يحذّر خبير في الاقتصاد السياسيّ الدوليّ من أنّ “إيران لا تخوض منافسة عسكريّة ضدّ الولايات المتّحدة وحسب، بل تشنّ حرباً مختلفة، وربّما أكثر خطورة، ألا وهي حرب اقتصاديّة موجّهة ضدّ النظام العالميّ برمّته. فبينما تركّز الولايات المتّحدة على إضعاف القدرات العسكريّة الإيرانيّة، تستهدف إيران أسس الاستقرار الاقتصاديّ العالميّ، لا سيما أسواق الطاقة وخطوط التجارة وثقة المستثمرين”.
يوضح الخبير نافين جيريشانكار، وهو رئيس قسم الأمن الاقتصاديّ والتكنولوجيا في مركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة في واشنطن، الذي يُعدّ من أبرز مراكز التفكير عالميّاً في مجالات الدفاع والأمن القوميّ والسياسة الخارجيّة، أنّه “في حين تخوض الولايات المتّحدة وإسرائيل حرباً عسكريّة غير واضحة الأهداف ضدّ إيران، تتبنّى طهران استراتيجية أوسع تستهدف النظام الاقتصاديّ العالميّ نفسه، يتمحور جوهرها حول تعطيل مضيق هرمز، أحد أهمّ الممرّات المائيّة الحيويّة في نظام الطاقة العالميّ. إذ يمرّ عبر هذا الممرّ المائيّ الضيّق يوميّاً ما يقارب ربع إمدادات النفط العالميّة، وجزء كبير من شحنات الأسمدة العالميّة، ونحو خُمس الغاز الطبيعيّ المسال. ومن خلال تجميد حركة الملاحة التجاريّة، وزرع الألغام البحريّة، والحفاظ على أسطول من السفن الصغيرة القادرة على إحداث تعطيل مستمرّ، حوّلت إيران المضيق إلى أداة ضغط اقتصاديّ”.
يضيف جيريشانكار، الذي يقود فريقاً من أكثر من 40 موظّفاً في المركز “يكرّسون جهودهم لتقديم بحوث مستقلّة ورؤى استراتيجيّة لصنّاع القرار الأميركيّين حول السياسات الاقتصاديّة والتكنولوجيّة ودورها المحوريّ في التنافسيّة والأمن القوميّ”، أنّ “إيران، على الرغم من تدمير أجزاء كبيرة من قدراتها البحريّة، لا تزال تحتفظ بمعظم زوارقها الصغيرة وسفن زرع الألغام. هذا يعني أنّ حربها الاقتصاديّة يمكن أن تتصاعد حتّى لو بدأت العمليّات العسكريّة المباشرة بالتراجع. وقد أدّى تعطيل الملاحة في المضيق بالفعل إلى احتجاز نحو ثلاثة ملايين برميل يوميّاً من النفط العراقيّ. وشهدت أسعار النفط تقلّبات حادّة، إذ راوحت بين 77 و119 دولاراً للبرميل خلال أسبوع واحد فقط”.
يرى جيريشانكار أنّ استهداف إيران بنى تحتيّة اقتصاديّة في أنحاء منطقة الخليج يشكّل أيضاً جزءاً من استراتيجية متعمّدة
شلل قرارات الاستثمار
مثل هذه التقلّبات تُسبّب، بحسب جيريشانكار، حالة من عدم اليقين يمكن أن تشلّ قرارات الاستثمار وتؤثّر في اقتصادات العالم. وقد بدأ المستهلكون الأميركيّون يلمسون هذه الآثار من خلال ارتفاع أسعار الوقود، بينما شهدت الأسواق الماليّة الأميركيّة تراجعاً ملحوظاً منذ اندلاع الحرب.
يرى جيريشانكار أنّ استهداف إيران بنى تحتيّة اقتصاديّة في أنحاء منطقة الخليج يشكّل أيضاً جزءاً من استراتيجية متعمّدة تهدف إلى جعل الحرب غير قابلة للاستدامة اقتصاديّاً بالنسبة إلى الولايات المتّحدة وشركائها الإقليميّين، بل وبالنسبة إلى الاقتصاد العالميّ ككلّ.
ركّزت إيران على ضرب قطاعات تمثّل أساس خطط التنويع الاقتصاديّ في دول الخليج، تشمل شبكات الخدمات اللوجستية، توليد الطاقة، مراكز البيانات، البنية التحتيّة للمياه، قطاع السياحة، والخدمات الماليّة. على مدى عقود، حاولت دول الخليج تحويل ثروتها النفطيّة إلى اقتصادات متنوّعة قادرة على العمل كمراكز عالميّة للنقل والخدمات الماليّة والتكنولوجيا. تهدف الاستراتيجية الإيرانية إلى تعريض هذا التحوّل للخطر ورفع التكاليف الاقتصاديّة للحرب إلى مستوى قد يصعب على خصومها والاقتصاد العالميّ ككلّ تحمّله.
لذا يرجّح الخبير الاقتصاديّ استمرار إيران في إلحاق الضرر بالبنية التحتيّة لهذه الدول، على الرغم من اعتذار الرئيس الإيرانيّ لقادتها. وفي رأيه “لا يمثّل الصراع العسكريّ سوى جزء من الحقيقة. فمع تضاؤل قدرة إيران على توجيه ضربات عسكريّة بمرور الوقت، تتفاقم الأضرار الاقتصاديّة الناجمة عن هذا الاضطراب. تتغيّر مسارات الشحن، وتنهار العقود، وتتراجع ثقة المستثمرين، وتتعثّر المشاريع الطويلة الأجل. الحرب الاقتصاديّة، على عكس الصراع التقليديّ، تُنتج آثاراً تراكميّة وأكثر ديمومة كلّما طال أمد الصراع”.
ركّزت إيران على ضرب قطاعات تمثّل أساس خطط التنويع الاقتصاديّ في دول الخليج، تشمل شبكات الخدمات اللوجستية
3 دلالات استراتيجيّة
يحدّد جيريشانكار ثلاث دلالات رئيسة للاستراتيجية الاقتصاديّة الإيرانيّة بالنسبة إلى القوّة الاقتصاديّة الأميركيّة:
– صدقيّة المظلّة الأمنيّة الأميركيّة في منطقة الخليج: على مدى عقود، شكّل الضمان الأميركيّ لأمن دول الخليج أساس تدفّقات ماليّة ضخمة من صناديق الثروة السياديّة الخليجيّة التي استثمرت تريليونات الدولارات في أصول مقوّمة بالدولار وفي قطاعات التكنولوجيا والصناعة في الولايات المتّحدة وأوروبا. لكنّ الحرب الحاليّة قد تثير تساؤلات عن قوّة هذا الضمان الأمنيّ. مع تراجع ثقة الحكومات الخليجيّة بالحماية الأميركيّة، قد تقرّر دول الخليج تحويل جزء من استثماراتها الضخمة من الخارج إلى الداخل لإعادة بناء البنية التحتيّة وتعزيز قدراتها العسكريّة. نتيجة لذلك قد تتراجع أو تتغيّر اتّجاهات التدفّقات الماليّة التي كان يُفترض أن تدعم مستقبل الصناعة الأميركيّة.

– تأثير الحرب على حلفاء الولايات المتّحدة الرئيسيّين: دول مثل اليابان وكوريا الجنوبيّة تعتمد بشكل كبير على إمدادات الطاقة الآتية من الخليج. تمثّل هاتان الدولتان محوراً أساسيّاً في سلسلة التوريد العالميّة لأشباه الموصلات. ويأتي نحو 80 في المئة من وارداتهما النفطيّة من منطقة الخليج، فيصبح أيّ اضطراب في الإمدادات تهديداً مباشراً لإنتاجهما الصناعيّ. هذا ويزيد من المخاوف الأمنيّة في شرق آسيا تحويلُ الولايات المتّحدة جزءاً من منظوماتها الدفاعيّة من شبه الجزيرة الكوريّة إلى الخليج. قد يدفع سيول إلى اتّباع سياسة توازن أقرب إلى الصين. وقد يؤدّي ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة واضطراب التجارة وارتفاع الديون إلى دفع العديد من دول الجنوب العالميّ للبحث عن شركاء اقتصاديّين بديلين، وهو ما قد تستفيد منه الصين.
إيران على الرغم من تدمير أجزاء كبيرة من قدراتها البحريّة، لا تزال تحتفظ بمعظم زوارقها الصغيرة وسفن زرع الألغام
– المكاسب الاستراتيجيّة المحتملة لخصوم الولايات المتّحدة الرئيسيّين: ارتفاع أسعار النفط يفيد روسيا لأنّه يزيد من عائدات صادراتها النفطيّة. وهناك أيضاً مؤشّرات إلى أنّ وزارة الخزانة الأميركيّة خفّفت بعض القيود على مبيعات النفط الروسيّ إلى الهند، فتنال موسكو ميزة اقتصاديّة إضافيّة. قد يخلق انشغال واشنطن في الشرق الأوسط مساحة استراتيجيّة للصين فتواصل تزويد إيران بمكوّنات الطائرات المسيّرة التي تنفق الولايات المتّحدة مليارات الدولارات لاعتراضها، وقد تعمل على تعزيز نفوذها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
900 مليون دولار يوميّاً
يشير جيريشانكار أخيراً إلى ضخامة التكاليف الاقتصاديّة للحرب داخل الولايات المتّحدة. إذ تُقدَّر تكلفة العمليّات العسكريّة بنحو 900 مليون دولار يوميّاً على دافعي الضرائب الأميركيّين. ويؤدّي الإنفاق على العمليّات العسكريّة إلى منافسة مباشرة مع الاستثمارات في الصناعات الاستراتيجيّة مثل تصنيع أشباه الموصلات ومعالجة المعادن الحيويّة، ويزيد ارتفاع أسعار النفط من تكاليف النقل والغذاء والتصنيع.
مع ارتفاع مستويات الدين الحكوميّ قد تزداد الضغوط الماليّة والتضخّم، وقد تضعف حرب طويلة جهود الولايات المتّحدة لبناء بنية اقتصاديّة للأمن القوميّ تهدف إلى تعزيز قدرتها على المنافسة مع الصين على المدى الطويل.
يحدّد جيريشانكار ثلاث دلالات رئيسة للاستراتيجية الاقتصاديّة الإيرانيّة بالنسبة إلى القوّة الاقتصاديّة الأميركيّة
اختبار نقاط الضّعف
قد تعمل الصين على اختبار نقاط الضعف في الفضاء السيبراني وسلاسل التوريد ونظم الردع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وقد تسعى إلى تقديم نفسها شريكاً اقتصاديّاً أكثر استقراراً في مناطق مثل إفريقيا وجنوب آسيا، فتعزِّز نفوذها من دون الدخول في مواجهة عسكريّة مباشرة.
إقرأ أيضاً: إيران: ماذا سيحدث لو توّفي “خامنئي الجديد”؟
يخلص جيريشانكار إلى أنّه “على الرغم من تحقيق الحملة العسكريّة نتائج مهمّة، لا تزال كبيرةً مخاطر التصعيد، بما في ذلك احتمال انخراط الولايات المتّحدة في حرب برّية طويلة”. لذلك يؤكّد أنّ الانضباط الاستراتيجيّ ضروريّ، ويرى أنّ “على الولايات المتّحدة تضييق أهدافها والاعتراف بإضعاف القدرات الهجوميّة الإيرانيّة كنتيجة استراتيجيّة قبل أن يتوسّع الصراع أكثر، وقبل أن تترسّخ فكرة تغيير النظام بتكلفتها الباهظة التي قد تستمرّ لعقد من الزمن. لقد عيّنت إيران بالفعل مرشداً أعلى جديداً، والنظام يعيد تشكيل نفسه، ونافذة تحويل المكاسب العسكريّة إلى نفوذ استراتيجيّ تضيق”.
