سجال موسى-الرّاشد: اللَّبس العربيّ تجاه إيران (2)

مدة القراءة 6 د

استدرج السجال على منصّة “X” بين الأستاذين عمرو موسى وعبدالرحمن الراشد تفاعلاً عامّاً يكشف عن ذلك اللبس الذي استوطن مقاربة العالم العربيّ للحالة الإيرانيّة. لا ينحصر الانقسام بطابع نظريّ بشأن الموقف من مشروعين (إيران وإسرائيل)، بل بما ظهر من انقسام في تعريف الخطر على أمن المنطقة وبلدانها.

 

فيما سعت قامتان من مصر والمملكة السعوديّة، بشخص موسى والراشد، إلى تدوير زوايا النقاش وتنظيم خلاف “لا يفسد للودّ قضيّة”، كشف الجدل رؤية متناقضة ليست جديدة في إطلالة البلدين وبلدان المنطقة على تعريف الأخطار على الأمن الاستراتيجيّ العامّ. ولئن تمكّنت دبلوماسيّة القاهرة سابقاً من التعبير عن حرص على أمن الخليج واعدة “بمسافة السكّة” للدعم والإسناد، بدا ذلك الموقف بارداً غير كافٍ، كما تشي كلمات الراشد، في لحظة تتعرّض فيها مدن الخليج الآمنة لعدوان إيرانيّ لا يحتمل اللبس والتأويل.

لا يبتعد ‏رئيس الوزراء ووزير الخارجيّة القطريّ السابق حمد بن جاسم عن تلميحات الراشد. فقد استغرب غياب موقف دول عربيّة عدّة تجاه ما تتعرّض له دول المجلس، “حين آثرت تلك الدول أن تغضّ الطرف وأن تلتزم الحياد، لأنّ ما يهمّها هو مصالحها”، وذهب السياسيّ القطريّ العريق إلى النصح بأنّ الأمر “يستدعي من دولنا في المجلس تفكيراً عميقاً يجعلنا نُقِيم على الفور ذلك الحلف الخليجيّ العسكريّ والأمنيّ والجغرافيّ الذي يرتبط مع تركيا وباكستان بعلاقات تحالف متينة لا تغنينا عن سواعد أبنائنا”.

الحال أنّ إسرائيل لم تتمكّن يوماً من المسّ بوحدة عربيّة تجاهها تعبّر عنها القمم ومواقف الدبلوماسيّة العامّة في المنطقة، على الرغم من تعدّد وجهات النظر في كيفيّة التعامل مع إسرائيل. حتّى حين أقامت دول، منها مصر، علاقات “طبيعيّة” مع إسرائيل، لم يحِد الخطاب الرسميّ عن الإجماع على أخطار إسرائيل على السلم واستقرار المنطقة، واعتمد مبادرة، هي سعوديّة في الأصل، تستشرف شروط السلم والعلاقة مع إسرائيل.

بالمقابل تمكّنت إيران، إضافة إلى التسلّل إلى دولنا ومدننا وطوائفنا وقضايانا، من التموضع بشكل خفيّ داخل جامعتنا العربيّة (التي اجتهد أمينها العامّ الأسبق عمرو موسى بجدارة وتميّز في إدارتها) لتفخيخ ما يصدر من قرارات تطال نفوذها وسلوكها في المنطقة. ولئن عبّر لبنان والعراق في السابق بشكل جلف، بحكم سطوة إيران، عن تحفّظ على صيغ تدين سياسات طهران العدوانيّة، لا سيما ضدّ دول الخليج، اتّسم الأمر بالنسبة لدول أخرى، منها مصر، بنسبيّة منعت ترجيحاً عربيّاً رافضاً لفكرة جهر طهران بالسطو على 4 عواصم عربيّة.

الحقيقة أنّ مبدأ الأمن القوميّ العربيّ ليس إلّا شعاراً نظريّاً لا داعي للتلطّي خلفه لتنظيم العلاقات بين الدول، حتّى لو كانت عربيّة “شقيقة”. حتّى حين شكت مصر من أخطار تطلّ على أمنها من ليبيا والسودان وإثيوبيا (سدّ النهضة) وتركيا (الإخوان)، لم يرقَ الأمر إلى مستوى يستدعي إجماعاً عربيّاً، هو أصلاً مفقود بشأن تلك الأخطار بالذات. وإن كانت دول عربيّة لا ترى أنّها معنيّة بحرب تشنّها إيران على دول الخليج بالمعنى الداهم والقاهر، فحريّ على الأقلّ أن تكون مواقف الاستنكار والإدانة والدعم حاسمة حازمة واضحة لا تحتمل تلك الـ “لكن”.

الواضح أنّ في دعوة موسى إلى التنبّه لمؤامرة تستهدف تغيير موازين الشرق الأوسط لمصلحة إسرائيل في تحذيره من الحرب على إيران، كلام حقّ قد يُفهم منه (ربّما من دون قصد) توفير مبرّرات للوحشيّة التي تتعامل بها إيران مع جيرانها العرب، على الرغم من أنّهم رفضوا الحرب ومنعوا انطلاق وسائلها من أراضيهم وسعوا إلى تجنّبها بما يملكونه من مونة ونفوذ. ثمّ إنّ ما عرفته أكثر دول الخليج كما العراق ولبنان واليمن وسوريا في السنوات الأخيرة من أهوال مباشرة دمويّة موجعة ولم تعرفه دول أخرى، يستحقّ بالحدّ الأدنى انحيازاً داعماً لا يحتمل تأويلاً.

إنّ التصدّي لتلك المؤامرة يقتضي بشكل بديهيّ دعم وحدة الموقف العربيّ وأمنه واستقراره ومِنعته. الأمر أولويّة بنيويّة قبل القلق على إيران التي لم تعمل سياساتها إلّا على إضعاف الموقف العربيّ، زيادة انقسامه، وتوفير الأسباب لرفع إسرائيل من مستويات اليمينيّة والتطرّف في حكمها، ومستويات الفتك الذي يحظي برعاية دوليّة واسعة (ما بعد “طوفان الأقصى” الإيرانيّ العبق مثال).

إسرائيل لم تتمكّن يوماً من المسّ بوحدة عربيّة تجاهها تعبّر عنها القمم ومواقف الدبلوماسيّة العامّة في المنطقة، على الرغم من تعدّد وجهات النظر في كيفيّة التعامل مع إسرائيل

بدا أنّ إيران تقارب الموقف من إسرائيل بعقل ميكيافيلّيّ أباح “صفقة كونترا” عام 1985 التي حصلت بموجبها على أسلحة من إسرائيل لقتال العراق. سبّبت الصفقة “فضيحة” في الولايات المتّحدة وإسرائيل أطاحت برؤوس، فيما لم تعتبرها الجمهوريّة الإسلاميّة يوماً عيباً أو عاراً أو حتّى “نزوة شباب”.

من أجل التصدّي للمؤامرة المحتملة، وجب أن نقرأ في اغتيال حزب إيران لرئيس حكومة سابق في لبنان ومجموعة من القامات، ثمّ الإطباق على البلد وجرّه إلى العدم، سلوكاً عابراً، يضاف إلى تدخّلات شيطانيّة عدائيّة طالت بشكل مباشر أكثر دول الخليج قبل سنوات، وكلّها من دون استثناء قبل أيّام. تمكّنت إيران بحذاقة من تحقيق انقسام فلسطينيّ بادرت إسرائيل إلى ملاقاته وتعميقه. نجحت في إنجاز تشظٍّ  تاريخيّ لليمن، واختراق وحدة العراق وهويّته، والسعي إلى بذل الدم والمال والسلاح والعقيدة دفاعاً عن نظام سابق في سوريا هو الأفظع في دمويّته وتآمره.

إقرأ أيضاً: سجال موسى-الراشد: إسرائيل أم إيران.. من هو العدو؟ (1)

قبل أيّام أطلّ الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون من جزيرة قبرص. أخرج معادلة بسيطة. قال: “الاعتداء على قبرص هو اعتداء على أوروبا”. اصطحب معه حاملة طائرات نوويّة وأسطولاً وخطّة ومواقف. ليس مطلوباً أن يفعل العرب ذلك وهم لم يفعلوه قبلاً ولا يمتلكون إمكاناته. المطلوب موقف شفّاف غاضب من اعتداء إيران على أمن الخليج وأمانه. أطلّ قبل أيّام دبلوماسيّ رفيع في جامعة الدول العربيّة محاولاً بشقّ النفس تبرير برودة الجامعة وكاد يُقسم بصدور بيان على مستوى المندوبين “يُجمعون” فيه على الإدانة والدعم. كان ذلك قبل أيّام من استفاقة الأمانة العامّة في القاهرة على الأمر الجلل.

هي حرب بين إيران وإسرائيل. لا شريك عربيّاً فيها. اختارا توقيتها ووسائلها وأجنداتها. الأحرى أن لا نكون طرفاً فيها وأن لا نتساهل مع أعراضها القاتلة علينا (تأمّلوا كارثة لبنان رجاء) وأن لا نُستدرج إلى فخّ التضامن مع ديناميّة وضعت طهران نفسها داخلها من دون أن “تتنازل” يوماً وتطلب مشورتنا.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

حتّى لو لم يسقط النّظام

قبل أسبوعين فقط، كانت إيران تُصنّف كأهمّ قوّة صاروخيّة في المنطقة، مستندة إلى ترسانة، أجادت في استعراضها ومديح مزاياها. بيد أنّ الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة، جعلت…

الشّرق الأوسط بعد الحرب: إعمار أم سباق تسلّح؟

في خضمّ الضجيج اليوميّ للحرب، تُطرح الأسئلة المعتادة: من تقدّم؟ من خسر؟ إلى أيّ مدى يمكن أن تتّسع رقعة المواجهة؟ لكن وسط هذا الضجيج يضيع…

هرمز.. هرٌّ بمخالب مزدوجة

تُعتبر المضائق البحريّة شرايين حيويّة، سواء لناحية التجارة العالميّة أو للناحية الجيوسياسيّة والعسكريّة. بسبب موقعها الجغرافيّ، تتبوّأ هذه المضائق موقعاً مهمّاً للتحكّم في حركة ناقلات…

الاختبار الأصعب: الداخل التركي يطالب بالرّد على إيران؟

تعيد الحرب الدائرة على إيران اليوم، بشقّها الإقليميّ، اختبار واحد من أقدم التوازنات السياسيّة في الشرق الأوسط، وهو العلاقات التركيّة – الإيرانيّة. على الرغم من…