موسكو- دمشق: الشّرع يثبّت الشّراكة

مدة القراءة 5 د

لم تعد العلاقة بين دمشق وموسكو تُقرأ فقط من زاوية الإرث الذي خلّفه عهد بشّار الأسد، بل من زاوية ما تحتاج إليه سوريا الجديدة في مرحلة تثبيت الدولة ومنع انزلاق البلاد إلى اهتزازات داخليّة أو ضغوط خارجيّة أوسع. في هذا السياق، تكتسب زيارتا الرئيس السوريّ أحمد الشرع لروسيا (الأولى في تشرين الأوّل 2025 والثانية في كانون الثاني 2026) أهميّة خاصّة، لا باعتبارهما محطّة دبلوماسيّة وحسب، بل كجزء من مسار سياسيّ وأمنيّ يتقدّم بهدوء بين الطرفين، وسط مؤشّرات متزايدة إلى أنّ هذه العلاقة دخلت مرحلة أكثر انتظاماً ووضوحاً.

 

يقول مصدر روسي لـ”أساس” إنّ التواصل بين موسكو ودمشق لم يعد محصوراً بلقاءات موسميّة أو رسائل سياسيّة متبادلة، بل بات يقوم على وفود دائمة بين الجانبين، في إشارة إلى أنّ العلاقة انتقلت من إطار إعادة فتح القنوات إلى مستوى التنسيق المستمرّ. وفق المصدر نفسه، تشهد العلاقة بين وزارتَي الدفاع السوريّة والروسيّة تطوّراً دائماً، فيما تعمل موسكو على تجهيز الجيش السوريّ على مستويات التسليح والتدريب والتجهيز، بما يعكس وجود مسار عمل فعليّ يتجاوز المجاملات السياسيّة.

لا ينفصل هذا التطوّر عن حاجة دمشق إلى إعادة بناء المؤسّسة العسكريّة على أسس أكثر تماسكاً بعد مرحلة التحوّلات الكبرى التي شهدتها البلاد. تبدو العلاقة مع موسكو، في هذا الجانب، مرتبطة مباشرة بملفّ إعادة تأهيل الجيش السوريّ وتمكينه، بما يسمح للسلطة الجديدة بتثبيت حضورها داخل البلاد ومواجهة أيّ اختلالات أمنيّة محتملة. لا يقتصر الأمر على الدعم التقنيّ أو العسكريّ، بل يتّصل أيضاً بإعادة تنظيم العلاقة مع دولة لا تزال تملك أدوات تأثير واسعة في الملفّ السوريّ.

تكشف معطيات “أساس” أنّ تركيا تلعب دوراً مباشراً في دفع الرئيس أحمد الشّرع نحو تقوية العلاقة مع الروس

في المقابل، بحسب معطيات “أساس”، لا يبدو أنّ موسكو تتعامل مع دمشق من موقع المتفرّج. تتحرّك روسيا، التي خسرت بسقوط الأسد الصيغة القديمة لتحالفها مع سوريا، اليوم للحفاظ على موطئ قدمها السياسيّ والعسكريّ داخل البلد، لكن عبر علاقة مختلفة مع القيادة الجديدة. لا تقوم هذه العلاقة على استنساخ مرحلة سابقة، بل على تفاهمات جديدة تحكمها المصالح المباشرة للطرفين: دمشق تريد دعماً في تثبيت الدولة ومؤسّساتها، فيما تريد موسكو الحفاظ على دورها في سوريا وعدم ترك الساحة كاملة لتوازنات إقليميّة ودوليّة متحرّكة.

تركيا تشجع على التقارب الروسي- السوري

لا ينفصل هذا المسار أيضاً عن ملفّ القواعد العسكريّة الروسيّة في سوريا، الذي يبقى حاضراً في صلب التواصل بين الجانبين. تتمسّك موسكو بالحفاظ على وجودها في قاعدتَي حميميم وطرطوس على الساحل السوريّ، فيما أظهرت المعطيات أنّ مستقبل الحضور العسكريّ الروسيّ كان من بين الملفّات المطروحة في لقاءات الرئيس أحمد الشرع مع المسؤولين الروس، بالتوازي مع إعادة تموضع بعض القوّات الروسيّة وانسحابها من مواقع أخرى داخل سوريا.

الشّرع

في هذا الإطار، تكشف معطيات “أساس” أنّ تركيا تلعب دوراً مباشراً في دفع الرئيس أحمد الشرع نحو تقوية العلاقة مع الروس. وفق المعلومات، تنظر أنقرة إلى هذا المسار بوصفه عنصراً من عناصر حماية وحدة سوريا، في ظلّ مخاوف تركيّة من أيّ سيناريو تقسيميّ قد تدفع إليه إسرائيل أو تستفيد منه لاحقاً. لا يقتصر هذا القلق التركيّ على الحدود أو الترتيبات الإقليميّة، بل يمتدّ إلى الداخل السوريّ نفسه، حيث تراقب أنقرة عن كثب واقع الطائفة العلويّة واحتمالات أيّ تحرّك داخليّ قد يتقاطع مع ضبّاط سابقين أو مع فلول النظام.

تبدو زيارتا أحمد الشّرع لموسكو خلال أقلّ من أربعة أشهر أبعد من مشهد بروتوكوليّ أو لقاءات مجاملة بين رئيسين

بحسب المصدر الروسيّ، فإنّ أحد عناصر الاطمئنان لدى دمشق في هذا الملفّ هو أنّ موسكو تضبط محاولات من هذا النوع، أو على الأقلّ تملك قدرة على احتوائها، انطلاقاً من وجود عدد من أهمّ الضبّاط العلويّين في روسيا. تبعاً لهذه المعطيات، لا تبدو تقوية العلاقة مع موسكو في نظر السلطة السوريّة خياراً خارجيّاً وحسب، بل جزء من مقاربة داخليّة أيضاً، هدفها تقليص فرص أيّ اهتزاز أمنيّ أو سياسيّ قد ينشأ من بقايا النظام السابق أو من شبكات ما تزال تحتفظ بقدرة على الحركة.

من هنا، تبدو زيارتا أحمد الشرع لموسكو خلال أقلّ من أربعة أشهر أبعد من مشهد بروتوكوليّ أو لقاءات مجاملة بين رئيسين. تعكس مساراً قيد التثبيت، عنوانه بناء علاقة عمليّة مع روسيا على قاعدة المصالح المتبادلة. تريد دمشق شريكاً قادراً على المساهمة في تجهيز الجيش وضبط مساحات القلق الداخليّ، وروسيا تريد شريكاً سوريّاً جديداً لا يغلق الباب أمامها في مرحلة إعادة ترتيب النفوذ داخل البلاد.

معادلة جديدة للعلاقة

بين هذين الهدفين، تتشكّل معادلة جديدة في العلاقة بين الطرفين. ليست قطيعة مع الماضي بالكامل، ولا استمراراً تلقائيّاً له، بل إعادة تعريف دقيقة لما تحتاج إليه سوريا من موسكو، ولما تستطيع موسكو أن تقدّمه في هذه المرحلة.

إقرأ أيضاَ: سوريا في عين العاصفة: الشّرع يراهن على الدّولة

لذلك أيّ قراءة لزيارات الشرع لروسيا لا تكتمل من دون وضعها في هذا السياق الأوسع: تثبيت المؤسّسة العسكريّة، منع الفوضى الداخليّة، وفتح خطّ توازن مع قوّة لا تزال قادرة على لعب دور قويّ في المشهد السوريّ.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@LaraMounif

مواضيع ذات صلة

من يدير معركة “الحزب”: الحرب الانتحاريّة الأخيرة؟

ماذا يريد “الحزبُ” من الحرب الحاليّة؟ ومن يديرُ المعركة والملفّ السّياسيّ حقيقةً؟ هل نجحت إسرائيل في الاغتيالات التي استهدفت قيادته منذ الليلة الأولى؟   ليسَ…

التّفاوض “المباشر” بغطاء شيعيّ؟

لا ضمانات للجانب اللبنانيّ الرسميّ، حتّى الآن، بأنّ ورقة التفاوض المباشر التي تُشهَر، من بيروت، للمرّة الأولى منذ 1983 ستُصرَف حواراً يُخفّف في مرحلته الأولى…

إسرائيل تربط عودة الجنوب بنزع السّلاح

لا تبدو الدعوات اللبنانيّة إلى فتح باب التفاوض لوقف الحرب قادرة حتّى الآن على تغيير اتّجاه الأحداث، فالمعطيات الدبلوماسيّة والعسكريّة المتراكمة في الساعات الأخيرة تشير…

حزام النّار يلفّ السّلطة: تخلٍّ دوليّ عن لبنان

ثمّة سؤال واحد مركزيّ يُطرح لدى أهل القرار في الخارج المعنيّين بمساعدة لبنان، وبوضع حدّ لحرب إسرائيل و”الحزب”: هل تملك الدولة اللبنانيّة، الساعية إلى التفاوض…