين للتفاوض، فنحن مستعدّون أيضاً. لكن إذا استمررتم في تجاهل مطالب العالم، فسيسجّل التاريخ أنّكم فوّتم فرصة عظيمة”.
من يوم 12 حتّى يوم إعلان إرسال رسالة الردّ في 27 من هذا الشهر الجاري، مرَّ أسبوعان ثقيلان من التحليل والدراسة وتقليب الجمل لتبيان الصالح منها من الطالح. لم تكشف منابر طهران نصّ رسالة الردّ، لكنّ وزير الخارجية عباس عراقتشي ومعه كمال خرازي، مستشار المرشد المقرّب، أفادانا بما يشبه المراوحة بين التنازل عن قدسيّة مقولة خامنئي برفض مبدأ التفاوض المباشر، والعودة إلى تقاليد التفاوض غير المباشر بين البلدين.
جاءت رسالة وعد ترامب بالسلم ووعيده بعظائم الأمور مصحوبةً، بعد أيّام من وصولها إلى طهران، بهجوم عسكري ضدّ حاميات إيران في اليمن، ليضاف إلى ما تعرّضت له حامياتها في غزة ولبنان وسوريا. ربّما بدا لترامب أنّ دراسة مقترحاته على وقع النار في صنعاء وصعدة وما حولهما، من شأنه إفهام “مَن بِهم صممُ” في طهران. وجاءت رسالة الردّ، على الأقلّ وفق العناوين التي أفرجت عنها طهران، تقول إنّ “الحرب صبر ساعة”، فما بالك والحرب بعيدة، “ولا ناقة لنا فيها ولا جمل”، وهي تجري ضدّ جماعة “مستقلّة عن قرارنا”.
أعاد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، تكرار الجهوزية لمفاوضات “غير مباشرة”
حين يقرّر مقرّب من طهران أن يسرّ بفلسفة التفكير لدى القيادة الإيرانية، يفصح عن أنّهم يتهيّبون الموقف ويعيدون التموضع منذ أشهر وفق ما استجدّ من تغيّر في موازين القوى، لكنّهم ما زالوا يستبعدون تهديداً وجوديّاً لنظام الجمهورية الإسلامية. يذهب بمكيافيليّة خبيثة أبعد من ذلك. يقول إنّ ما نال من إيران هو استهداف أذرعها، وإنّ هذه الأذرع موجودة أصلاً لتكون هامشاً يسهل ضربه، وحتى الاستغناء عنه، من أجل سلامة المتن. هكذا تماماً تُصمّم الصواريخ الصاعدة إلى الفضاء، وهذه تماماً قواعد صعود إيران إلى أهدافها.
تفاوضٌ لا بدّ منه
حتى لو كان في القول مكابرة وإنكار، رأت طهران في رسالة ترامب خليطاً من الأفكار وتخبّطاً في ما تريد واشنطن إيصاله. وجدت في تلك السطور بعضاً من موقف صقوريّ أعلنه مستشار الأمن القومي مايك والتز في 23 آذار، أي بعد 11 يوماً على وصول رسالة ترامب إلى طهران، من أنّ واشنطن تسعى إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، وأنّ “جميع الخيارات مطروحة على الطاولة، وحان الوقت لإيران للتخلّي تماماً عن طموحاتها النووية بطريقة يراها العالم أجمع”.
من وضع مجهراً فوق عبارة “تفكيك”، وجد فيها انزلاقاً نحو تصوّر قبول طهران بالسابقة الليبية. ففي عهد الزعيم السابق معمّر القذافي، وافقت ليبيا على تفكيك برنامجها النووي بالكامل، والخضوع لعمليات التفتيش الكاملة، كجزء من اتّفاق نزع السلاح الذي أبرمته عام 2003 مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وقد تمّ نقل اليورانيوم المخصّب وأجزاء أجهزة الطرد المركزي وغيرها من الموادّ الحسّاسة جوّاً من ليبيا، وتمّ شحن العديد منها إلى محطّة نووية أميركية بولاية تينيسي. بعد ذلك بعدّة سنوات قضت مقاتلات فرنسية – بريطانية عام 2011 على نظام القذافي بمباركة الإدارة في واشنطن برئاسة باراك أوباما.
هدف ترامب هو تجنّب نزاع عسكري عبر إقامة علاقة ثقة مع إيران. ثمّ شدّد على أنّ رسالة الرئيس الأميركي إلى المرشد في إيران
لكنّ فكرة التفكيك غير واردة في رسائل أخرى صدرت من واشنطن قبل يومين من رسالة والتز. قال صديق الرئيس الأميركي ومبعوثه إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، في 21 آذار، إنّ هدف ترامب هو تجنّب نزاع عسكري عبر إقامة علاقة ثقة مع إيران. ثمّ شدّد على أنّ رسالة الرئيس الأميركي إلى المرشد في إيران لم تكن تهديداً (معاذ الله)، مضيفاً: “لسنا بحاجة إلى حلّ كلّ شيء عسكريّاً (..) ورسالتنا لإيران هي: دعونا نجلس معاً ونرَ ما إذا كان بإمكاننا، من خلال الحوار والدبلوماسية، الوصول إلى الحلّ الصحيح”.
إقرأ أيضاً: نصر الخرطوم وسيناريوهات التّقسيم في السّودان
أعاد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، تكرار الجهوزية لمفاوضات “غير مباشرة”، علماً أنّ أيّ حرب بين إيران والولايات المتحدة ستكون “مباشرة” إذا ما نفّذ ترامب وتابعه والتز تهديداتهما. تقف طهران في مأزق صعب بين الاستسلام لنموذج ليبيا المقيت، أو المخاطرة بصدام وفق النموذج اليمني. وما بين القدرين لحظة تجمع الطرفين في غرفة لتفاوض مباشر لا بدّ منه.
لمتابعة الكاتب على X: