عرّاب نهاية التّاريخ: أميركا تنحرف نحو الاستبداد

“لم تعد الولايات المتحدة تدعو إلى الانعزالية فحسب، بل باتت تدعم الأنظمة الاستبدادية أيضاً”. هذا ما قاله أخيراً فرانسيس فوكوياما، الذي كان يعدّ من أهمّ مفكّري المحافظين الجدد في أميركا، وذاع صيته فيلسوفاً بعد نشر كتابه “نهاية التاريخ” عقب انهيار الاتّحاد السوفيتي.

 

 

لم يُفاجأ فرانسيس فوكوياما بالقرارات الأخيرة التي اتّخذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن أوكرانيا وروسيا، معتبراً أنّها تشكّل ضربة قويّة للقيم الأميركية، لأنّها تعني أنّ الولايات المتحدة، في خضمّ المواجهة العالمية بين الديمقراطية الليبرالية الغربية والقوّة الاستبدادية، انتقلت إلى معسكر الاستبداد.

فوكوياما الذي اعتبر أنّ أوكرانيا تنذر بانعطاف تاريخي، كتب في مقال له نقلته صحيفة “لوبوان” الفرنسية عن مجلّة Quillette الأسترالية الإلكترونية أنّ “التصريحات الأخيرة لترامب عن أوكرانيا وروسيا تتحدّى كلّ منطق. لقد اتّهم أوكرانيا بأنّها مسؤولة عن النزاع لعدم استسلامها منذ البداية للمطالب الإقليمية الروسيّة، وادّعى أنّ البلاد ليست ديمقراطيّة، ولام الأوكرانيّين على مقاومتهم للاعتداء الروسي. من المؤكّد أنّ هذه الأفكار لا تأتي منه، بل تبدو مستوحاة مباشرة من فلاديمير بوتين، الزعيم الذي طالما أبدى ترامب إعجابه الشديد به.

“لم تعد الولايات المتحدة تدعو إلى الانعزالية فحسب، بل باتت تدعم الأنظمة الاستبدادية أيضاً”

“في الأسبوع الماضي، بدأت الولايات المتحدة في المملكة العربية السعودية مفاوضات مباشرة مع موسكو، مستبعدة أوكرانيا والأوروبيين. منذ البداية، تنازلت واشنطن عن نقطتين رئيسيّتين: الاعتراف بالمكاسب الإقليمية التي حقّقتها روسيا حتى الآن، والالتزام بعدم دمج أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي. وفي المقابل، لم يقدّم بوتين أيّ تنازلات.

“وبالإضافة إلى كونها ضربة موجعة، فإنّ هذا الأمر يؤلمني شخصيّاً. لقد عملت مع زملائي في جامعة ستانفورد ومؤسّسات أخرى منذ عام 2013 على دعم الديمقراطية في أوكرانيا. أنشأنا عدّة برامج لتدريب المهنيّين الأوكرانيين على مهارات القيادة والقيم الديمقراطية. وأُتيحت لي الفرصة لزيارة البلاد عدّة مرّات وإقامة روابط قويّة مع العديد من الأوكرانيين الملهمين.

ضمّ أوكرانيا

“وهنا تبرز مسألة أخلاقية أساسية. فعلى الرغم من أنّ أوكرانيا لا تزال دولة فتيّة وهشّة وغير كاملة، فإنّها تظلّ دولة ديمقراطية ليبرالية. من ناحية أخرى، تجسّد روسيا استنهاضاً للاتّحاد السوفيتي السابق، الذي يتأسّف بوتين على زواله في عام 1991، ويسعى جاهداً إلى إعادة تشكيله. إنّها دكتاتورية حيث يمكن أن تؤدّي كلمة بسيطة يُساء تفسيرها على الشبكات الاجتماعية إلى سنوات من السجن.

في الأسبوع الماضي، بدأت الولايات المتحدة في المملكة العربية السعودية مفاوضات مباشرة مع موسكو، مستبعدة أوكرانيا والأوروبيين

“كنت في كييف قبل بضع سنوات وأذهلتني حقيقة أنّ أوكرانيا كانت مجتمعاً حرّاً حقّاً: يمكن للمرء أن ينتقد الحكومة، ويتحرّك بحرّيّة، ويصوّت لمرشّح المعارضة، وهو ما فعله الأوكرانيون في عام 2019، عندما انتخبوا فولوديمير زيلينسكي وحزبه “خادم الشعب”. لا يوجد شيء من هذا في روسيا، التي عادت إلى الدكتاتورية الشموليّة.

“إنّ أيّ اتّفاق سلام “تتفاوض” عليه إدارة ترامب مع روسيا في هذه المرحلة لن يؤدّي إلى سلام دائم. قد يؤدّي إلى وقف مؤقّت لإطلاق النار، لكنّ الروس سيستغلّون ذلك لإعادة تسليح أنفسهم واستئناف الحرب عندما يعيدون تشكيل قوّاتهم. ليس لديهم أيّ سبب لاحترام خطوط وقف إطلاق النار الحالية، ولم يخفوا أبداً نيّتهم إعادة ضمّ أوكرانيا بأكملها ما إن تصبح الظروف مؤاتية لهم.

“لقد مرّ القرار الذي أعلنه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بخفض ميزانية الدفاع الأميركية بنسبة 8% سنويّاً على مدى السنوات الخمس المقبلة مرور الكرام نسبياً في ظلّ الاضطرابات الحالية. ومع ذلك فإنّ هذا هو بالضبط عكس ما يجب أن تفعله الولايات المتحدة. في المستقبل، ستشكّل روسيا تهديدات جديدة لجميع الدول الواقعة على أطرافها: جورجيا ومولدوفا ودول البلطيق وبولندا.

“لا تحتاج الولايات المتحدة حتى إلى الانسحاب رسمياً من حلف شمال الأطلسي: لقد ألمح ترامب بالفعل إلى أنّه لن يفي بالتزام الدفاع المشترك المنصوص عليه في المادّة الخامسة. وستجد أميركا نفسها ضعيفة، ليس فقط في استعدادها للتصرّف، لكن أيضاً في قدرتها على الردّ على التهديدات المستقبلية التي تشكّلها القوى الكبرى.

“لا ينبغي لأحد أن يزعم أنّ هذا التقليص في الميزانية يهدف إلى إعادة تركيز الجهود على التهديدات في الشرق الأقصى. ففي هذه المرحلة، لا يمكن تصوّر أنّ دونالد ترامب سيقرّر إرسال الجيش الأميركي للدفاع عن تايوان ضدّ الصين. بل إذا فرضت بكين حصاراً أو استعدّت لغزوٍ، فإنّ ترامب سيفتح مفاوضات مع شي جين بينغ، كما يفعل مع بوتين، وستؤدّي هذه المفاوضات إلى الاستسلام الفعليّ للجزيرة. وسيتباهى بأنّه تجنّب الحرب.

الولايات المتحدة في عهد ترامب لا تنجرّ إلى الانعزالية التقليدية فحسب، بل تتحوّل بنشاط إلى المعسكر الاستبدادي، وتقدّم دعمها للاستبداديين اليمينيّين في جميع أنحاء العالم

طموحات أميركا التّوسّعيّة

“منذ عام 1945، قادت الولايات المتحدة نظاماً عالمياً ليبراليّاً يرتكز على مبادئ مثل حظر استخدام القوّة العسكرية لإعادة رسم الحدود، وعلى تحالفات الدفاع المشترك، مثل حلف شمال الأطلسي، والمعاهدات الأمنيّة مع اليابان وكوريا الجنوبية. وكان لهذا النظام دور فعّال في تعزيز السلام والازدهار والديمقراطية. وعزّزت الولايات المتحدة نفوذها من خلال أدوات مثل المؤسّسة الوطنية للديمقراطية، ودعمت دعاة الديمقراطية في جميع أنحاء العالم في مواجهة الأنظمة الاستبدادية في الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية.

“لكنّ الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب لا تنجرّ إلى الانعزالية التقليدية فحسب، بل تتحوّل بنشاط إلى المعسكر الاستبدادي، وتقدّم دعمها للاستبداديين اليمينيّين في جميع أنحاء العالم، من فلاديمير بوتين إلى فيكتور أوربان، مروراً بنجيب بوقيلة وناريندرا مودي. وقد تصبح المؤسّسة الوطنية للديمقراطية المؤسّسة الوطنية للدكتاتورية.

إقرأ أيضاً: فريد زكريا: الشرق الأوسط الجديد يولد الآن

“كيف يمكن مطالبة روسيا والصين بالتّخلّي عن طموحاتهما التوسّعية بينما واشنطن نفسها مشغولة بمشاريع مثل ضمّ باناما وغرينلاند؟ ويتماشى هذا الاتّجاه في السياسة الخارجية تماماً مع الهجوم الذي تشنّه إدارة ترامب على سيادة القانون في الولايات المتحدة: تعزيز السلطة التنفيذية، وإضعاف السلطات المضادّة، والتشكيك في المبادئ الأساسية للديمقراطية.

“لا تقولوا إنّ الأميركيين صوّتوا عمداً من أجل مثل هذا العالم أو مثل هذا البلد. هم فقط كانوا غافلين. لكنّ من الأفضل لهم أن يستعدّوا، لأنّ بلدهم، تماماً مثل النظام العالمي الذي عرفوه، في طريقه ليصبح غير قابل للتعرّف عليه”.

لقراءة النص بلغته الأصلية اضغط هنا

مواضيع ذات صلة

محلّلة اقتصاديّة لترامب: لا تستهِن بالسّعوديّة أبداً

لماذا يسافر المسؤولون الأميركيون إلى السعودية للتفاوض على السلام بين أوكرانيا وروسيا؟ لماذا لا يسافرون إلى أماكن دبلوماسية تقليدية مثل جنيف أو فيينا؟ تسأل المحلّلة…

الحوثيّون: مرتزقة في الجيش الروسي؟

لم يكن للحوثيين أن يتوسّعوا في حربهم وفي ترسانتهم العسكرية ونفوذهم الجيوسياسي لولا مساعدة لاعب حاسم تمّت الاستهانة بدوره، وهو روسيا. وفقاً للناشطة اليمنيّة فاطمة…

209 مليارات دولار… خسائر أصدقاء ترامب الخمسة

بعد سبعة أسابيع من تنصيب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، شهد 5 من المليارديرات الذين حضروا الحفل تراجعاً ملحوظاً لثرواتهم، إذ خسروا ما مجموعه 209 مليارات…

أخطر نص أميركي: بقاء لبنان رهن نهج عين دارة 1711

لا يشارك الخبير في السياسة الخارجية الأميركية ديفيد وورمسر الذي كان المساعد الخاص مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق جون بولتون خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد…