الشّرق الأوسط بعد الحرب: إعمار أم سباق تسلّح؟

مدة القراءة 5 د

في خضمّ الضجيج اليوميّ للحرب، تُطرح الأسئلة المعتادة: من تقدّم؟ من خسر؟ إلى أيّ مدى يمكن أن تتّسع رقعة المواجهة؟ لكن وسط هذا الضجيج يضيع سؤال آخر، ربّما يكون الأكثر أهميّة: من سيعيد بناء الشرق الأوسط بعد هذه الحرب؟

 

يعلّمنا التاريخ في هذه المنطقة أنّ نتائج الحروب لا تُحسم فقط في ساحات القتال، بل أيضاً في مرحلة ما بعدها. وغالباً ما تتحدّد موازين القوى الحقيقيّة في مشاريع إعادة الإعمار، وفي الاستثمارات التي تعيد تشغيل الاقتصاد وتعيد رسم شبكة النفوذ في المنطقة.

اليوم، ومع اتّساع رقعة المواجهات في أكثر من ساحة، بدأت كلفة الحرب تتراكم بشكل هائل. إلى جانب الخسائر البشريّة المأساويّة، تشير تقديرات أوّليّة إلى أنّ الخسائر الاقتصاديّة المباشرة وغير المباشرة في المنطقة تجاوزت بالفعل مئات مليارات الدولارات.

يعلّمنا التاريخ في هذه المنطقة أنّ نتائج الحروب لا تُحسم فقط في ساحات القتال، بل أيضاً في مرحلة ما بعدها

مفارقة الدّمار والإعمار

دُمّرت البنية التحتيّة في بعض المناطق، وتعطّلت التجارة في أخرى، وتراجعت السياحة بشكل حادّ، بينما ارتفعت تكاليف التأمين والشحن والطاقة. في بعض الدول لم تعد الخسائر تُقاس فقط بما دُمّر، بل أيضاً بما لم يُبنَ أصلاً أو أُلغي بسبب الحرب.

يهرب المستثمرون بطبيعتهم من عدم اليقين. وكلّ صاروخ يسقط في المنطقة يرسل إشارة إلى الأسواق العالميّة مفادها أنّ الشرق الأوسط ما يزال منطقة عالية المخاطر. والنتيجة أنّ مشاريع بمليارات الدولارات، في الطاقة والسياحة والبنية التحتيّة، قد تُجمَّد أو تُؤجَّل إلى أجل غير معلوم.

لكنّ المفارقة في حروب الشرق الأوسط أنّ ما تدمّره الصواريخ اليوم يتحوّل غداً إلى سوق إعادة إعمار هائلة. وهنا تبدأ المعركة لكن من نوع آخر: ليس على الأرض… بل على اقتصاد ما بعد الحرب. في هذه المعركة المقبلة يمكن تصوّر ثلاثة لاعبين رئيسيّين، أوّلهم الولايات المتّحدة.

قد لا تكون واشنطن اللاعب الأكبر في إعادة البناء، لكنّها غالباً تسعى إلى تصميم الإطار السياسيّ والأمنيّ لما بعد الحرب. تُظهر التجربة الأميركيّة في المنطقة أنّ هدفها ليس فقط إنهاء الصراع، بل أيضاً هندسة النظام الإقليميّ الذي سيليه: ترتيبات أمنيّة جديدة، توازنات قوى مختلفة، وربّما دمج أوسع لإسرائيل في بنية المنطقة الاقتصاديّة والأمنيّة.

بمعنى آخر، الولايات المتّحدة غالباً ما تريد أن تكتب قواعد اللعبة.

اللاعب الثاني هو الصين. لا تدخل بكين الحروب عادة، لكنّها غالباً ما تصل مبكراً إلى مرحلة ما بعد الحرب. فبفضل احتياطاتها الماليّة الضخمة وشركاتها العملاقة في البنية التحتيّة، أصبحت الصين قادرة على تمويل مشاريع إعادة إعمار هائلة، من الموانئ والطرق إلى المدن الجديدة. وفي إطار مبادرة الحزام والطريق، ترى بكين في الشرق الأوسط عقدة أساسيّة في شبكة التجارة العالميّة التي تسعى إلى بنائها.

المفارقة في حروب الشرق الأوسط أنّ ما تدمّره الصواريخ اليوم يتحوّل غداً إلى سوق إعادة إعمار هائلة. وهنا تبدأ المعركة لكن من نوع آخر: ليس على الأرض… بل على اقتصاد ما بعد الحرب

معادلة صعبة

أمّا اللاعب الثالث فربّما هو الأكثر إثارة للاهتمام: القوى الإقليميّة نفسها.

خلال العقد الأخير، بدأت دول مثل المملكة السعوديّة والإمارات وتركيا تلعب دوراً مختلفاً في المنطقة. لم تعد هذه الدول أطرافاً في النزاعات، بل أصبحت أيضاً مستثمرين محتملين في مرحلة إعادة الإعمار، وصناديقها السياديّة التي تمتلك مئات مليارات الدولارات تمنحها القدرة على لعب دور أساسيّ في إعادة تشغيل الاقتصادات وإطلاق مشاريع بنية تحتيّة وتنمية واسعة. وبالتالي قد تتحوّل مشاريع إعادة الإعمار إلى أداة نفوذ سياسيّ واقتصاديّ بقدر ما هي مشاريع تنمويّة.

لكنّ عاملاً آخر قد يحدّد شكل الشرق الأوسط بعد هذه الحرب: الإنفاق العسكريّ.

تشير التجارب السابقة في المنطقة إلى أنّ الحروب الكبرى لا تؤدّي دائماً إلى تقليص الميزانيّات العسكريّة، بل غالباً إلى العكس. فبعد كلّ صدمة أمنيّة، تميل الدول إلى تعزيز قدراتها الدفاعيّة، خشية أن تكون الحرب التالية أقرب ممّا تبدو.

لذلك من المرجّح أن تشهد المنطقة بعد انتهاء هذه الحرب زيادة كبيرة في الإنفاق العسكريّ: شراء أنظمة دفاع جوّيّ متطوّرة، تطوير القدرات الصاروخيّة، وتعزيز الاستخبارات والتكنولوجيا العسكريّة.

لكنّ المشكلة أنّ كلّ دولار يُصرف على التسلّح هو دولار لا يُستثمر في إعادة البناء. وهنا يظهر التحدّي الحقيقيّ أمام حكومات المنطقة. إعادة إعمار المدن المدمّرة، إعادة تشغيل الاقتصادات المتعثّرة، وجذب الاستثمارات الأجنبيّة تتطلّب مئات المليارات من الدولارات. وفي الوقت نفسه، قد تدفع المخاوف الأمنيّة الدول إلى تخصيص جزء كبير من مواردها لمجال الدفاع.

إقرأ أيضاً: واشنطن وتل أبيب: حرب واحدة… ونهايتان مختلفتان

هكذا قد تجد المنطقة نفسها أمام معادلة صعبة: شرق أوسط يحتاج إلى إعادة إعمار ضخمة، لكنّه قد يدخل في الوقت نفسه سباق تسلّح جديداً. وهذا بدوره يرسل إشارة متناقضة إلى المستثمرين الدوليّين: المنطقة التي تستعدّ لإعادة البناء هي نفسها المنطقة التي تستعدّ أيضاً للحرب المقبلة.

لهذا قد لا يكون السؤال الحقيقيّ اليوم: من سيربح هذه الحرب؟ بل من سيكسب الشرق الأوسط بعدها؟ في كثير من الأحيان، لا يكون الرابح الحقيقيّ هو من ينتصر في المعركة، بل من يصل أوّلاً إلى ورشة إعادة البناء ومن يقرّر وجهة موارد المنطقة إلى الإعمار أو إلى الاستعداد للحرب التالية.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

حتّى لو لم يسقط النّظام

قبل أسبوعين فقط، كانت إيران تُصنّف كأهمّ قوّة صاروخيّة في المنطقة، مستندة إلى ترسانة، أجادت في استعراضها ومديح مزاياها. بيد أنّ الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة، جعلت…

سجال موسى-الرّاشد: اللَّبس العربيّ تجاه إيران (2)

استدرج السجال على منصّة “X” بين الأستاذين عمرو موسى وعبدالرحمن الراشد تفاعلاً عامّاً يكشف عن ذلك اللبس الذي استوطن مقاربة العالم العربيّ للحالة الإيرانيّة. لا…

هرمز.. هرٌّ بمخالب مزدوجة

تُعتبر المضائق البحريّة شرايين حيويّة، سواء لناحية التجارة العالميّة أو للناحية الجيوسياسيّة والعسكريّة. بسبب موقعها الجغرافيّ، تتبوّأ هذه المضائق موقعاً مهمّاً للتحكّم في حركة ناقلات…

الاختبار الأصعب: الداخل التركي يطالب بالرّد على إيران؟

تعيد الحرب الدائرة على إيران اليوم، بشقّها الإقليميّ، اختبار واحد من أقدم التوازنات السياسيّة في الشرق الأوسط، وهو العلاقات التركيّة – الإيرانيّة. على الرغم من…