الخليج… تهوّر ترامب وإجرام نتنياهو وجنون إيران

مدة القراءة 6 د

كشف استمرار الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة على إيران واشتراك “الحزب” فيها، جملة حقائق تحجب الدعايات التي ترافقها حسابات أطرافها. على الرغم من أنّها ليست حرباً عالميّة، تأثّر بها العالم بأسره مع استهداف سوق النفط واضطرار أميركا إلى طلب المساعدة الدوليّة العسكريّة والسياسيّة والدبلوماسيّة والاقتصاديّة. فضحت في شكل غير مسبوق مدى التزييف الدعائيّ لمجرياتها، وتأثيرها في الوضع الداخليّ في أميركا وفي إيران… وأظهرت العجز العربيّ واللبنانيّ عن التعاطي مع مجرياتها.

 

تتشابك الأمزجة الشخصيّة والخصوصيّات العقائديّة مع الأهداف الاستراتيجيّة للحرب الدائرة. وإذا كان هدفها إضعاف القدرات العسكريّة الإيرانيّة، وتغيير ميزان القوى الإقليميّ، فإنّ ملامح التغيير تخضع للتضارب بالحسابات.

بين هزيمة ترامب ورفع كلفة الحرب

بعد 5 أيّام على بدء الحرب عنونت صحيفة “كيهان” الإيرانيّة الأصوليّة القريبة من “حرس الثورة” بالآتي: “ستُختَتم الحرب بمقتل ترامب وإزالة إسرائيل”. ينسجم هذا العنوان السورياليّ مع دعاية عن الإنجازات العسكريّة الإيرانيّة ضدّ الحملة الأميركيّة الإسرائيليّة. يخال المرء عند قراءتها أنّ الأسطول الأميركيّ السادس المتمركز في البحرين قد دُمِّر عن بكرة أبيه، مثلاً. على الرغم من نجاح “الحرس” في استهداف قواعد ومقرّات أميركيّة بصواريخ ومسيّرات لم يكن الخصم يتوقّع أن تمتلك طهران كميّة من منصات إطلاقها، فإنّ إمكان التفوّق على الآلتين الأميركيّة والإسرائيليّة زرع للأوهام، بينما الهدف رفع كلفة الحرب على ترامب.

إيران وزرع الأوهام

لا يختلف زرع الأوهام من قبل “الحرس”، عن التضخيم الذي يتّسم به دونالد ترامب الخطابيّ، ويراوح بين الديماغوجية والتبسيط. لم تعد تُحصى المرّات التي أعلن فيها تدمير كلّ أسلحة إيران، منذ الأيّام العشرة الأولى للحرب. بالمقابل تعلن قيادة “سنتكوم” عن مرحلة جديدة من القصف. أخفت مبالغات ترامب إخفاقاً في توقّعاته لاستسلام النظام الإيرانيّ جرّاء قصور في فهم المنحى الانتحاريّ لمعظم مراكز القوى في النظام الذي يضحّي بالبشر والحجر لأجل بقائه. وهو منحى مشحون بالعقيدة الدينيّة التي شوّهت الكثير من المفاهيم حتّى الدينيّة منها، لتغلِّف أطماعاً قوميّة تاريخيّة.

اضطرّ ترامب المعتدّ بـ”أقوى جيش في العالم”، إلى اللجوء إلى “المجتمع الدوليّ”، الذي يزدري بعض دوله ويسخر من قادتها

بموازاة خيال قادة إيرانيّين ومبالغات ترامب لا بدّ من تسجيل وقائع أخرى أنتجتها الحرب:

1- يُنقل عن مسؤول عربيّ رفيع، يهتمّ بتدوير الزوايا، اعترافه بصعوبة إنجاز أيّ حلّ سياسيّ أو دبلوماسيّ. وفق معطيات “أساس” يعتبر المسؤول العربيّ أنّ المنطقة واقعة بين التهوّر الأميركيّ والإجرام الإسرائيليّ وجنون الهياج الإيرانيّ، بحيث يصعب السعي إلى خفض التصعيد. يستتبع ذلك أنّه على الرغم من اعتماد نهج الحكمة في تعاطي الدول الخليجيّة مع الاعتداءات الإيرانيّة المتواصلة، بات على الدول الست لمجلس التعاون أن تفكّر في صيغة جديدة لعلاقاتها مع الجار الإيرانيّ.

سواء بقي النظام الحاليّ أو تغيّر من الداخل، ثبت أن لا ضمانات تلجم جموح طهران نحو إسقاط صفة الأمان والبيئة الاستثماريّة العالية الجودة بهذه الدول. على الرغم من رعاية الصين للتفاهم السعوديّ الإيرانيّ وتحسّن العلاقات مع الخليج منذ 2023، خاب ظنّ العقل الإيرانيّ في أنّ تهديده أمن دول الخليج سيدفعها إلى الضغط على ترامب لوقف الحرب. علاوة على الشعور بجحود النظام الإيرانيّ، ثبت أن ليس من أولويّات واشنطن حماية دول الخليج العربيّ من قصفه بناها التحتيّة المدنيّة حتّى النفطية.

ترامب

2- تقع دول الخليج بين هاجس تدحرج الحرب نحو مخاطر الحسابات الخاطئة للعقل الجهنّمي في طهران الذي قد يقود إلى تقسيم بلاد الفرس، وبين طموح النظام للهيمنة على منطقة الخليج آملاً أن ينال تسليماً بتفوّقه عند مبادلته بوهم امتلاك قرار إنهاء الحرب. ما يزيد المخاوف الخليجيّة ذلك الرياء الإيرانيّ المفضوح. يخترع وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي حججاً كحديثه عن “استهداف إسرائيل وأميركا دول الخليج من أجل اتّهام بلاده بذلك. بلغ خياله درجة الحديث عن أنّ الأميركيّين صنعوا نسخة عن إحدى مسيّراتهم لضرب الدول الجارة بها… في المقابل يطلب “مقرّ خاتم الأنبياء” في بيان رسميّ “من شعب الإمارات إخلاء الموانئ وأرصفة رسوّ السفن ومخابئ القوّات الأميركيّة” في دول مجلس التعاون”. وتدعو “حماس” الحليفة لطهران في محور الممانعة المهشّم “إخواننا في إيران إلى عدم مهاجمة الدول المجاورة”.

أخفت مبالغات ترامب إخفاقاً في توقّعاته لاستسلام النظام الإيرانيّ جرّاء قصور في فهم المنحى الانتحاريّ لمعظم مراكز القوى في النظام

ترامب يعتمد على بوتين نفطيّاً     

3- اضطرّ ترامب المعتدّ بـ”أقوى جيش في العالم”، إلى اللجوء إلى “المجتمع الدوليّ”، الذي يزدري بعض دوله ويسخر من قادتها، والاستنجاد بها ولو بالمفرّق، لمعالجة تأثير ارتفاع كلفة الحرب على شعبيّة حزبه بسبب قفز أسعار النفط بعد إقفال مضيق هرمز:

– علّق العقوبات على النفط الروسيّ، وطلب من فلاديمير بوتين زيادة ضخّه في الأسواق لتزويد أوروبا به. لكنّ الأخير يطمح إلى ثمن مقابل ذلك، ويجنح نحو الانتقام من أوروبا لدعمها أوكرانيا. استفاد القيصر فاقترح التوسّط مع طهران.

– اضطرّ ترامب إلى سحب جزء من قوّاته في جنوب شرق آسيا والمحيط الهندي نحو الشرق الأوسط لتمكين جيشه من المواجهة مع التوسيع الإيرانيّ للحرب.

– طلب من الدول المتضرّرة من إقفال إيران مضيق هرمز أن تساعد في حمايته.

– مع حملته على دول أوروبيّة لعدم اشتراكها معه في الحرب، تبيّن أنّ بريطانيا تنسّق على أعلى المستويات مع القيادة العسكريّة الأميركيّة، خلافاً لاتّهاماته لرئيس وزرائها كير ستارمر برفض ذلك. لكنّ المشاركة البريطانيّة محدودة بمهمّات معيّنة. أمّا فرنسا فتشارك قاعدتها في أبو ظبي في إسقاط الصواريخ الإيرانيّة التي تستهدف الإمارات. ثبت أنّ هناك دولاً أوروبيّة تنشط عسكريّاً ضدّ إيران، لكن ليس تحت الإمرة الأميركيّة. فهل يدفع اشتراك هذه الدول ترامب إلى التواضع والتعاون الدوليّ بدل التفرّد؟

إقرأ أيضاً: نتنياهو و”الحزب”: رفض فصل حرب لبنان عن إيران

– في لبنان تبيّن أنّ فورة البحث عن مخرج للتفاوض المباشر مع إسرائيل لوقف حربها الهستيريّة ولفصل “الحزب” عن الأوهام الإيرانيّة، لم تستند إلى مبادرة جدّيّة. مع صدق المحاولة الفرنسيّة، بصرف النظر عن “أفكارها”، أكّد مصدر حكوميّ لـ”أساس” أنّ حديث اقتراب موعد المفاوضات لا أساس له. شدّد المصدر أيضاً على أنّ ما قيل عن تشكيل وفد مفاوض، وعن تسمية مسؤول أميركيّ لرعايتها، تمنّيات أو تكهّنات غير صحيحة. اقتُرح التفاوض، لكنّ أوانه لم ينضج بعد، والأرجح الإبقاء على مستواه الحاليّ، على الرغم من تكليف الجانب الإسرائيليّ لرون دريمر بملفّ لبنان.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

اختبار حرب شعارها: “لم ينجح أحد”!

في الحرب الدائرة الآن نأتي للسؤال الكبير والجوهريّ الذي يفرض نفسه بقوّة: من الفائز ومن الخاسر؟ من الرابح ومن المتضرّر؟ ونسأل مجدّداً: هل الفائز فاز…

سوريا خارج المعسكر الإيرانيّ… وخارج الحرب

أظهرت الحرب الجارية أنّ سوريا استطاعت البقاء خارجها وإن كان العراقيّون و”الحزب” وإسرائيل يحاولون جرَّها إليها. بذل الرئيس السوريّ أحمد الشرع جهوداً جبّارة لإعادة رسم…

حتّى لو لم يسقط النّظام

قبل أسبوعين فقط، كانت إيران تُصنّف كأهمّ قوّة صاروخيّة في المنطقة، مستندة إلى ترسانة، أجادت في استعراضها ومديح مزاياها. بيد أنّ الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة، جعلت…

سجال موسى-الرّاشد: اللَّبس العربيّ تجاه إيران (2)

استدرج السجال على منصّة “X” بين الأستاذين عمرو موسى وعبدالرحمن الراشد تفاعلاً عامّاً يكشف عن ذلك اللبس الذي استوطن مقاربة العالم العربيّ للحالة الإيرانيّة. لا…