ماذا يريد “الحزبُ” من الحرب الحاليّة؟ ومن يديرُ المعركة والملفّ السّياسيّ حقيقةً؟ هل نجحت إسرائيل في الاغتيالات التي استهدفت قيادته منذ الليلة الأولى؟
ليسَ سِرّاً أنّ “الحزبَ” قد دخل الحربَ الإقليميّة منذ ساعاتها الأولى على توقيتٍ إيرانيّ. جاءَ أمرُ العمليّات لإطلاق الدّفعة الأولى من الصّواريخِ من منطقة ساحل عدلون من غرفةِ عمليّات لفيلق القدس الإيرانيّ وأشرفَ عليها ضبّاطٌ من الوحدة. ولن يكونَ مُستغرباً القول إنّ كثيراً من قيادات الجناح السّياسيّ أو حتّى بعض قيادات الجناح العسكريّ في “الحزب” لم يكونوا على درايةٍ بأمر العمليّات.
الاستدعاء الباكر.. والاغتيالات
لكنّ معلومات “أساس” تُؤكّد أنّ “الحزبَ” كانَ قد استدعى عناصره منذ صباح السّبت، يومَ بدء الهجوم الأميركيّ – الإسرائيليّ على إيران، وحاولَ منذ ذلكَ اليوم التحرّك عسكريّاً في جنوب لبنان، لكنّ ظروفاً عمليّاتيّة على الأرض أدّت إلى تغيير “الحزب” مسارَ عمليّاته والذّهاب نحوَ إطلاق الصّواريخ من منطقة شمال الليطاني منتصف ليل الأحد – الإثنين.
حاولَ “الحزبُ” أن يُراوغَ الضّربة الإسرائيليّة الأولى التي جاءَت بعد ساعة ونصف من عمليّة إطلاق الصّواريخ، وهذا ما يُفسّر نجاة بعضُ مسؤولي “الحزبِ” من الاغتيال في الضّربة الأولى مثل قائد العمليّات محمّد حيدر (أبي علي)، الذي غادرَ مكان وجوده في الضّاحية قبل دقائق من الاستهداف، ولم ينجُ منه صهر القائد العسكريّ الأسبق مصطفى بدر الدّين.
يعتقد “الحزبُ” أنّ دخوله المعركة قد يتيح له الفرصة الأخيرة لمحاولة الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وأن يكونَ هو من يُبرمَ الاتّفاقَ مع إسرائيل
تُؤكّد معلومات “أساس” أنّ النّائب محمّد رعد غادرَ “الشّقّة الآمنة” بعد وقتٍ قصير من عمليّة إطلاق الصّواريخ، ولهذا نجا أيضاً من الاستهداف. لكنّ القياديّ “أبا ياسر” قائد “الوحدة 200” لم تُكتب له النّجاة، وتُرجّح المصادر نجاح اغتيال رئيس الهيئة التنفيذية الشيخ علي دعموش وقياديَّيْن إيرانيَّيْن من فيلق القدس في الضّربة الأولى.
تركيز إسرائيل على استهداف قيادات فيلق القدس في لبنان هو من أجل ضربِ غرفة عمليّات القيادة المُشتركة التي تُنسّق الهجمات المُتزامنة بين “الحزب” والحرس الثّوريّ في إيران. لكنّ مصادر “أساس” تُؤكّد أنّ عدداً من الضّبّاط والمُستشارين الإيرانيّين لا يزالون يُشرفون على العمليّات على الرّغم من الاغتيالات، مع ترجيح وجود بعضهم في مناطق بجنوب لبنان.
الاتّكال على “بدر”
يعتمدُ “الحزب” سياسةً مختلفةً عن حرب الـ66 يوماً في سنة 2024. لذلكَ لجأ إلى تعيين 4 نوّاب احتياطيّين لكلّ القادة الأساسيّين والميدانيّين. فعلى سبيل المثال فإنّ اغتيال قائد وحدة “نصر”، المسؤولة عن القطاع الشّرقيّ، حسن سلامة (أبي حسين راغب) في جويّا أدّى إلى عمل النّائب الأوّل له بشكلٍ فوريّ. وكذلكَ ما يتعلّق باغتيال قائد القوّة النّاريّة في وحدة “الرّضوان” ريّان بدير (أبي علي ريّان) في حاروف.
لكنّ الضّربة الأقسى ميدانيّاً التي طالت “الحزب” كانت اغتيال قائد منظومة الصّواريخ في وحدة “بدر” رهيف علي قاسم وقائد إدارة النّيران في الوحدة محمد باقر مالكي. إذ إنّ الشّخصيْن المذكوريْن كانا المسؤولين المباشرين عن عمليّة إطلاق الـ150 صاروخاً نحوَ شمال ووسط إسرائيل تحت مُسمّى “العصف المأكول” قبل أيّامٍ قليلة.
قساوة الضّربة مردّها إلى أنّ اعتماد “الحزب” الميدانيّ اليوم هو على وحدة “بدر” التي يتركّز عملها في منطقة ما بين نهرَيْ الليطانيّ والأوّلي، وهذه الوحدة هي التي تستهدف عمليّاً دبّابات الميركافا والآليّات الإسرائيليّة في منطقة الخيام انطلاقاً من التّلال المُشرفة على المنطقة في شمال الليطانيّ مثل كفرتبنيت وعلي الطّاهر ومنطقة الشّقيف، وهي مناطق لا تبعد سوى 5 إلى 6 كلم خطّ نار عن وسط مدينة الخيام التي تقع جنوب الليطاني.
لم تتعرّض وحدة “بدر” لضربات قاسية في هيكل قيادتها وعناصرها في حرب الـ66 يوماً مثلَ وحدتَيْ “نصر” و”عزيز” المسؤولة عن القطاع الغربيّ. ولذلك يمكن ملاحظة تصاعد الاتّكال على عمل “بدر” نظراً لكثافة النّيران التي يُطلقها “الحزب” من مناطق شمال الليطانيّ من ساحل عدلون ومحيطه غرباً إلى مرتفعات سجد والرّيحان والجرمق و”علي الطّاهر” شرقاً.
تُؤكّد معلومات “أساس” أنّ النّائب محمّد رعد غادرَ “الشّقّة الآمنة” بعد وقتٍ قصير من عمليّة إطلاق الصّواريخ، ولهذا نجا أيضاً من الاستهداف
السيستاني يحرّم دخول الحرب..
لم يأبه “الحزب” للتحذيرات من خطورة خوض الحرب التي وصلته قبل أيّام قليلة من وقوعها، وكانَ آخرها وأهمّها ما كشفه مصدر عراقيّ لـ”أساس” عن رسالة كانَ قد أرسلها المرجع الدّينيّ الأعلى في العراق السّيّد علي السّيستاني مُفادها أنّه “في حال دخول الحربِ بين إيران والولايات المُتّحدة وإسرائيل سيكون شيعة لبنان وتحديداً شيعة جبل عامل في خطرٍ وجوديّ”. وهذا ما لم يتلقّفه “الحزب” والقيادة الإيرانيّة في لبنان.
يخوض “الحزب” معركة انتحاريّة بكلّ ما للكلمة من معنى. ويُريدُ من هذا الدّخول العسكريّ أن يُحسّن أوراق إيران التي تسعى إلى توسعة نطاق المواجهة في المنطقة ظنّاً منها أنّ توسيع نطاقها يُشكّل عامل ضغطٍ على الولايات المُتّحدة وإدارة الرّئيس دونالد ترامب.
يعتقد “الحزبُ” أنّ دخوله المعركة قد يتيح له الفرصة الأخيرة لمحاولة الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وأن يكونَ هو من يُبرمَ الاتّفاقَ مع إسرائيل، وقد لمّح إلى ذلك أمينه العامّ نعيم قاسم ونائبه محمّد رعد حين تحدّثا عن ضرورة الذّهاب نحوَ “اتّفاقٍ جديد يمنع الهجمات الإسرائيليّة ويضمن انسحابَ إسرائيل”. لذلك يراهن “الحزب” حقيقةً على العمليّة البرّيّة الإسرائيليّة المُتوقّعة، ظنّاً منه أنّه قادرٌ على إلحاق خسائر بالقوّات الإسرائيليّة التي ستحاول التّقدّم برّاً، وهو الرّهان الخاسر عينه الذي اتّكلت عليه حركة “حماس” في غزّة بعد “طوفان الأقصى” و”الحزب” في حرب الـ66 يوماً.
الحرس منع لبننة المعركة..
هذا ما يُفسّر كلام قاسم عن “الظروف المناسبة” لفتح الجبهة بعد عدّة نقاشات داخل “الحزب” في شأن إطلاق الصّواريخ على إسرائيل قبل الحرب الأخيرة. تؤكّد مصادر “أساس” أنّ الجناح العسكريّ بقيادة أبي علي حيدر وخليل حرب كانَ يشدّد طوال الفترة الماضية على ضرورة القيام بعمليّة عسكريّة على واحدة من “النّقاط الـ5” التي كانت تحتلّها إسرائيل قبل توسعة نطاق احتلالها في الأيّام الأخيرة. لكنّ الجانب الإيرانيّ لم يكن مُتحمّساً لأنّه يريدُ للمعركة عنواناً إيرانيّاً لا لبنانيّاً.
تُريد قيادة “الحزبِ”، ومن خلفها الحرس الثّوري، ربطاً للجبهتَيْن في أيّ جهودٍ لوقفِ إطلاق النّار، وهذا ما ترفضه واشنطن قبل تل أبيب
تُريد قيادة “الحزبِ”، ومن خلفها الحرس الثّوري، ربطاً للجبهتَيْن في أيّ جهودٍ لوقفِ إطلاق النّار، وهذا ما ترفضه واشنطن قبل تل أبيب. يُريد الثّنائي أميركا – إسرائيل أن يكونَ ملفّ “الحزب” منفصلاً عن الملفّ الإيرانيّ لاعتبارات عسكريّة – سياسيّة تتيح لإسرائيل فرض منطقة عازلة بعمق 10 – 15 كلم في جنوب نهر الليطاني يكون الانسحاب منها مرهوناً بالآتي:
- سحب سلاح “الحزب” وحركتَيْ “حماس” و”الجهاد الإسلامي” و”قوّات الفجر”.
- إبقاء شريطٍ خالٍ بعمق 5 كلم داخل الأراضي اللبنانيّة.
- اعتراف لبنان بإسرائيل.
- توقيع اتّفاقيّة أمنيّة شاملة تتضمّن إطلاق مسار مفاوضات لتوقيع اتّفاقيّة سلام.
من هذا المنطلق يمكن استدراك تعقيد المشهد سياسيّاً وعسكريّاً على الرّغم من بعض الجهود الفرنسيّة التي لا ترقى إلى مستوى ما تريده إسرائيل حقيقةً.
إقرأ أيضاً: إسرائيل تربط عودة الجنوب بنزع السّلاح
لمتابعة الكاتب على X:
