مع انتهاء المرحلة الأولى من صفقة تبادل الأسرى بين إسرائيل وحماس، يقف رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام خيارين أحلاهما علقم: إمّا المضيّ قدماً إلى المرحلة الثانية من صفقة التبادل، أو التنصّل منها واستئناف الحرب على غزّة. لكنّ نتنياهو قد يبحث عن خيار خارج الصندوق والاتّفاق الموقّع، ومن أجل ذلك لن يكفّ عن المناورة.
يقف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش سدّاً قويّاً في ظهر نتنياهو، ويُشكّل ضمانة لاستمراره رئيساً للحكومة، وإن كان يبتزّه بين حين وآخر ويهدّده بالانسحاب من الحكومة، وهو السيناريو الذي يرعب نتنياهو.
ثمّة شبه إجماع في إسرائيل على أنّ نتنياهو لا يريد المضيّ إلى المرحلة الثانية، ويخضع لسموتريتش الذي يُطبق على عنقه، بعدما تلقّى منه تهديداً صريحاً بالانسحاب من الحكومة في حال عدم استئناف الحرب بعد المرحلة الأولى. لكنّ نتنياهو لا يستطيع إعلان ذلك، لكن يعمل على تحقيقه.
أعلن نتنياهو في 19 شباط الموافقة على بدء المفاوضات حول المرحلة الثانية، عقب اجتماع مجلس “الكابينت”، لكنّ تلك الموافقة حملت في طيّاتها شروطاً تعجيزية فضحت موقفه الرافض للصفقة، إذ اشترط “نزع سلاح غزة، وإبعاد حماس والتنظيمات المسلّحة عن القطاع”، وهو يعلم استحالة ذلك.
مغزى تبديل الوفد المفاوض
إلى جانب الشروط أعلاه، أجرى نتنياهو تغييرات على تركيبة الوفد الإسرائيلي المفاوض، إذ كلّف وزير الشؤون الاستراتيجيّة المقرّب منه رون ديرمر قيادة الوفد بدلاً من رئيسَيْ جهاز الموساد ديدي برناع وجهاز الشاباك رونين بار.
يُقرأ في إسرائيل شروط نتنياهو الجديدة، والتغييرات التي أجراها على الوفد المفاوض، على أنّها صواعق لإفشال المفاوضات. الأمر الذي أثار غضب عائلات الأسرى الإسرائيليين، خاصّة أنّ لديرمر تصريحات سابقة قال فيها إنّه لا يؤيّد أيّ اتّفاق يوصل إلى إنهاء الحرب من دون ضمان القضاء الكامل على حماس، في تبنٍّ كاملٍ لموقف نتنياهو.
زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد فقال لهيئة البثّ في 19 شباط إنّ حماس لن توافق على المرحلة الثانية إذا كان شرط إسرائيل هو نزع سلاحها
نقلت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في 19 شباط عن مسؤول إسرائيلي قوله إنّ قرار نتنياهو إقالة رئيسَي الموساد والشاباك من وفد المفاوضات وتعيين ديرمر رئيساً للوفد هو “تسييس للمفاوضات”، بمعنى خدمة مصالح نتنياهو السياسية الداخلية، ومن شأن ذلك أن “يعرقل تحرير المخطوفين”.
أمّا زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد فقال لهيئة البثّ في 19 شباط إنّ “حماس لن توافق على المرحلة الثانية إذا كان شرط إسرائيل هو نزع سلاحها وإبعادها عن غزة”، مضيفاً: “هذه ليست شروطاً لصفقة، بل وسيلة لعرقلتها، بينما نحن بحاجة إلى إبرام الصفقة وإعادة الجميع، وهذا يتطلّب وقف القتال”.
تصعيد حماس
يبدو أنّ حماس قرأت جيّداً تململ الشارع الإسرائيلي وتصاعد الغضب تجاه نتنياهو، ونواياه في عدم المضيّ إلى المرحلة الثانية، ولذلك ارتأت تصعيد الضغط عليه من خلال تسليم جثث 4 أسرى إسرائيليين في 20 شباط. ويبدو أنّ رسائل حماس قد أتت أكلها، خاصة بعدما تبيّن أنّ إحدى الجثث التي جرى تسليمها لا تعود لشيري بيياس، وإنّما لامرأة من غزّة. وهو ما دفع زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد للتعليق: “على إسرائيل أن تتقدّم بطلب للوسطاء لإعادة كلّ الأسرى أمواتاً وأحياء بأسرع وقت لإنهاء هذا الكابوس”، وهو المطلب الذي تنادي به عائلات الأسرى.
هاجمت عضو الكنيست الإسرائيلي ميراف كوهين نتنياهو بعد تسليم الجثث قائلة: “أسرى كثيرون قُتلوا أو تمّت تصفيتهم. كم عدد الذين سيموتون أيضاً بسبب مصالح نتنياهو السياسية والائتلافية بدلاً من إعادة الجميع وإنهاء الحرب؟”.
يُقرأ في إسرائيل شروط نتنياهو الجديدة، والتغييرات التي أجراها على الوفد المفاوض، على أنّها صواعق لإفشال المفاوضات
نتنياهو فظيع
أمّا الصحافي الإسرائيلي بن كاسبيت فقد هاجم نتنياهو قائلاً: “رئيس وزراء إسرائيل رجل فظيع. لا يوجد خيار سوى أن نقول ذلك بصوت عالٍ. رجل فظيع”، مضيفاً: “لقد عرفنا هنا أيّاماً حزينة كثيرة خلال العام ونصف العام الماضيين بسبب خطأ الرجل الذي لم يتوقّف منذ السابع من أكتوبر عن الهروب من اللوم، وإلقاء التهم على الآخرين، وتقسيمهم وتشويه سمعتهم، والتشكيك فيهم، وتشويه سمعة أيّ شخص أو أيّ شيء قد يقف في طريقه، بينما يفرّ من ذنبه”.
وجد قادة اليمين ضالّتهم في تطوّرات المرحلة الأولى من الصفقة، للهجوم على المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيلية من جهة، والدعوة إلى استئناف الحرب وعدم الذهاب للمرحلة الثانية من جهة أخرى. فقد نشر عضو الكنيست عن القوّة اليهودية تسيفي سوكوت صورة لعناصر كتيبة خان يونس خلال تسليم الجثامين قائلاً: “مراراً وتكراراً أكّد لنا الضبّاط الكبار في لجنة الخارجية والأمن أنّ كتيبة خان يونس قد تمّ القضاء عليها تماماً وفقدت قدرتها القتالية. جادلنا في ذلك، وسخروا منّا، وها هي كتيبة خان يونس هذا الصباح في مشاهد التسليم”.
بينما قال وزير المالية سموتريتش إنّ “الخروق الخطيرة لحماس والتجاوزات المستمرّة لا يمكن السكوت عنها، والحلّ الوحيد يكمن في تدمير حماس ولا يجوز تأجيل هذا الأمر”، مضيفاً: “كلّ يوم يمرّ من دون تدمير حماس يفسَّر بأنّه ضعف، وقد ندفع ثمنه باهظاً كما حدث يوم 7 أكتوبر”.
ثمّة شبه إجماع في إسرائيل على أنّ نتنياهو لا يريد المضيّ إلى المرحلة الثانية، ويخضع لسموتريتش الذي يُطبق على عنقه
استطلاعات الرّأي
مقابل الضغط من قادة اليمين على نتنياهو، يرتفع الضغط الشعبي والمطالبات بإبرام صفقة شاملة. فقد أظهر استطلاع نشرته صحيفة معاريف الإسرائيلية في 21 شباط أنّ 70% من الجمهور الإسرائيلي يرون أنّه يجب تنفيذ المرحلة الثانية من تبادل الأسرى دفعة واحدة، بينما اعتبر 14% أنّه يجب تنفيذها على عدّة دفعات، وقال 16% إنّه لا رأي لديهم في الموضوع.
إقرأ أيضاً: غزّة لا تُدار… إلّا بثلاثيّة
أمام هذا المشهد المركّب والمعقّد، قد يجد نتنياهو نفسه مضطرّاً إلى إرضاء كلّ الأطراف، أي المضيّ قدماً إلى المرحلة الثانية. وبذلك يستجيب لضغوطات إدارة دونالد ترامب، ويرضي الشارع الإسرائيلي وعائلات المحتجزين، مقابل تعويض سخيّ لسموتريتش حتى لا ينسحب من الحكومة، ويتمثّل بتنفيذ مخطّط ضمّ مناطق في الضفّة الغربية إلى إسرائيل، وإطلاق العنان للاستيطان، من دون قيود أو كوابح.