مكافحة التطرف بين الشباب والإصلاح الديني

مدة القراءة 4 د


بدعوةٍ من رابطة العالم الإسلامي، حضرتُ وحاضرت بمقر الأمم المتحدة في جنيف في مؤتمر بعنوان: “مبادرات تحصين الشباب ضد أفكار التطرف والعنف”. والموضوع شديد الأهمية، ليس بسبب مَنْ حضروه من دوليين وممثلين للمجتمعات الدينية والمدنية؛ بل لأنّ الشباب بالفعل هم الوقود الحارق والمحرق. فالقادة المؤدلجون لحركات التطرف والعنف هم الذين تتجاوز أعمارهم الأربعين. أما القاتلون والمستقتلون فهم من الشباب في العشرينات وما دون. كانوا كذلك في التسعينات وما قبل، وصاروا أحدث سناً وأشدّ اندفاعاً أيضاً وأيضاً في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

إنّ التطرف غير المحافظة بالطبع. فالمحافظة فيها جمودٌ وعدم مرونة في الدين كما في السياسة. أما التطرف فيعني الحركية والاندفاع إمّا لدوافع عاطفية أو لعوامل فكرية وأيديولوجية، وهي الأخطر والأبقى، والتي تستمر في إنتاج أجيالٍ من المتشددين الانعزاليين أو المنكمشين أو الانتحاريين.

لا يجوز تجاهُل ردود أفعال الدول والمجتمعات أو المؤسسات الدينية على التطرف العنيف. وسواء على مستوى الإعلانات والبيانات المضادّة، والدعوة للاعتدال في الدين – أو لجهة اتخاذ تنظيمات وإجراءات تربوية وتعليمية وثقافية واجتماعية لمكافحة التطرف أو للوقاية منه. فمعظم الدول العربية والإسلامية غيَّرت برامجها التربوية في التعليم الديني، كما حاولت تغيير الخطاب الديني بالتوجيه الصارم في خُطب الجمعة، وخطابات المناسبات الدينية. وقد زرتُ خلال السنوات العشر الماضية عدة معاهد لتدريب الأئمة في عدة دولٍ عربية. ومشهورٌ هو قسم المناصحة الذي أنشأته وزارة الداخلية السعودية منذ العام 2007 لمعالجة وإعادة تربية المتطرفين المرتكبين التائبين أو الذين يُظهرون ميلاً للتعرُّض وسقوط المناعة.

ماذا كانت فعالية وتأثيرات كل هذه الجهود والمساعي لمكافحة التطرف ومنع ظهور أجيال جديدة؟ لقد كانت لها تأثيرات، وليس الإعلانات والبيانات ومؤسسات التدريب ومعاهده، والشراكات مع الخارج الديني والمدني؛ بل وفي تلك الاجتماعات والمؤتمرات الزاخرة والظاهرة في وسائل الإعلام، والمرافق والمراصد التي أنشأتها الجهات الدينية والدولتية للمتابعة والإعلام والتنوير بشرور التطرف، وخيرية الاعتدال والتسامح في الفكر والممارسة.

لا بد من المضي في ذلك بوضوح ووعي وجدية، في الإصلاح نحو استعادة السكينة في الدين

بيد أنّ هذه الفعاليات والمساعي جميعاً ما كانت كافيةً رغم جديتها، ثم إنها ما كانت في كثير من الأحيان ملائمة! كيف ذلك؟ أقول إنها ما كانت ملائمة لأنها ذات طابع تقني أو تقليدي إذا صحّ التعبير. فهي تركّز على حرمات الدم والعرض والمال. وهي تركّز على ضرورات رعاية مصالح الناس في الاستقرار، ومصالح الأمة في عدم معاداة العالم. ولهذه النواهي التي تعاطينا معها كثيراً إمّا على سبيل التأصيل، وإما على سبيل المناهج والاجتهاد والتأويل؛ فوائدها الزجرية بالطبع وكما سبق القول؛ أما عدم كفايتها أو ملاءمتها فلأنّ المتطرفين عقائديون ونحن نجيبهم بتقنيات تفصيلية مثل معنى هذه الآية أو تلك أو هذا الحديث أو ذاك، أو هذا الحديث في دلالاته وآثاره. وهم من جهتهم، أي هؤلاء المتطرفون يوردون آياتٍ وأحاديث وأحداثاً يؤولونها غير ما أوّلناها، ويزيدون في اتهامنا بالتحريف والكفر. ولستُ أزعم أنهم يؤثرون كثيراً، لكنهم يستهوون فئاتٍ من شبابنا كما حصل في العقود الأخيرة.

التحدي إذن في الإجابة عقدياً كما هوجم ديننا وهوجم العالم من جانب المتطرفين. وأقصد بالإجابة العقَدية إحداث تغيير كبير في علم كلام الدين أو لاهوت الدين، وهو مصطلحٌ لا يحبه المسلمون. على كل حال ما أقصده تغيير فلسفة الدين أو رؤية العالم. هذا الأمر طالب به العالم الهندي شبلي النعماني قبل أكثر من مائة عام. وطالب به محمد عبده. وطالب به محمد إقبال. والمقصود القيام بأمرين: المساحة التأويلية بين النص والتاريخ والحاضر- والأمر الآخر: إعادة التركيب. أما المساحة التأويلية فتجعل من النصوص (مثل التعارف)، والأحداث (مثل كتاب المدينة) قابلةً للانفتاح على مشكلاتنا في العصر. وأما إعادة التركيب فتعني الملاءمة بين النصوص والأحداث المؤولة من جهة، والمواد الملائمة من جدول الأعمال العالمي في الخير والمعروف.

 ولا يقولنَّ أحدٌ إنّ هذا غير ممكن، فقد بدأ بإنفاذه إصلاحيون كبار دون أن يقولوا ذلك: شيخ الأزهر والبابا في وثيقة الأخوة الإنسانية، ووثيقة مكة المكرمة التي أصدرتها رابطة العالم الإسلامي، وميثاق حلف الفضول الجديد الذي أصدره منتدى تعزيز السلم (عبد الله بن بيه) بأبوظبي. كل هذه الإعلانات تدخل في تغيير جذري للرؤى الدينية التقليدية. وهم لا يسمون ما يفعلونه إصلاحات، وأنا أعتبرها كذلك. لا بد من المضي في ذلك بوضوح ووعي وجدية، في الإصلاح نحو استعادة السكينة في الدين، وتجديد تجربة الدولة الوطنية، وإصلاح العلاقات مع العالم.

مواضيع ذات صلة

لبنان الغائب منذ غاب رفيق الحريري

سؤال يقتحم مخيّلة اللبنانيّين كلّ سنة، عندما تقترب ذكرى الرابع عشر من شباط: كيف كان سيكون لبنان لو كان الرئيس رفيق الحريري لا يزال على…

روبيو في ميونيخ: الاتّهام المخمليّ لأوروبا

رسم وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، في الخطاب الرئيس الذي ألقاه في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، قبل أيّام، الخطوط العريضة لرؤية إدارة الرئيس دونالد ترامب…

إيران وأميركا: طبول الحرب وآفاق التّسوية

تصاعدت وتيرة التحضيرات لعمليّة عسكريّة أميركيّة واسعة النطاق في إيران، ووصلت حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة في مشهد غير مسبوق يختلف نوعيّاً عن أجواء الاحتقان…

معركة وراثة ترامب: فانس ضدّ روبيو

بينما يستقرّ دونالد ترامب في ولايته الثانية، يطفو سؤال واحد فوق المشهد الجمهوريّ: من سيرث حركة “ماغا”؟   حركة “ماغا” التي أعادت تشكيل الحزب الجمهوريّ…