سبق للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أن قال إنّ قرار إنهاء الحرب ضدّ إيران سيُتّخذ بالتشاور مع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو. أراد التأكيد، للحلفاء قبل الخصوم، أنّها حربهما وليست حرب مروحة من الدول على منوال ما قادته واشنطن من حروب قبل ذلك. أخذت أوروبا ودول الناتو علماً، فنأت بنفسها عن الحدث. ومع ذلك بعث ترامب بعتب قاسٍ لرئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر لأنّه حجب عنه استخدام قواعد المملكة المتّحدة (خصوصاً دييغو غارسيا في المحيط الهنديّ) عند بدء الحرب. وحين استجاب ستارمر لاحقاً، بشروط، حرد ترامب معلّقاً: “لا نحتاج إليكم”. هكذا، بهذه الخفّة والارتجال والشخصانيّة، يدير ترامب حربه.
من بين زعماء أوروبا، ذهب المستشار الألمانيّ فريدريش ميرتس إلى واشنطن. اجتمع مع الرئيس الأميركيّ الذي أدخل عليه، في المكتب البيضاويّ، صحافيّي البيت الأبيض. قال المستشار بعد ذلك “العرس” إنّ الإدارة لا تملك خطّة للحرب ولا أجندة ليومها التالي. تهامس الأوروبيّون، وشكروا القدر الذي جعلهم خارج حرب أميركيّة جديدة كانوا جزءاً منها في العراق وأفغانستان وميادين أخرى. ومع ذلك بدا أنّ ترامب، الذي أدخل العالم في فوضاه، يستدرج دولَه، لا سيما الصديقة منها، إلى تموضع يبدو بدوره مرتجلاً من غير خطّة.
تُحرّك فرنسا حاملة الطائرات النوويّة “شارل ديغول”، مدعومة بفرقاطات ومدمّرات تحمل قوى جوّية وقوّات تدخّل. جاء التحرّك بعد تعرّض قاعدة بريطانيا العسكريّة في قبرص لهجمات (مصدرها “الحزب” في لبنان). تروج مفارقة طريفة في فرنسا ترتبط بتحرّك بحريّتها لنجدة بريطانيا لأوّل مرّة في التاريخ (وللأمر حكايات عداء في تاريخ البلدين).
تسرّب بريطانيا إلى الصحف أنّها “تدرس” إرسال آلاف المسيّرات الاعتراضية من طراز “أوكتوبوس” لردّ المسيّرات الإيرانيّة عن مصالحها وقواعدها… وحلفائها في الخليج. تصدّر لندن اختراعاً، هو في الأصل أوكرانيّ المصدر، أجادت مصانع بريطانيا إنتاجه بوفرة وبسعر بخس. وتتحدّث الأنباء عن تحريك لندن، إضافة إلى موارد عسكريّة ثقيلة، غوّاصة نوويّة صوب مضيق هرمز.
لن يخرج ترامب من مأزقه بمفرده. يخبرنا أنّ الحرب ستنتهي حين يقرّر ذلك، ولم يعد يقول بالاستشارة مع نتنياهو
ورطة ترامب ونداؤه
بدا أنّ ترامب يعترف بالورطة ويبعث بنداء، بعضه مكتوم، للحلفاء كما للخصوم (الصين) بالانخراط في رفع “مصيبة” إقفال مضيق هرمز. يضع النداء في سلّة واجب الدول المستفيدة من المضيق أن تلقي بجهودها لتأمين انسياب الطاقة والسلع. لكنّ في خلفيّة حرص الرجل على الاقتصاد العالميّ، وهو الذي فخّخه بمواسم رسومه الجمركيّة، اعترافاً ضمنيّاً، ما يزال مكابراً، بأنّ تغيّر التوازنات، لا سيما في منطقة مثل الشرق الأوسط، وإن تملك واشنطن فيه حصريّة القول، لا يمكن أن يتمّ بناءً على نزوة شراكة تكاد تكون شخصيّة بين “دونالد وبيبي”.

لن يخرج ترامب من مأزقه بمفرده. يخبرنا أنّ الحرب ستنتهي حين يقرّر ذلك، ولم يعد يقول بالاستشارة مع نتنياهو. لم يجهّز لها تدابير اليوم التالي، تماماً كما ارتجل صفقة لغزّة وأقام لها “مجلس سلم”. تجري ورش ترامب من دون خطّة (وفق استنتاج المستشار الألمانيّ). يستطيع ترامب أن ينهي الحرب في أيّ لحظة. وأيّاً كان تاريخ تلك اللحظة فسيعلن النصر عارضاً حجج النصر ووثائقه. وفي تلك اللحظة أيضاً ستعلن إيران النصر المبين من دون حجج ولا وثائق.
حين انتصر صدّام
تتحدّث بعض الحكايات أنّ الرئيس العراقيّ الراحل صدّام حسين كان قلقاً حين تمكّنت جيوش الحلفاء بقيادة الولايات المتّحدة برئاسة جورج بوش الأب من طرد جيشه من الكويت عام 1991. تقول الحكاية إنّه كان على تواصل متوتّر مع ضبّاط الحدود العراقيّة مع الكويت لاستطلاع تقدّم القوّات الأميركيّة والمدى الذي ستصل إليه. وفي اللحظة التي وصله فيها من الضبّاط تأكيد توقّف المهاجمين عند الحدود وعدم اختراقها (على الرغم من “انتفاضة” جنوبيّة كانت تعوّل على الوعود)، صاح الرئيس العراقيّ: “لقد انتصرنا”.
بدا أنّ ترامب يعترف بالورطة ويبعث بنداء، بعضه مكتوم، للحلفاء كما للخصوم (الصين) بالانخراط في رفع “مصيبة” إقفال مضيق هرمز
أن يبقى نظام طهران فذلك نصر مبين سيجد له صدى في إيران ولدى قوى “المحور” وفي المنطقة والعالم. ستكون كارثة لإيران ومأساة قد يطول الخروج منها. لا مشكلة في ذلك ما دام النظام باقياً ولم تسقطه الاعتقادات المتخيّلة التي آمنت أنّ القصف الجوّيّ يُسقط نظاماً يستولي على البلد منذ أكثر من 47 عاماً، وأنّ المحتجّين الذين قتل منهم نظام طهران أكثر من 32 ألفاً (حسب أرقام ترامب) سينقضّون على النظام تحت حمم الجحيم التي تُقذف من السماء.
يعرف ترامب هذه الحقيقة. سينتصر أيّاً كان موعد إعلانه لانتهاء الحرب. لكن وجب أن يظهر هذا النصر ساحقاً يستحقّ تلك الحرب، ووجب أن يخرج من الحرب بإنجازات تستدعي مزيداً من الأيّام والأسابيع. يحتاج الأمر إلى جحيم كذلك الذي حلّ بجزيرة “خارك” الإيرانيّة (والذي قد يُكرّر “للمتعة” وفق وعد ترامب)، ويحتاج إلى علامات متدافعة تقنع حزبه والكونغرس ومقترعي الانتخابات النصفيّة في الخريف المقبل بأنّ أميركا “عادت عظيمة من جديد”.
ثمن العبث
يعود العالم إلى لعب أدوار لإعادة ترميم نفسه. سيكون على ترامب أن ينصت للحلفاء بانتباه، وهم الذين سيتموضعون تحت عنوان “دفاعيّ” لإعادة ترتيب ما بعد الفوضى. تحتاج دول الخليج التي دفعت ثمن هذا “العبث” إلى شركاء متّزنين وملتزمين بما يعيد قراءة تلك الحصريّة التي تفرضها واشنطن على طلّاب الأمن والدفاع. سيستمع ترامب إلى الزعيم الصينيّ شي جين بينغ الذي سيزوره قريباً (بعدما أعلن تأجيل الزيارة)، فلربّما تكون هذه الحرب قد أفهمته قواعد جديدة في إدارة الصراع مع أعتى الخصوم.
إقرأ أيضاً: سؤال الخليج: ما العمل؟
ستعلن إيران نصر البقاء على الحياة السياسية كنظام، الذي قد يكون نذير نهايات مقبلة. والأرجح أنّ تعويل ترامب على الشعب الإيرانيّ لإسقاط نظامه ليس تمنّياً بل خطّة عمل حتميّة، إلّا إذا أظهر النظام “المنتصر” وعياً يستخلص عِبراً تعيد تأهيله، وهو وعيٌ لا يقوى عليه ويكاد يكون من المعجزات.
لمتابعة الكاتب على X:
