لا ضمانات للجانب اللبنانيّ الرسميّ، حتّى الآن، بأنّ ورقة التفاوض المباشر التي تُشهَر، من بيروت، للمرّة الأولى منذ 1983 ستُصرَف حواراً يُخفّف في مرحلته الأولى من كلفة المواجهة العسكريّة على لبنان. لكن إذا صحّت التسريبات والمواقف الصادرة عن الرئيس نبيه برّي، المتضمّنة موافقته وتأييده لمبادرة رئيس الجمهوريّة جوزف عون، “شرط وقف إطلاق النار أوّلاً وعودة النازحين”، فسيكون أوّل موقف شيعيّ رسميّ من نوعه على الإطلاق يغطّي حصول مفاوضات مباشرة مع العدوّ الإسرائيليّ في لحظة استباحة عسكريّة كاملة لكلّ لبنان، وبعد 43 عاماً من سقوط اتّفاق 17 أيّار.
فعليّاً، ليست المرّة الأولى التي يُطلِق فيها رئيس الجمهوريّة نداء التفاوض المباشر مع إسرائيل. في تشرين الأوّل من العام الماضي، أطلق الرئيس عون دعوة إلى التفاوض مع إسرائيل بـ “قوّة المنطق”، لدفعها إلى الانسحاب ووقف اعتداءاتها، بالتزامن مع بدء تطبيق خطّة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لإنهاء حرب غزّة.
من كان على تماسّ مباشر مع بعبدا في تلك المرحلة كان يُدرك أنّ عون، المستاء جدّاً من انهيار اتّفاق تشرين الثاني 2024، مقتنع بضرورة التقدّم خطوة كبيرة باتّجاه التفاوض المباشر، انطلاقاً من تجربة المفاوضات غير المباشرة على ترسيم الحدود البحريّة، وتوسيعها نحو كسر محظور مفاوضات الـ man to man، ولأنّ إسرائيل ذهبت إلى التفاوض مع حركة حماس، وسلّم يومها بأنّ “الجوّ العامّ مناخ تسويات ولا بدّ من التفاوض، وأمّا شكل هذا التفاوض فيُحدَّد في حينه”.
لا تبدو الهدنة المطلوبة لبنانيّاً أمراً قابلاً للتحقّق، خصوصاً أن لا داتا أو صورة واضحة في بيروت لمدى ارتباط جبهة لبنان بحرب إيران والولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل
آنذاك، وفق العارفين، لم تلقَ دعوة عون اعتراضاً من الرئيس برّي، المستاء أيضاً من تمزيق تل أبيب للاتّفاق منذ يومه الأوّل، لكنّ عين التينة لم تكن بوارد ملاقاة بعبدا علناً في تلك المرحلة نحو فتح نافذة التفاوض المباشر.
سبقت ذلك، في 26 أيلول 2025، دعوة رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو “الحكومة اللبنانيّة إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وإذا تمكّنت من نزع سلاح “الحزب”، فإنّ السلام سيحلّ بيننا”.
بعد 2 آذار 2026 تاريخ “تفعيل” “الحزب” مجدّداً “مقاومته العسكريّة” ودخوله على خطّ الحرب الإيرانيّة-الأميركيّة، وبدء إسرائيل إحدى أوسع عمليّاتها البرّيّة ضدّ لبنان، وتسبّبها بإحدى أسوأ الكوارث الإنسانيّة نزوحاً وإخلاءً لقرى ومناطق توازي 20% من مساحة لبنان وضرباً لأهداف مدنيّة، بات التفاوض المباشر الورقة الوحيدة بيد لبنان الرسميّ.
“الميكانيزم” انتهت
تقول مصادر موثوقة لـ “أساس”: “حُذِف التفاوض المباشر من لائحة المحرّمات، وللمفارقات السياسيّة قد يُدشَّن بإشراف شيعيّ رسميّ مع استمرار وجود الرئيس نبيه برّي على رأس السلطة التشريعيّة، ولذلك قد تصبح مشاركة شخصيّة شيعيّة في الوفد، أو عدمها، تفصيلاً لا أكثر، مع تسليم كثيرين بأنّه سيكون من غير المنطقيّ ومن المهين أن يجلس ممثّل إسرائيل الوحيد إلى الطاولة أمام “مجلس ملّة” من الجانب اللبنانيّ”.
باعتقاد مطّلعين، “تمسُّك الرئيس برّي بآليّة “الميكانيزم” هو نوع من شراء المزيد من الوقت، لعلمه بأنّ “الميكانيزم” غطّت على مدى عام وخمسة أشهر كلّ الانتهاكات الإسرائيليّة، ولم تكن أداة فعّالة للتفاوض، وانتهت عمليّاً بتخلّي الإسرائيليّ والأميركيّ عنها، والأحداث المفصليّة تجاوزتها”.
تضيف المصادر: “ما ينشده لبنان، بأركانه الثلاثة راهناً، عدم التوقيع على “كذبة” أخرى شبيهة باتّفاق 27 تشرين الثاني”، متسائلة: “كيف أمكن للبنان يومها أن يصدّق أنّ بـ 120 يوماً، كما نصّ الاتّفاق آنذاك حرفيّاً، كان يفترض إتمام جميع مراحل التحقّق من نزع السلاح، والانسحاب الإسرائيليّ الشامل والنهائيّ من لبنان، وعودة الجنوبيّين إلى قراهم، وعقد مؤتمر اقتصاديّ تشارك فيه الولايات المتّحدة وفرنسا والمملكة السعوديّة وقطر وأطراف صديقة أخرى للبنان، دعماً لإعادة إعمار الاقتصاد، وتولّي الجيش اللبناني، باستخدام أدوات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، مهامّ الرصد الجوّيّ بعد توقّف الانتهاكات الجوّيّة الإسرائيليّة”.
الأمر الثابت والواضح حتّى الآن هو الآتي: دعوة رسميّة لبنانيّة لم تلقَ معارضة شيعيّة حتّى الآن إلى تفاوض مباشر مع إسرائيل، ومبادرة تل أبيب إلى تعيين رون دريمر “لإدارة الملفّ اللبنانيّ”، كما ذكر موقع “أكسيوس”، وهو ما تبلّغه لبنان بالإعلام فقط وليس من أيّ جهة أميركيّة، إضافة إلى دوره في “إجراء الاتّصالات مع الإدارة الأميركيّة، وإدارة المفاوضات المحتملة مع الحكومة اللبنانيّة خلال الأسابيع المقبلة”. وما بينهما نفي وزارة الخارجيّة الفرنسيّة يوم السبت “لأيّ خطّة فرنسيّة لإنهاء الحرب بين لبنان وإسرائيل”، وأنّه “يعود إلى الأطراف المعنيّة، والأطراف وحدها، تحديد جدول أعمال هذه المناقشات”.
حُذِف التفاوض المباشر من لائحة المحرّمات، وللمفارقات السياسيّة قد يُدشَّن بإشراف شيعيّ رسميّ مع استمرار وجود برّي على رأس السلطة التشريعيّة، ولذلك قد تصبح مشاركة شخصيّة شيعيّة في الوفد، أو عدمها، تفصيلاً
أمر واقع
هناك أفكار فرنسيّة فقط لم ترقَ إلى مستوى خطّة، إذ تحاذر باريس استفزاز واشنطن لجهة انغماسها في صياغة خارطة طريق للمفاوضات، مع تأكيد الفرنسيّين للبنان مبادرة الرئيس إيمانويل ماكرون أكثر من مرّة إلى الاتّصال بالرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في محاولة لإحداث خرق في جدار الحرب القائمة والمفتوحة على احتمالات جدّيّة لخلق أمر واقع قد يصعب على لبنان في مراحل لاحقة مواجهته، تحديداً تمكّن إسرائيل من فرض منطقة عازلة محتلّة جنوب الليطاني تبقيها ورقة بيدها حتّى تنفيذ آخر شرط لها، وهو اعتراف لبنان بدولة إسرائيل وإحلال السلام.
آخر المعطيات على الطاولة اللبنانيّة تزيد من منسوب القلق وتوسيع رقعة المجهول. يشيرمطّلعون إلى أنّ إسرائيل، بموازاة الأمر الواقع العسكريّ الذي لا يزال يفرضه “الحزب” جنوباً وداخل الأراضي المحتلّة، بالتزامن مع تأكيد دوائر معنيّة أنّ قدرة صمود “الحزب” قد تفاجئ الجميع، خصوصاً إذا انتقل القتال إلى داخل البلدات الحدوديّة كما يحدث في الخيام تحديداً، لن تكون معنيّة إلّا “بالتفاوض بالنار والقتل”، وآخر المواقف الصادرة عنها عكسه وزير الخارجيّة الإسرائيليّ بتأكيده أن “لا خطط لإجراء محادثات مع الحكومة اللبنانيّة في الأيّام المقبلة”.
إقرأ أيضاً: حزام النّار يلفّ السّلطة: تخلٍّ دوليّ عن لبنان
معركة “الاضافات”؟
حتّى الآن، لا تبدو الهدنة المطلوبة لبنانيّاً أمراً قابلاً للتحقّق، خصوصاً أن لا داتا أو صورة واضحة في بيروت لمدى ارتباط جبهة لبنان بحرب إيران والولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل، فيما أعلن وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي أمس “ترحيب طهران بأيّ مبادرة تهدف إلى إنهاء الحرب بشكل كامل”. مع العلم أنّ “الحزب”، من خلال خطاب أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم الأخير، ركّز على رسالتين أساسيّتين الأوّل تقرره مسار القتال والثاني لبننة المعركة غير المقنعة خارج بيئة الحزب
– “الحزب” أعدّ نفسه لـ”مواجهة طويلة”، لا يوقفها، كما قال، سوى “وقف العدوان والانسحاب الإسرائيليّ”.
– بعدما دخل “الحزب” الحرب إسناداً لإيران، بلسان إعلامه الحربيّ أوّلاً، ثمّ الشيخ قاسم، ثمّ المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، كان لافتاً جدّاً تأكيد قاسم في آخر خطاب له: “معركة العصف المأكول هي معركة المقاومة في لبنان ضدّ العدوان الإسرائيليّ. نعم تضاف إليها أمور أخرى، لكنّ هذه الإضافات لا تغيّر أنّ المعركة ليست من أجل أحد، بل المعركة لبنانيّة”.
لمتابعة الكاتب على X:
