رفيق الحريري: عنوان وطني بعيداً عن العائلة …

مدة القراءة 5 د


دفعت الثورة السورية، عربياً ودولياً، ثمن جملة واحدة. جملة أطاحت بسوريا الموحّدة وهجّرت الشعب السوري عن بكرة أبيه، لأنّ داعمي الثورة لم يجدوا “بديلاً عن بشار الأسد”. “لا بديل عن الأسد”، كانت الجملة التي أجهضت طموحات وأحلام الشعب السوري، وأدخلت سوريا ومنطقة الشرق الأوسط في دوّامة موت وتهجير لا تنتهي. كان ذلك نتيجة قصر النظر لدى السوريين شعباً ومعارضة، وضيقاً للأفق العربي الذي لم ينجح بصراعاته وخلافاته بإنتاج بديل مدني يقدّم نفسه صفوةً أمام الرأي العام العربي والدولي.

لا يغيب ضيق الأفق العربي، وفقدان البصيرة، عن واقع “السنّة” في لبنان. وضعوا أنفسهم في خانة “الحريري أو لا أحد”. هذه المعادلات لا ترسو إلا في بيئات يائسة أو غارقة في أوهام تثنيها عن التفكير بالمستقبل والبدائل. استناداً إلى نظرية “القائد الملهم” الذي لا بدّ أن يستفيق بعد كبوات. تلك النظرة الوهمية لا تؤدّي إلا صوب رهان على وهم، ثبت في أكثر من محطة، مقوّمات وهنه وانهياره.

إقرأ أيضاً: عودةٌ بلا أفق: من يثق بالحريري؟

تتعلّق الجموع البشرية بالوهم عندما تفتقد البديل عنه. لدى سنّة لبنان المعادلة أسوأ وأخطر، فيتكرّس غياب البديل بصناعة الوهم، المدفوع من خجلٍ قد يُبقي هذه الجماعة خاضعة لتناحرات عائلية لا أكثر، لأنّ أحداً لم يجرؤ على الإقدام، والقول إنّ هناك أدواراً لأشخاص قد انتهت أو يجب أن تنتهي.

 لا يمكن للسنّة أن يستفيقوا من كبوتهم وانهيارهم إلا بالخروج من معادلة “الحريري أو لا أحد”. وهو الذي أضاع أكثر من فرصة كانت بين يديه. أضاع فرصة “سمير الخطيب مثلاً”، إبن بيته والخارج من دارته إلى رحابة رئاسة الحكومة، فأجهض مساعيه، ليُبلى بالحكومة الحالية. قبلها كان قد أضاع كلّ ما أرساه والده في المعادلة الوطنية على طريق بناء الدولة العصرية، إذ لم يميّز فيها بين الأطياف والمذاهب. نحر سعد الحريري الصيغة التي أرساها والده، بتفاهمه الرئاسي الذي أغرق السنّة في زواريب الطوائف والمذاهب، وأنزلهم من مصافّ الأمة، ليضعهم في خانة التنازع على موظف هنا أو صلاحيات هناك.

لا يمكن تحميل الحريري مسؤولية الانهيار كلّه. في الحقيقة هو جزء من سياق أعمّ يطاول العرب والعروبيين من المحيط إلى الخليج. ربما من ينظر إلى سنّة سوريا تهون عليه مصائب سنّة لبنان، وسط غياب هائل للدور العربي المؤثّر في المعادلات العربية.

يغيب العرب عن سوريا كما غابوا عن العراق ولبنان. وهكذا تصير الأزمة اللبنانية امتداداً للأزمات المتتالية عربياً. ما يضعهم أمام خيار من اثنين، إما الاستسلام والركون إلى الأمر الواقع، الذي قد يدفعهم إلى الهجرة وانعدام التأثير، بما يشبه ما تعرّض له الشعب السوري، وإما الذهاب إلى خيار انتفاضي جديد، يقوم على مبدأ العروبة وإعادة تعزيز الدولة الوطنية بعيداً عن دويلات الطوائف وأدوارها وما ترسيها من حروب الصلاحيات المفتوحة. تلك الحروب التي حاول الحريري خوضها في تسويته الأخيرة وفشل أكثر من مرّة، وصولاً إلى خروجه من المعادلة السياسية، وإخراج أهله من المعادلة الوطنية.

هذه فرصة جديدة أمام بيروت لتعيد إنتاج دورها التاريخي، بطروحات سياسية، ثقافية، واقتصادية واجتماعية جديدة، تخرج من التقليد إلى التجديد بعيداً عن صراعات المواقع أو صراعات الإخوة والأعمام وأبناء الأعمام

التجارب السنّية التقليدية قد استنزفت. مثلما كانت قد استنزفت خلال الحرب الأهلية، ولم ينهض السنّة في لبنان، وما عادوا مؤثّرين في المعادلة الوطنية، وكادوا يخسرون دورهم في عملية بناء الدولة العصرية، دولة اتفاق الطائف بعد الحرب، التي أنتجت نهضة علمية وثقافية واقتصادية، لولا الخروج عن التقليد، والذهاب إلى شخصية جديدة تمكّنت من إرساء هذا التغيير وحملتهم إليه. كان رفيق الحريري تلك الشخصية التي جاءت ما بعد الحرب، فأخرجت السنّة واللبنانيين عموماً من تحت أنقاض الدمار.

اغتيل الحريري في سياق العمل على إعادة تغيير المعادلات والتوازنات في لبنان وكلّ المنطقة. وهذا ما شهدت عليه الأحداث فيما بعد وصولاً إلى ما تعرّضت له سوريا، وما تعرّض له لبنان في إرساء معادلات أنتجت زعامات طائفية جديدة تقوم على التحالف فيما بينها بمواجهة “الحريرية السياسية” المستهدفة، إلى اليوم، سياسياً، واقتصادياً، ومالياً، وحتى طائفياً.

السنّة اللبنانيون بما يعنينا، والعرب كذلك بما يعنينا أيضاً، يحتاجون إلى ما يتخطّى هاتين الخانتين، اللتين يُراد أن يحشروا بينها.

بيروت شمس الحرية العربية، كانت الولادة الدائمة لنهضات عربية أخرجت العرب في محطات كثيرة من كبواتهم. وهذه فرصة جديدة أمام بيروت لتعيد إنتاج دورها التاريخي، بطروحات سياسية، ثقافية، واقتصادية واجتماعية جديدة، تخرج من التقليد إلى التجديد بعيداً عن صراعات المواقع أو صراعات الإخوة والأعمام وأبناء الأعمام.

لم يكن رفيق الحريري ملك نفسه ولا ملك عائلته، ولم يعد بالإمكان السماح لمن يحملون اسم عائلته أن يدمّروا مشروعه أو طموحه، أو المثال الذي تركه لنا. هنا لا بدّ من نزع ثوب الخجل والمراعاة، لأنّ مصائر الأمم لا تُقاد بالحياء والضعف. آن لبيروت أن تنتفض بحركة سياسية جديدة، للشام ولكل العرب. 

 

مواضيع ذات صلة

حتّى لو لم يسقط النّظام

قبل أسبوعين فقط، كانت إيران تُصنّف كأهمّ قوّة صاروخيّة في المنطقة، مستندة إلى ترسانة، أجادت في استعراضها ومديح مزاياها. بيد أنّ الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة، جعلت…

سجال موسى-الرّاشد: اللَّبس العربيّ تجاه إيران (2)

استدرج السجال على منصّة “X” بين الأستاذين عمرو موسى وعبدالرحمن الراشد تفاعلاً عامّاً يكشف عن ذلك اللبس الذي استوطن مقاربة العالم العربيّ للحالة الإيرانيّة. لا…

الشّرق الأوسط بعد الحرب: إعمار أم سباق تسلّح؟

في خضمّ الضجيج اليوميّ للحرب، تُطرح الأسئلة المعتادة: من تقدّم؟ من خسر؟ إلى أيّ مدى يمكن أن تتّسع رقعة المواجهة؟ لكن وسط هذا الضجيج يضيع…

هرمز.. هرٌّ بمخالب مزدوجة

تُعتبر المضائق البحريّة شرايين حيويّة، سواء لناحية التجارة العالميّة أو للناحية الجيوسياسيّة والعسكريّة. بسبب موقعها الجغرافيّ، تتبوّأ هذه المضائق موقعاً مهمّاً للتحكّم في حركة ناقلات…