ماذا بعد الحرب على إيران؟

مدة القراءة 4 د

أيّاً تكن نتائج الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران، فإنّ ثمّة سؤالاً أساسيّاً يفرض نفسه: ماذا بعد توقّف الحرب؟

 

لا يعرف أحد سوى الأميركيّين والإسرائيليّين حجم القذائف التي أُلقيت على إيران. ولا يعرف الإيرانيّون أنفسهم حجم ومواقع القذائف التي لم تنفجر.

القنابل التي انفجرت أصبحت من الماضي. أمّا القنابل التي لم تنفجر فتحمل مفاتيح المستقبل في إيران. حدث ذلك من قبل في كمبوديا. خلال الحرب الأميركيّة على فيتنام، ألقت الولايات المتّحدة على كمبوديا 1.8 مليون طن من المتفجّرات. في ذلك الوقت كانت كمبوديا تشكّل طريق تمويل حركة الفيتكونغ الفيتناميّة بالذخيرة والمساعدات الغذائيّة المرسلة إليها من الصين.

استعادة التّعافي

بعد نهاية الحرب تبيّن أنّ القنابل التي اصطدمت بأرض صخريّة هي التي انفجرت، وأنّ القنابل التي سقطت فوق أرض طريّة تحوّل معظمها مع الوقت، وحتّى بعد مرور سنوات من الاتّفاق على التسوية السياسيّة، إلى قنابل موقوتة لا تزال تودي حتّى اليوم بحياة الآلاف من المزارعين وعابري السبيل.

تقول الإحصاءات الرسميّة إنّ الحرب الأميركيّة على كمبوديا وفيتنام أدّت إلى مقتل حوالي 150 ألف إنسان، وإنّ سقوط الضحايا استمرّ بعد الحرب من جرّاء تفجّر قنابل من مخلّفات تلك الحرب. قُتل في كمبوديا وحدها 19 ألف إنسان، معظمهم من المزارعين أو من عابري السبيل. ولذلك تُعتبر كمبوديا اليوم الدولة الأولى في العالم من حيث عدد مبتوري الأعضاء والمشوّهين. يشكّل هذا الواقع الكمبوديّ درساً لإيران عن كيفيّة التعامل مع مخلّفات الحرب الجارية اليوم من القنابل الأميركيّة والإسرائيليّة التي لم تنفجر.

تقلّصت في كمبوديا مساحات الأراضي الزراعيّة بعد الحرب بنسبة 12 في المئة من جرّاء انتشار القنابل غير المتفجّرة.

قصفت الولايات المتّحدة وإسرائيل مساحات واسعة من إيران بالقنابل. منها ما قتل ودمّر، ومنها ما ينتظر جيلاً جديداً من الأبرياء وعابري السبيل

أدّى هذا الأمر إلى تراجع الإنتاج الزراعيّ الذي يشكّل المورد الأساسيّ للدخل القوميّ لكمبوديا. بلغت نسبة التراجع في إنتاج الأرز وحده (وهو المادّة الغذائيّة الرئيسة في كمبوديا وفيتنام) إلى النصف. وتبعاً لذلك تراجع الدخل القوميّ بنسبة 40 في المئة.

أيّ آثار سوف يتركها القصف الأميركيّ – الإسرائيليّ المكثّف على إيران، سواء على صعيد السلامة العامّة أو على صعيد النموّ الاقتصاديّ؟

قصفت الولايات المتّحدة وإسرائيل مساحات واسعة من إيران بالقنابل. منها ما قتل ودمّر، ومنها ما ينتظر جيلاً جديداً من الأبرياء وعابري السبيل.

تقول كمبوديا إنّ نسبة مساحة الأراضي الزراعيّة تقلّصت 22 في المئة نتيجة مخلّفات القصف الأميركيّ. أيّ مصير ينتظر الأراضي الزراعيّة في إيران بعد القصف الأميركيّ – الإسرائيليّ المكثّف؟ وكيف ستتمكّن من إعادة بناء مصانعها العديدة التي التهمتها نيران القصف؟

سقوط المعادلات

عندما شنّت الولايات المتّحدة الحرب على فيتنام وكمبوديا كانت نوعيّة القنابل دون المستوى التدميريّ الذي تتمتّع به قنابلها اليوم. استهدف القصف في ذلك الوقت الأراضي الزراعيّة لتجويع الكمبوديّين والفيتناميّين. أمّا الآن فالقصف الأميركيّ – الإسرائيليّ استهدف المنشآت الصناعيّة التي تشكّل العمود الفقريّ للاقتصاد الإيرانيّ الحديث، والمنشآت النفطيّة (إنتاجاً وتكريراً، علماً أنّ النفط يشكّل أهمّ مصدر للدخل القوميّ الإيرانيّ)، حتّى إنّه استهدف المفاعل النوويّ، وهو ما لم تتعرّض له من قبل أيّ دولة من الدول المعادية للسياسة الأميركيّة.

لا يعرف أحد سوى الأميركيّين والإسرائيليّين حجم القذائف التي أُلقيت على إيران. ولا يعرف الإيرانيّون أنفسهم حجم ومواقع القذائف التي لم تنفجر

تعاني إيران من النتائج السلبيّة للعقوبات الاقتصاديّة التي فرضتها عليها الولايات المتّحدة وحلفاؤها منذ سنوات. ماذا تعني إضافة النتائج المدمّرة للحرب إلى النتائج المترتّبة على هذه العقوبات؟ وماذا يعني تعطيل الإنتاج الإيرانيّ من النفط، خاصّة بعدما استطاعت الولايات المتّحدة توفير البديل الفنزويلّيّ؟

تحقّق الولايات المتّحدة بضرب المنشآت النفطيّة الإيرانيّة هدفين في وقت واحد:

– الهدف الأوّل هو مضاعفة الضغط الاقتصاديّ على إيران.

– الهدف الثاني هو ابتزاز الدول المستوردة للنفط الإيرانيّ، وفي مقدَّمها الصين.

من هنا لن تبقى المعادلات الإقليميّة والدوليّة التي كانت قائمة قبل الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران على ما هي عليه بعد الحرب. تلقي المعادلات الجديدة الضوء على ملامح استيلاد شرق أوسط جديد. حدث ذلك من قبل عندما أدّت هزيمة الولايات المتّحدة في فيتنام وكمبوديا إلى ولادة الشرق الأقصى الجديد.

مواضيع ذات صلة

من دولة NGO إلى الدولة

لطالما ردّد “الحزب” أنّه خلف الدولة في كافة المسائل لكن باستثناء الشأن العسكري، اختصاص تحتكره الدول في الشرق والغرب، ومنها إيران. وكأن المطلوب دولة بمثابة…

لماذا يحرس ترامب صادرات النفط الإيرانية؟

يمكن اعتبار مقتل علي لاريجاني الحدث الأول البارز في الحرب منذ أكثر من أسبوع، أي منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل مفاجئ أنّ…

المسيح الدّجّال والذّكاء الاصطناعيّ

شهدت روما عبر قرون طويلة صراعات فكريّة كبرى: بين الإيمان والإمبراطوريّة، بين اللاهوت والعلم، وبين التقليد والحداثة. تدور اليوم داخل العالم الكاثوليكيّ مناقشة جديدة، أقلّ…

وهم الحسم: حين ينتصر الخصمان معاً

سبق للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أن قال إنّ قرار إنهاء الحرب ضدّ إيران سيُتّخذ بالتشاور مع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو. أراد التأكيد، للحلفاء قبل…