وضعت كلّ المنطقة العربية أوزارها بين يديّ المملكة العربية السعودية. لم يكن الاجتماع الذي عُقد بين عدد من زعماء دول الخليج ومصر والأردن إلّا تثبيتاً لوقوف كلّ الدول العربية إلى جانب المملكة، والاستفادة من قوّتها في مواجهة المشروع الإسرائيليّ الساعي إلى تهجير الشعب الفلسطيني وتدمير فكرة إنشاء الدولة الفلسطينية.
بحسب ما يتواتر من معلومات، فإنّ وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان كان واضحاً في موقفه أمام الزعماء العرب بأنّ المملكة لن تتخلّى عن مسؤوليّاتها التاريخية، وأنّها داعمة للرؤية العربية. وكان بن سلمان أوضح مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أنّه لا يمكن لأيّ دولة عربية أن تسمح بالتهجير أو بنجاح مخطّط بنيامين نتنياهو.
تبدو السعودية أكثر من يعرف آليّات عمل وأسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فهي كانت قد خبرته في ولايته الأولى، واختبرت المرور بمحطّات كثيرة مع الديمقراطيين، وخصوصاً في ولاية جو بايدن. على الرغم من كلّ الضغوط أو الإغراءات التي قُدّمت، تمسّكت السعودية بثوابتها ومواقفها، علماً أنّ الهدف الاستراتيجي لإدارة بايدن كان تمرير اتّفاق سلام سعودي – إسرائيلي، ولو على حساب كلّ الملفّات الأخرى، وهو ما رفضته الرياض ووقفت بوجهه، فتخلّت عن الاتّفاقات الاستراتيجيّة عسكرياً، وعن الملفّ النووي السلمي مع واشنطن، في سبيل حفظ فلسطين وحقّ شعبها ببناء دولته.
مشروع مضادّ
عندما قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب رؤيته بشأن غزة التي تحدّث فيها عن سعيه إلى السيطرة عليها، كانت السعودية تنظر إلى الفكرة بطريقة مغايرة، فهي لم تهِن عزيمتها، ولم تستسلم للرؤية الترامبيّة، بل أيقنت أنّ هذا المخطّط أو المشروع لا بدّ من مواجهته بمشروع مضادّ، وهو ما أبلغه وليّ العهد لروبيو وللزعماء العرب. فكان الاجتماع التشاوري في السعودية لبناء ملامح المشروع العربي الذي سيتمّ طرحه في القمّة العربية الطارئة في القاهرة. وهو مشروع ينصّ على إعادة إنتاج سلطة جديدة في قطاع غزة، وأن يدير الفلسطينيون شؤونهم بما يعزّز منطق الدولة لديهم، وعلى إعادة إعمار القطاع بإشراف عربي.
عندما رفضت السعودية الانجرار خلف إغراءات أميركية كثيرة، منذ ولاية ترامب السابقة إلى ولاية بايدن، لم تكن يومها بهذا التأثير الإقليمي الكبير
تتطابق الرؤية السعودية لفلسطين مع الرؤية نفسها تجاه كلّ دول المنطقة، وعنوانها الأساسي تعزيز مفهوم الدولة الوطنية، وتقوية المؤسّسات، ومنع وجود كيانات موازية. هي الشروط التي كانت قد وضعتها السعودية في سوريا ولبنان. ولمّا كانت السعودية تتفاهم مع قوى دولية كبرى على أهمّية تعزيز منطق الدولة، فلا يمكن تكريس ذلك في لبنان وسوريا وحجبه عن الفلسطينيين.
عندما رفضت السعودية الانجرار خلف إغراءات أميركية كثيرة، منذ ولاية ترامب السابقة إلى ولاية بايدن، لم تكن يومها بهذا التأثير الإقليمي الكبير. وكانت حينها تركّز جهودها واهتمامها على الداخل السعودي. اليوم تغيّرت المعادلة وأصبحت السعودية تتمتّع بأدوار متعدّدة على الساحة العالمية، بالإضافة إلى لعب دور أساسي في الإقليم، وخصوصاً في لبنان وسوريا، أي الدولتين الملاصقتين لفلسطين، وهو ما يعني أنّ التأثير السعودي في هذه المرحلة سيكون أكبر، بالإضافة إلى حاجة كلّ الدول العربية للاستظلال بالموقف السعودي، والاستناد إلى دعم المملكة في مواجهة الضغوط الأميركية.
حلولٌ مستدامة
كان واضحاً تقدّم المسار السعودي في لعب دور على الساحة الدولية في الفترة الأخيرة، وهو ما يُنتج معادلة أخرى تتركّز على الاضطلاع بدور إقليمي غايته صناعة الحلول المستدامة. أظهرت التحرّكات السعودية الأخيرة تقدّماً على صعيد إدارتها للكثير من الملفّات، وهو ما يشير بوضوح إلى أنّ هذا الدور يكبر أكثر، مع الإشارة إلى أنّها كانت تتحاشى في السابق الانخراط في تفاصيل دول المنطقة وأحوالها وأهوالها. لكنّ الظروف تغيّرت الآن، وقد أقدمت السعودية عندما وجدت اللحظة المناسبة، على قاعدة اختيار التوقيت المناسب لصناعة فنّ الممكن.
وضعت كلّ المنطقة العربية أوزارها بين يديّ المملكة العربية السعودية. لم يكن الاجتماع الذي عُقد بين عدد من زعماء دول الخليج ومصر والأردن
على مدى سنوات سعت السعودية إلى تحقيق هدف دخولها نادي الدول الكبرى، فجرى التركيز على استكمال مسيرة التطوير الداخلي، وعلى المستوى الاقتصادي خصوصاً، مع إغفال الاهتمام التفصيليّ بالملفّات الإقليمية، وأمّا اليوم فالمعادلة تغيّرت بعدما نجحت قيادة المملكة في تثبيت العملية التطويرية في الداخل. بعدئذٍ انتقلت إلى لعب أدوار ذات بعد عالمي، وهذا ما أسهم في تكبير حجم الدور الإقليمي وفرَض تغييراً في المقاربة، فكان من الواضح دخول السعودية كلّ الساحة العربية، ولا سيما لبنان وسوريا، إلى جانب الاهتمام الاستراتيجي بفلسطين. وهي حريصة على أن تكون صاحبة المساحة العربية الكبرى، وتستقطب إلى جانبها كلّ الدول العربية التي لها تأثير في كلّ الملفّات والتطوّرات.
نقاط عديدة يمكن تلمّسها من نظرة السعودية لوضع الإقليم:
1- تنظر إلى نفسها باعتبارها المسؤولة الأولى عن الوضع العربي بمجمله.
2- تعزيز مفهوم حماية الأمن القومي العربي، وهو ينطلق من فلسطين ويعود إليها.
3- الاهتمام بإعادة الإعمار في الدول التي شهدت دماراً وهدماً بسبب الحروب.
4- تثبيت الانتظام السياسي من خلال إعادة بناء المؤسّسات وتفعيل عملها.
5- تكريس الاستقرار الأمنيّ، الذي يحقّق استقراراً سياسياً، ويفسح المجال أمام الاستثمار الاقتصادي.
6- الانفتاح على تقديم المساعدات لكلّ الدول، على أن يكون ذلك ضمن مشروع واضح للتكامل العربي والإقليمي.
أصبحت السعودية مركز استقطاب للقاءات عالمية، وهي معنيّة بوضع تصوّرات واضحة وحاسمة للوضع الإقليمي وكيفيّة إطلاق مساره. تستفيد من الزخم الدولي، وهناك قبول عربي ودولي لدور أكبر تقوم به المملكة، خصوصاً من قبل مصر التي تلجأ اليوم إلى السعودية وتقف خلفها وإلى جانبها.
إقرأ أيضاً: بن سلمان يطلق “العصر السّعوديّ”
يرتبط الدور السعودي على الصعيد العالمي أيضاً بالوضع الاقتصادي والمالي، وهو ما يجعل كلامها مسموعاً يعزّزه التوازن في إدارة السياسة الخارجية المنفتحة، التي أسهمت في تخفيف كلّ الضغوط التي كانت موجودة، فلا تخوض معركة حادّة بوجه أيّ طرف، وهذا ما يسرّع تنامي دور هذه القوّة الإقليمية القادرة على التأثير في السياسة العالمية.