في الحرب الدائرة الآن نأتي للسؤال الكبير والجوهريّ الذي يفرض نفسه بقوّة: من الفائز ومن الخاسر؟ من الرابح ومن المتضرّر؟ ونسأل مجدّداً: هل الفائز فاز فوزاً ساحقاً بشكل يمكّنه من فرض شروط المنتصر؟ هل الخاسر خسر بشكل كامل يجعله مهزوماً فاقد الإرادة يقبل أيّ شيء يُفرض عليه؟
بعض حالات الصراعات المعاصرة تكون حالة نصف منتصر ونصف مهزوم، وهذه الحالة هي حلّ إنقاذ سحريّ يؤدّي إلى هذه النتائج:
1- يُعفى كلّ طرف سيكولوجيّاً من الاعتراف بالهزيمة أو تبرير الإخفاق في تحقيق النصر المطلق.
2- يُعطى فرصة لكلّ طرف أن يسوّق لجمهوره وللعالم أنّه نجح في الإضرار بالآخر ومنع الآخر من الإضرار به.
آخر نماذج هذه الحالة خروج “حماس” والحكومة الإسرائيليّة في اليوم نفسه والتوقيت نفسه لإعلان الانتصار. آخر هذه النماذج أيضاً خروج “الحزب” وإسرائيل، بعد حرب المساندة الأولى، لإعلان الانتصار على الآخر.
مسألة إخضاع الكبير للصغير ومحاولة الصغير إقناع العالم بأنّه قادر على قهر الكبير على الرغم من الاختلالات العظمى في قوى التوازن، هي مسألة عبثيّة تماماً . نحن في ظلّ معادلة عالم كونيّ في طور السيولة ومحاولة التشكّل، ولذلك يخلق حالة مربكة مخيفة من عدم اليقين في كلّ شيء، الحرب، السلام، الاقتصاد، المال، التجارة، العملات، المعادن، الطاقة، البيئة والمياه. كلّ ذلك بكلّ إشكاليّاته واضطراباته قرّر أن يمارس صراعاته على ساحة مختارة هي خارطة الشرق الأوسط.
فشل تقدير الموقف
تحوّلت المنطقة من دول وأوطان وشعوب إلى ساحات قتال وتجربة أسلحة جديدة ونشاط استخباريّ محموم. حتّى كتابة هذه السطور أستطيع أن أؤكّد، بصرف النظر عن الحروب الكلاميّة والإعلاميّة النفسيّة لجميع الأطراف، أنّ التقارير الأمنيّة الاستخباريّة المتداولة بين عواصم المنطقة تؤكّد معلومات أساسيّة:
العمليّات التي بدأتها واشنطن وتل أبيب، ثمّ قامت إيران بتحويلها إلى حرب إقليميّة أدّت إلى نتائج معقّدة وبالغة الخطورة
– أوّلاً: الفشل الكامل لدى جميع الأطراف الأميركيّ والإسرائيليّ والإيرانيّ وحلفائه في مسألة تقدير الموقف الاستراتيجيّ قبيل بدء العمليّات العسكريّة، بحيث فوجئ كلّ طرف بأداء فعل ورد فعل الآخر. وتقدير الموقف هو مبدأ استراتيجيّ ملزم يسبق الحروب يقوم على جمع البيانات وتحديد الأهداف ثمّ تقويم الخيارات.
– ثانياً: اكتشف الطرف الأميركيّ أنّ اغتيال المرشد الأعلى في اليوم الأوّل للعمليّات لا يعني حكماً سقوط النظام الإيرانيّ، وأنّ التركيبة الحاكمة منذ عام 1979 قادرة على استيعاب تداعيات الاغتيال بكلّ تفاصيلها الصعبة.
– ثالثاً: اكتشفت إسرائيل أنّ التحديث الذي قامت به إيران لصواريخها ومسيّراتها منذ حرب الـ 12 يوماً السابقة أدّى إلى تحسّن نوعيّ مفاجئ غير متوقّع في المديات والأوزان المنفجرة ومدى دقّة الإصابة والقدرة على تجاوز أجهزة الاعتراض الإسرائيليّة المدعّمة ببطّاريّات ورادارات أميركيّة.

– رابعاً: فوجئت دول الخليج بمسألتين:
– أولويّة الاهتمام الأميركيّ الدفاع عن إسرائيل وإعطاء الطاقات التسليحيّة واللوجستيّة والدعم الصاروخيّ الاعتراضيّ لتل أبيب ودعمها أكثر من أيّ دولة خليجيّة.
– على الرغم من الاتّصالات القويّة بين أجهزة الأمن القوميّ في المملكة السعوديّة والإمارات وقطر والقناة الدبلوماسيّة المفتوحة يوميّاً مع طهران، غدرت طهران بجيرانها الخليجيّين مع تأكّدها أنّ هذه العواصم مارست كلّ وسائل الضغط والإقناع على الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أجل ثنيه عن ضرب إيران وإسقاط النظام هناك ومحاولة استبداله بابن الشاه السابق.
يدفع الجميع الآن فاتورة الفشل الذريع في تقدير الموقف
الخليج يعترض المسيّرات الإيرانية
– خامساً: فوجئ الجميع بقدرة أنظمة الدفاع في دول الخليج على اعتراض الصواريخ والمسيّرات الإيرانيّة بنسبة تراوح بين 93% و95% من الهجمات، وفوجئوا أيضاً بقدرة الجبهة الداخليّة في هذه الدول على التماسك السياسيّ والمعنويّ، ويأتي التواصل والتفاهم بين رئيس دولة الإمارات ووليّ العهد السعوديّ وعودة التنسيق الأمنيّ بينهما بعد الخلاف حول اليمن كي تؤكّد قاعدة عربيّة خليجيّة يصعب على غير العربيّ أن يفهمها: قد نتشاحن ونختلف في أمور عدّة، لكن حينما يصبح الخطر من الخارج، وحينما يكون العدوّ مهدِّداً لأمننا وأنظمتنا، تتجمّد هذه الخلافات وتدخل في ثلّاجة النسيان المؤقّت.
– إذاً نحن في حرب إقليميّة نعرف متى وكيف بدأت لكن لا نعرف كيف ومتى تنتهي. الأخطر أنّنا في حرب إقليمية غير معروف كيف تنتهي ويتمّ حسمها عسكريّاً، وغير معروفة عناصر تسويتها السياسيّة عبر التفاوض.
الخوف الأكيد هو ما أثاره المعلّق الأميركيّ الشهير تاكر كارلسون في حواره مع خبير استراتيجيّ أميركي قبل ساعات، عن إمكانيّة أن تضطرّ إسرائيل إلى استخدام السلاح النوويّ التكتيكيّ المحدود ضدّ إيران بعدما فشلت كلّ العمليّات العسكريّة المدمّرة ضدّ أكثر من 5,500 هدف حيويّ استراتيجيّ في إيران في أن تحقّق أيّاً من الأهداف التالية:

1- إنهاء المشروع النوويّ.
2- إنهاء الصواريخ البالستيّة.
3- إسقاط النظام الحاكم.
4- تليين الموقف السياسيّ للمرشد الأعلى الجديد لقبول تفاوض قريب مع واشنطن.
في الحرب الدائرة الآن نأتي للسؤال الكبير والجوهريّ الذي يفرض نفسه بقوّة: من الفائز ومن الخاسر؟ من الرابح ومن المتضرّر؟
نتائج معقّدة
باختصار هذه العمليّات التي بدأتها واشنطن وتل أبيب، ثمّ قامت إيران بتحويلها إلى حرب إقليميّة أدّت إلى نتائج معقّدة وبالغة الخطورة:
– أوّلاً: أدّت إلى فقدان الثقة بين دول الخليج وإيران.
– ثانياً: أعطت دول الخليج درساً تاريخيّاً في أنّ الاعتماد على حماية واشنطن هو موضع شكّ ثَبُت باليقين. من هنا يمكن فهم الاتّصالات الخليجيّة مع باكستان وتركيا والاتّحاد الأوروبيّ.
– ثالثاً: ثبت لإيران أنّ الحلفاء في الصين وروسيا وكوريا الشمالية لن يزيد دورهم على كونهم تجّار سلاح مقابل نفط وغاز لا أكثر ولا أقلّ.
– رابعاً: الحماقة الأميركيّة والجنون الإيرانيّ والتآمر الإسرائيليّ ثلاثتهم جعلوا دول الخليج في وضع غير اختياريّ في خندق الاصطفافات مع إسرائيل ومع بنيامين نتنياهو غير الموثوق به خليجيّاً بأيّ شكل من الأشكال.
انقلبت رأساً على عقب كلّ قواعد اللعبة التقليديّة والمستقرّة في معركة من هو العدوّ ومن هو الشقيق ومن هو الحليف. يفتح ذلك كلّه الباب على مصراعيه بقوّة أمام حالة من عدم اليقين الإقليميّ الذي يرشّح المنطقة للانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة تعميم الفوضى.
إقرأ أيضاً: الشّرق الأوسط بعد الحرب: إعمار أم سباق تسلّح؟
يدفع الجميع الآن فاتورة الفشل الذريع في تقدير الموقف، وخير ما ينطبق على هذا الوضع عبارة ويليام شكسبير لهنري السادس، حين يقول اللورد كالبوت: كيف وقعنا يا سيّدي في فخاخنا الخاصّة؟
لمتابعة الكاتب على X:
