سوريا خارج المعسكر الإيرانيّ… وخارج الحرب

مدة القراءة 7 د

أظهرت الحرب الجارية أنّ سوريا استطاعت البقاء خارجها وإن كان العراقيّون و”الحزب” وإسرائيل يحاولون جرَّها إليها. بذل الرئيس السوريّ أحمد الشرع جهوداً جبّارة لإعادة رسم العلاقات مع دول الجوار، ونجح حتّى الآن مع الأردن، ويحاول جاهداً مع لبنان. أمّا العراق الذي يسيطر عليه الحشد الشعبيّ، الإيرانيّ الميول، فما يزال ينذر ويتوعّد بسبب الخوف من عودة الإرهاب من سوريا، أو تشكيكاً في أصوليّة الرئيس السوريّ الراديكاليّة! ما لم تخرج إيران من العراق ولبنان كما أُخرجت من سوريا، سيبقى استقرار تلك الدول مهدَّداً.

 

قبل أسابيع حشدت سوريا قوّاتٍ تضاهي فرقتين على الحدود مع كلٍّ من العراق ولبنان. ما أبدى العراق، على الأقلّ جهاته الرسميّة، انزعاجاً، بعكس لبنان الذي أثارت الحشود السوريّة لديه انطباعات متباينة أكثرها سلبيّ.

طوال أسابيع ظلّ الرئيس الشرع ووزيرا دفاعه وداخليّته يطمئنون الجهات الرسميّة اللبنانيّة إلى أنّ غرض تلك الحشود هو الحفاظ على الأمن الداخليّ السوريّ. كان المتحمّسون لسوريا الجديدة يأملون أن “يهجم” السوريّون على “الحزب” لمشاركة الإسرائيليّين في سحقه!

الجديد في هذه التخمينات والطمأنات اتّصال الرئيس السوريّ بوليد جنبلاط وبسامي الجميّل وأخيراً برئيس الجمهوريّة جوزف عون بتوسّط الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون. وبالطبع هموم الثلاثة ليست واحدة، لكنّ المشكلة عند اللبنانيّين أنّهم لا يصدّقون أنّ هناك سوريا جديدة غير سوريا آل الأسد تماماً.

مع ذلك تحفل الساحة السوريّة بالأحداث، وكلّها بخلاف الأوضاع في لبنان حيث تلتهب نيران الحرب. قال المسؤولون السوريّون إنّه كانت هناك محاولة لتهريب أسلحة إلى لبنان من حلب وحمص مصدرها مخازن منسيّة أو أسلحة مسلوبة من مخلّفات الجيش السوريّ الأسديّ. ما كانت سوريا شبكةً من السجون ومصانع المخدّرات فقط، بل كانت أيضاً مخزناً ضخماً جدّاً للسلاح الذي لم تستطِع الميليشيات المنسحبة على وقع  انتصار الشرع سحبه كلّه.

أخرج أحمد الشرع بلاده من الحرب، ويكون على العراق ولبنان السعي في المنحى نفسه بدلاً من الخراب والفتنة الداخليّة

الخشية من تجاوزات

صحيح أنّ السلطة الجديدة استولت على كميّات هائلة، وإسرائيل دمّرت في غاراتها كميّات كبيرة من الأسلحة الثقيلة أيضاً، لكنّ هناك مخازن غير مكتشفة، وهناك مصانع مخدّرات غير مكتشفة أيضاً، والسلطات السوريّة تقيم مراكز واحتياطات على حدود العراق والأردن ولبنان لتلقّي ومصادرة الأسلحة والمخدّرات المهرَّبة من الداخل السوريّ أو المهرَّبة إليه. هكذا من الواضح أنّ السلطات السوريّة كانت لديها معلومات أنّه في ظروف الحرب واضطراب “الحزب” المسلّح وعصابات المخدّرات ستكون هناك تجاوزات باتّجاه سوريا ومنها باتّجاه لبنان.

لاحظ سوريّون أنّه ما سلَّم الإيرانيّون ولا العراقيّون ولا حزبيّو إيران في لبنان بفقد سوريا، وهم يحاولون زعزعة النظام من الحدود أو من خلال التواصل مع جماعات بالداخل السوريّ. ثمّ إنهم يتنافسون مع تركيا في اكتساب مواقع أو مصالح يتقدّم عليهم فيها الأتراك والأردنيّون، والرئيس الشرع يغري اللبنانيّين بالدخول في هذه المنافسة.

قال الشرع للنائب سامي الجميّل إنّه جمع لإعمار سوريا خمسين مليار دولار، منها خمسة مليارات لتطوير مطارَي دمشق وحلب، وقد عاد إلى سوريا من لبنان وحده سبعمئة ألف مهجَّر سوريّ سيجدون جميعاً أعمالاً في مشاريع سوريا الكبرى، ومن يدري ربّما يأتي اللبنانيّون إلى سورية للاستثمار والعمل قريباً!

أزمات عالقة

لا تنتهي المشكلات اللبنانيّة – السوريّة بضبط الحدود، فهناك المعتقلون السوريّون بلبنان، وهناك قصّة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا بعدما بنى جميل السيّد للسوريّين  وإيران سرديّة هائلة بشأنها لكي تستمرّ الحرب بشأنها بين “الحزب” وإسرائيل في العام 2000 بعد الانسحاب الإسرائيلي. وهناك طريق دمشق باعتبارها خطّ تواصل برّيّ مع دول الخليج تحدث بسببه تأزّمات بين البلدين كلّ الوقت. السلطات السوريّة الجديدة متفائلة تجاه ذلك كلّه، في حين يتشاءم اللبنانيّون ويتردّدون لأنّهم عاجزون عن نسيان الماضي، ثمّ لأنّ تيّار “الحزب” المسلّح لا يريد تحسّناً في العلاقات.

كانت سوريا الأسديّة والإيرانيّة هي مركز القيادة في الحروب على مدى عقود

لا ينبغي نسيان أو تجاهل التطوّرات بالداخل السوريّ، وربّما تكون أهمّ بكثير من محاذير الحدود مع العراق ولبنان. الاتّفاقيّات مع الأكراد سائرة في طريق التنفيذ. وآبار البترول والغاز وتنظيم السدود تعود إلى السلطة السوريّة. وهناك اندماجات ضمن الجيش مع الأكراد، وكذلك ضمن الشرطة.

ما تزال هناك بعض الحوادث في شماليّ حلب بين الطرفين ناجمة عن وجود بقايا حزب العمّال الكردستانيّ التركيّ الذين قاتلوا مع “قسد” طوال سنوات وما عادوا يجدون ملاذاً. لا يجرؤ هؤلاء على العودة إلى تركيا، ولا يريد معظمهم العودة إلى جبال قنديل، وقد وعد مسعود بارزاني بالمساعدة، لكنّه لم يفعل حتّى الآن، وإذا ذهب عسكريّو حزب العمّال إلى سنجار كما فعل بعضهم بالفعل فقد يزيد ذلك من التوتّرات الحاصلة منذ عام 2017.

هل هناك حلٌّ مع السّويداء؟

تجمّدت الأوضاع وما يزال تنظيم الشيخ حكمت الهجري بالمدينة مسيطراً، وقد جرى قبل أسبوعين تبادل للأسرى/ الرهائن فخفَّ التوتّر بعض الشيء. لا تستطيع السويداء العيش تحت ما يشبه الحصار، وعلى كلّ حال نصف الدروز خارجها وتحت سيطرة السلطة السوريّة. ولأنّ العرب والأميركيّين مصرّون على وحدة سوريا ستخمد المشكلة بالتدريج إذا كفّ الإسرائيليّون والشيخ موفّق طريف عن الإثارة والتهييج.

سوريا

ربّما ليست أهمّ القضايا بين سوريا وإسرائيل مزارع شبعا ولا دروز السويداء، بل التغلغل الإسرائيليّ بدواخل الجولان باتّجاه درعا ودمشق، واحتلال قمّة جبل الشيخ. لقد تمكّن الأميركيّون بعد جهدٍ جهيدٍ من وقف الهجمات والتوغّلات الإسرائيليّة. لكن على الرغم من المفاوضات الكثيرة لم تبرز أيّ معالم لاتّفاقٍ ممكن، وليست المشكلة هنا الاحتلال وحسب، بل استمرار الاضطراب الذي تحدثه التحرّكات الإسرائيليّة المستمرّة. وهذا يؤثّر على الاستقرار، وعلى الإقبال على الاستثمار وإعادة الإعمار في جنوب سوريا.

كان المتحمّسون لسوريا الجديدة يأملون أن “يهجم” السوريّون على “الحزب” لمشاركة الإسرائيليّين في سحقه

سوريا خرجت من المعسكر

كانت سوريا الأسديّة والإيرانيّة هي مركز القيادة في الحروب على مدى عقود. لذلك على الرغم من الاستقرار الظاهر ما كانت هناك حركة عمرانيّة أو استثماريّة كبرى. وقد أثبتت الحروب الأخيرة أنّ سوريا الشرع خرجت من معسكر الحرب الإيرانيّ الذي كان يضمّها إلى العراق ولبنان. وكانت هناك رغبة شديدة بإدخال الأردن إلى هذا المعسكر إن لم يكن بالضمّ فبإثارة الاضطراب وتهريب المخدّرات والسلاح.

استقرّت الدولتان الآن بإخراج إيران من البلدين، ويدور الصراع على العراق لإخراجه، الذي هو هناك أصعب بسبب الاستيلاء الطائفيّ على الدولة ومؤسّساتها وولاء التنظيمات المسلّحة لإيران.

بفضل الأميركيّين والعرب خرجت سوريا الشرع من معسكر الحرب. تحاول تنظيم علاقاتها بمحيطها بصيغةٍ جديدة. انتظمت الأمور مع الأردن، وسيشكو اللبنانيّون ثمّ ينتظمون.

ربّما يمضي وقتٌ من دون أن ينتظم الأمر مع العراق، لكنّ العلاقة بين العراق وسوريا أيّام الأسدَين ما كانت شديدة الانتظام أيضاً.

إقرأ أيضاً: أحمد الشّرع للأقلّيّات: سورية موحّدة

تغيّرت قواعد الصراع، ويُرادُ إخراج إيران من الحرب وترتيبات السلم وإرغامها على الانكفاء. فلم تعد هناك حاجةٌ إلى التصارع بين سوريا والعراق، بل الأَولى الانكفاء معاً واستشراف ما يمكن أن يفعله العرب الآخرون بعد الواقعة.

أخرج أحمد الشرع بلاده من الحرب، ويكون على العراق ولبنان السعي في المنحى نفسه بدلاً من الخراب والفتنة الداخليّة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@RidwanAlsayyid

مواضيع ذات صلة

اختبار حرب شعارها: “لم ينجح أحد”!

في الحرب الدائرة الآن نأتي للسؤال الكبير والجوهريّ الذي يفرض نفسه بقوّة: من الفائز ومن الخاسر؟ من الرابح ومن المتضرّر؟ ونسأل مجدّداً: هل الفائز فاز…

الخليج… تهوّر ترامب وإجرام نتنياهو وجنون إيران

كشف استمرار الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة على إيران واشتراك “الحزب” فيها، جملة حقائق تحجب الدعايات التي ترافقها حسابات أطرافها. على الرغم من أنّها ليست حرباً عالميّة،…

حتّى لو لم يسقط النّظام

قبل أسبوعين فقط، كانت إيران تُصنّف كأهمّ قوّة صاروخيّة في المنطقة، مستندة إلى ترسانة، أجادت في استعراضها ومديح مزاياها. بيد أنّ الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة، جعلت…

سجال موسى-الرّاشد: اللَّبس العربيّ تجاه إيران (2)

استدرج السجال على منصّة “X” بين الأستاذين عمرو موسى وعبدالرحمن الراشد تفاعلاً عامّاً يكشف عن ذلك اللبس الذي استوطن مقاربة العالم العربيّ للحالة الإيرانيّة. لا…