تقسيم سوريا أم توحيدها؟

مدة القراءة 3 د


يتعامل السوريون مع سوريا اليوم باعتبارها دولةً موحَّدةً، ويُصدر الكثيرون منهم البيانات الرافضة لتقسيمها، غير منتبهين، أو أنهم يخشون الانتباه بأنَّ سوريا اليوم هي دولة مقسَّمة فعلياً، ومن الأجدر بهم البحث عن سُبُلٍ لإعادة توحيدها.

والحقّ أنّ كثافة الزمن الثوريّ الذي تعيشه البلاد منذ تسع سنوات، هي التي حالت دون انتباه أكثرنا إلى الانقلاب الجذري الذي حدث لسوريا، والذي لم يترك شيئاً على حاله القديم إلا وبدَّله، وفي أغلب الأحيان جعله على النقيض من حاله السابق.

إقرأ أيضاً: جنود الأسد يتسوّلون بالزي الرسمي

لذلك، برزت مشكلةٌ سوريَّةٌ عويصةٌ، إضافة إلى مشكلاتنا الكثيرة، تتعلَّق بتعاطينا وفهمنا لبعض المصطلحات والتصوُّرات السياسية دون أن نلحظ التغييرات الكبرى التي طرأت عليها مع تعاقب هذا الزمن الثوري، وتوالي الأحداث الانقلابية، سياسياً وعسكرياً واجتماعياً وثقافياً وعمرانياً وديموغرافياً، ناهيك عن بلوغ عالم السياسة مراحلَ متطوّرةً وأشدّ تعقيداً أكثر من أيّ وقتٍ مضى.

فمصطلح كـ”التقسيم” مثلاً، أو فلنقل إنَّ تصوُّراً سياسياً مثل “تقسيم سوريا” ما يزال راسخاً في أذهان الغالبية العظمى من السوريين بشكله الواحد القديم، أي وفق النموذج الاستعماري الذي صنعه الانتداب الفرنسي. بمعنى أنّ شكل التقسيم لدينا ناجزٌ ومحدَّدٌ ومطابق للشكل الذي اعتمده الفرنسيون قبل مئة عام: دويلات طائفية لكلّ منها عَلَم ونشيد وحدود وبرلمان… غافلين عن أنّ المصطلحات والمفاهيم والتصوُّرات السياسية في حالة تبدُّل دائم. فكيف إذا كان هذا التبدُّل مدعوماً بعقدٍ كامل من الزلازل التي لم تضرب الصفائح التكتونية – الكيانية لسوريا فحسب، بل للمنطقة بأسرها.

إنَّ التقسيم الحاصل، والذي ما يزال يحصل، في سوريا أعقد بكثير من التقسيم القديم، ولا يمكن دحضه، إطلاقاً، بالقول إنه لا وجود – في الخرائط – لدولة علوية أو دولة درزية أو دولة حلب أو دولة دمشق، كما كانت الحال أيام الفرنسيين.

ستتحوَّل الأراضي السورية إلى أقاليم ضعيفة وإلى أرض رخوة لا تصلح لبناء أيّ دولة عليها، ولكنها تصلح فقط لبناء القواعد العسكرية الأجنبية

بل إنَّ التقسيم الحالي أكثر خطراً وعدوانيةً من التقسيم الكلاسيكي القديم. لأنّ القديم ربما كان يُتيح للدويلات الناشئة التقاط أنفاسها ومحاولة البدء من جديد، في حين أنَّ التقسيم الحالي، الـمُراد تكريسه في سوريا، هو تقسيم مستمرّ وغير ناجز، يأخذ كلَّ أشكال التناحر الجغرافي والديموغرافي والاجتماعي الممكنة. بل إنه تقسيم قائم أصلاً على دوام الاحتراب الأهلي.

فلن يُسمَح “للكورد” بإقامة دولة في سوريا، ولكن أيضاً لن يُسمَح للسوريين بإنهاء المشروع الانفصالي. سيبقى شرق الفرات مقتطعاً من الأرض السورية دون أن يُسمح له بالاستقلال.

ستتحوَّل الأراضي السورية إلى أقاليم ضعيفة وإلى أرض رخوة لا تصلح لبناء أيّ دولة عليها، ولكنها تصلح فقط لبناء القواعد العسكرية الأجنبية.

وبالنتيجة، سنكون أمام تدمير شامل لكلّ الصيغ الممكنة لأيّ قيامة جديدة للشعب السوري أو حتى لأيّ جزء منه. وهذا هو الفرق الجوهري بين تقسيم قديم يُفكّك الدولة، وتقسيم جديد يُدمّرها.

لذلك، على الوطنيين السوريين أن يضعوا جانباً مقولة “تقسيم سوريا”، وأن يلتفتوا إلى مقولة “توحيد سوريا”. وهذا التحوُّل الأساسي في الطرح سيتطلَّب بالضرورة مناقشة جميع الصيغ الممكنة والواقعية لإنجاز هذا التوحيد، بعيداً عن الشكل القديم للدولة المركزية التي كانت بمثابة البنية التحتية التي قامت عليها دولة الاستبداد.

 

مواضيع ذات صلة

“رأي” هيئة التّشريع غير المُلزِم ممرٌّ للتّسوية؟

بينما كان يُفترَض أن تكون الكرة في “ملعب” الحكومة أو مجلس النوّاب في ما يخصّ حلّ أزمة اقتراع المغتربين والمقاعد الستّة في قارّات العالم، حطّت…

هدنة الحزب “الرّئاسيّة” تحت الاختبار

لم يَخرج إعلان اكتشاف نفق ضخم تابع لـ”الحزب” جنوب الليطاني قبل أيّام عن سياق المتوقّع، لكنّ الترحيب الأميركيّ اللافت بخطوة الجيش تأخذ أبعاداً مهمّة بعد…

ورشة “الحزب”: من إقالة صفا إلى المجلس الجهاديّ

ماذا بعد استقالة وفيق صفا من وحدة “الارتباط والتّنسيق” في الحزب؟ ماذا وراء القرار؟ وما هي أبرز التعيينات الجديدة؟   يشهدُ “الحزب”، منذ انتهاء حرب…

ما مصير الـ144 ألف ناخب في الاغتراب؟(2/2)

لم يسبق في تاريخ القوانين الانتخابيّة منذ الطائف حتّى اليوم أن تعرّض قانون الانتخاب، ومعه مصير الانتخابات، لهذا الحدّ من “التنتيع” السياسيّ. لا يتوقّف الأمر…