لم يكن للحوثيين أن يتوسّعوا في حربهم وفي ترسانتهم العسكرية ونفوذهم الجيوسياسي لولا مساعدة لاعب حاسم تمّت الاستهانة بدوره، وهو روسيا.
وفقاً للناشطة اليمنيّة فاطمة أبو الأسرار كبيرة المحلّلين في مركز واشنطن للدراسات اليمنيّة وعضو مجلس إدارة مبادرة مسار السلام اليمنية، “فإنّ علاقة الحوثيين بروسيا ليست مسألة مصلحة وحسب، بل تحالف عسكريّ مدروس”، وأشارت إلى واقع وجود سلسلة إمداد غير مستقرّة عبر خطّ أنابيب أسلحة عابر للحدود الوطنية يربط طهران وصنعاء وموسكو بشبكة من عمليّات نقل الأسلحة غير المشروعة تتجاوز ضجيج الحوثيين الأيديولوجي أو انتهازيّتهم.
بحسب الباحثة اليمنية تحوّل الحوثيون (اليوم) من وكيل إيراني إلى رصيد للكرملين، إذ أدركت روسيا، المعزولة بسبب حربها في أوكرانيا، إمكانات الحوثيين أن يكونوا نقطة ضغط ضدّ الغرب. وكتبت في مجلّة “المجلس الأطلسي” Atlantic Council الأميركي: “لطالما أدركت طهران وموسكو أنّ الجهات الفاعلة المسلّحة غير الحكومية، عند تجهيزها بشكل صحيح، يمكنها تشكيل الصراعات العالمية بفعّالية مثل الجيوش النظامية. وقد أوضح تركيز تصنيف الخزانة للمنظّمة الإرهابية الأجنبية على العلاقات مع الحرس الثوري الإسلامي الإيراني وروسيا أنّ الحوثيين ليسوا مهندسي صعودهم الخاصّ، بل هم أدوات في منافسة جيوسياسية أكبر بكثير”.
في رأي الناشطة اليمينة أنّ “الحوثيين غير مهتمّين بالسلام، وتجرّ علاقاتهم المعقّدة مع طهران وروسيا، إلى جانب تهديدهم البحر الأحمر، اليمن إلى صراعات قد تُعمّق بؤسهم وتُشكّل تداعيات خطيرة على مستقبل اليمن”. وأضافت: “طوال فترة الصراع في اليمن، ركّز الخطاب العالمي في وسائل الإعلام الدولية بشكل كبير على التدخّل العسكري السعوديّ في اليمن والأزمة الإنسانية التي أحدثها، وهو ما خنق النقاش الجادّ في الاستراتيجية والأمن على المدى الطويل.
إيران وروسيا والصين تعمل بنشاط على إعادة تشكيل النظام الإقليمي على حساب الغرب، مستخدمةً جهات فاعلة غير متكافئة
قلّل العديد من المحلّلين من أهمّية علاقات الحوثيين المتعمّقة مع إيران وروسيا، وبالغوا في تقدير استقلالية الحوثيين، مُقلّلين بشكل خطير من شأن نفوذ طهران وموسكو المُتزايد. وبينما كان صنّاع القرار الغربيون ينظرون إلى أماكن أخرى، تطوّر الحوثيون بهدوء إلى قوّة استراتيجية قادرة على تنفيذ عمليات ذات عواقب عالمية وخيمة”.
دور الكرملين
في مجال عرضها للدور الروسيّ في اليمن، أشارت الباحثة في معهد الشرق الأوسط إلى معلومات استخبارية في واشنطن تؤكّد أنّ جهاز المخابرات العسكرية الروسي يعمل الآن في صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين تحت غطاء المساعدات الإنسانية، موفّراً بذلك مساعدة فنّية تُعزّز العمليات العسكرية للحوثيين. تضاف إلى ذلك تقارير تربط تاجر الأسلحة الروسي الشهير فيكتور بوت بعمليات تهريب أسلحة إلى الحوثيين. وقد تطوّرت هذه العلاقة من تبادلات انتهازيّة إلى تعاون عسكري مباشر، حيث أفادت التقارير أنّ الكرملين يُساعد في أنظمة تتبّع البيانات التي تُعزّز قدرات الحوثيين على استهداف السفن في البحر الأحمر.
أضافت: “تشمل التجارة العسكرية الحوثيّة النشطة مع روسيا كلّ من الواردات والصادرات، وفي حين استغلّ الحوثيون اقتصاد الحرب في اليمن لفترة طويلة، مستفيدين من كلّ شيء، بدءاً من تهريب الوقود إلى الابتزاز. ووفقاً لوزارة الخزانة الأميركية، يدير العميل الحوثي و”اللواء” عبد الوليّ عبده حسن الجابري شبكة تهريب بشر يقوم من خلالها بتجنيد مدنيين يمنيّين للقتال مع روسيا في أوكرانيا. يظهر هذا الكشف بُعداً جديداً في العلاقة بين الحوثيين وروسيا، بُعداً يتجاوز الأسلحة ليصل إلى رأس المال البشري. وبحلول منتصف عام 2024، كان المتمرّدون الحوثيون قد زجّوا بآلاف اليمنيين في معسكرات تدريب عسكرية روسيّة بحجج واهية. ظنّ العديد من المجنّدين أنّهم سيُسجّلون لوظائف في قطاع البناء براتب ألفي دولار شهرياً، وهو خداعٌ قاسٍ يُحوّل الحوثيين من إرهابيين إلى شيءٍ أكثر دناءة: مُتاجرين بالبؤس البشري يخدمون المصالح العسكرية الروسيّة مباشرة”.
لم يكن للحوثيين أن يتوسّعوا في حربهم وفي ترسانتهم العسكرية ونفوذهم الجيوسياسي لولا مساعدة لاعب حاسم تمّت الاستهانة بدوره، وهو روسيا
لكنّ ما يُثير القلق حقّاً، بالنسبة للباحثة اليمنيّة، هو أنّ الممثّلين الحوثيين أنفسهم المتورّطين في هذا الاتّجار بالبشر مع روسيا كانوا قد تظاهروا سابقاً بأنّهم وسطاء خلال مفاوضات اتّفاق استوكهولم في عام 2018 التي شهدت انتصاراتٍ كبيرة للفصيل المتمرّد. لا يكشف هذا النمط عن ازدواجية الحوثيين فحسب، بل ويكشف عن ضعف المجتمع الدولي: تفضيله الاحتفاء بدبلوماسية التقاط الصور على المطالبة بالتزامات قابلة للتحقّق. إذ لم تُسفر محادثات استوكهولم عن سلام، بل عن هدنة تكتيكيّة أساء وسطاء غربيون فهمها بسبب يأسهم للحصول على أيّ علامة على التقدّم في اليمن.
ترتيب العلاقة الرّوسيّة – اليمنيّة
في رأي الباحثة أنّ استهداف الحوثيين عمداً لسفن الشحن الغربية، مع ضمان مرور آمن للسفن الروسيّة والصينية، لم يكن عرضيّاً، بل استراتيجي. فإيران وروسيا والصين تعمل بنشاط على إعادة تشكيل النظام الإقليمي على حساب الغرب، مستخدمةً جهات فاعلة غير متكافئة، مثل الحوثيين، للضغط. ويؤكّد تنسيقهم مع موسكو وبكين لحماية السفن الروسية والصينية، فيما يهاجمون سفن شحن أميركا وحلفائها، هذا التوافق الجيوسياسي.
تشكّل هذه الاستراتيجية البحريّة ، بحسب الباحثة، جزءاً من إعادة ترتيب العلاقات الروسية الإيرانية الأوسع نطاقاً، التي تسارعت بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، حين تخلّت موسكو عن الحياد وتحالفت مع إيران وعزّزت علاقاتها العسكريّة والاستخبارية مع وكلائها، بمساعدة طائرات مسيّرة من الحرس الثوري الإيراني. وعزّزت تقنيّة تتبّع الرادار التي يستخدمها الكرملين قدرة الحوثيين على تحديد واستهداف السفن في البحر الأحمر بدقّة، وهو ما زاد من انخراطهم في محور مصمّم لإضعاف النفوذ الغربي على التجارة العالمية.
قلّل العديد من المحلّلين من أهمّية علاقات الحوثيين المتعمّقة مع إيران وروسيا، وبالغوا في تقدير استقلالية الحوثيين
قدّمت روسيا أيضاً دعماً ملحوظاً للحوثيين على الساحة الدبلوماسية: ففي عام 2015، امتنعت موسكو عن التصويت على قرار مجلس الأمن 2216، الذي فرض حظراً على توريد الأسلحة إلى الحوثيين. وبرفضها دعم القرار، حافظت روسيا على حيويّة الحوثيين سياسياً كورقة مساومة استراتيجية، ضامنةً بذلك بقاءهم ثقلاً موازناً مفيداً في ديناميكيات القوّة الإقليمية، مع الحفاظ على نفوذها في الصراع اليمنيّ.
إقرأ أيضاً: 209 مليارات دولار… خسائر أصدقاء ترامب الخمسة
اعتبرت الباحثة أنّ تجديد واشنطن تصنيفها للجماعة الإرهابية جاء متأخّراً بعض الشيء. وإذا استمرّت الولايات المتحدة في السعي إلى المشاركة بشروط عفا عليها الزمن، فستتفوّق عليها مرّة أخرى جماعة لا تُراعي مصالح اليمن، بل مصالح طهران وموسكو. والسؤال الآن هو: هل كانت واشنطن ستدرك الواقع في نهاية المطاف أم ستكرّر الأخطاء التي سمحت للحوثيين بالصعود أساساً؟
لقراءة النص الأصلي: إضغط هنا