حتّى لو لم يسقط النّظام

مدة القراءة 8 د

قبل أسبوعين فقط، كانت إيران تُصنّف كأهمّ قوّة صاروخيّة في المنطقة، مستندة إلى ترسانة، أجادت في استعراضها ومديح مزاياها. بيد أنّ الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة، جعلت ما كان يُخشى منه كخطر وجوديّ بالأمس، مجرّد ذكرى لمزحة استراتيجيّة سمجة، وفتحت الباب على مصراعيه لإعادة صياغة النظام الإقليميّ بعيداً عن أوهام القوّة الإيرانيّة.

 

 

تُستعاد أصداء حرب الخليج الثانية “1990” وما تبعها من نظام أمنيّ إقليميّ، كمعيار لما ستكون عليه أحوال المنطقة بعد انتهاء الحرب الدائرة. ففي ظلّ غياب مسار عسكريّ واضح وموثوق يؤدّي لإسقاط النظام الإيرانيّ بشكل مباشر، يظلّ السيناريو المرجّح هو أن يكرّر نظام الملالي تجربة صدّام حسين في الحقبة ما بين 1991 و2003، غارقاً في حالة من التردّي المستمرّ والعزلة الخانقة.

لا يوجد اليوم عنوان إيرانيّ في الخارج، بما في ذلك نجل الشاه، تتوحّد خلفه المعارضة كما قُيّض للخمينيّ عام 1978. ولا يلوح في الأفق مرتكز داخليّ يمتلك القوّة الميدانيّة ورقعة تمثيل اجتماعيّ لإسقاط النظام على غرار تجربة الرئيس السوريّ أحمد الشرع في سوريا. كما أنّ النظام الإيرانيّ، وبرغم قسوة الحرب، لم يفرز من داخله شخصيّة تحظى بدعم أيّ من المؤسّسات السياديّة الرئيسيّة لتكون بديلاً للإنقاذ كما حدث حين دعم الجيش المصريّ اللواء عبدالفتّاح السيسي ومهّد طريقه نحو الرئاسة. وعليه، فإنّ الراجح، هو هزيمة عسكريّة إيرانيّة تقود إلى حالة انطواء داخليّ تُغرق النظام في محاولة الحفاظ على بقائه مع فقدان كامل لقدرته على التأثير الإقليميّ.

الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة، جعلت ما كان يُخشى منه كخطر وجوديّ بالأمس، مجرّد ذكرى لمزحة استراتيجيّة سمجة، وفتحت الباب على مصراعيه لإعادة صياغة النظام الإقليميّ بعيداً عن أوهام القوّة الإيرانيّة

الاحتواء المزدوج

طبعاً، لن نُعدم من سيسارع إلى إسباغ صفة النصر المؤزّر على بقاء النظام الإيرانيّ في السلطة رغم هزيمته الاستراتيجيّة، وتدمير قدراته العسكريّة وتحطيم أذرعه الإقليميّة. لكنّ الأهمّ في استحضار تجربة التسعينيّات هو التنبّه إلى جوهرها بوصفها مرحلة من الهدوء الإقليميّ الثمين، سمحت للمنطقة بالنموّ والازدهار بعيداً عن صخب المغامرات العسكريّة، وفي كنف نظام أمنيّ مستقرّ، نسبيّاً.

قامت تسوية عام 1991 على نتائج القضاء على أخطر قوّة عسكريّة تقليديّة في العالم العربيّ آنذاك. لم يكن عراق صدّام حسين حينها مجرّد دولة سطوة، بل كان قوّة عسكريّة متمرّسة في القتال بعد ثماني سنوات من الحرب مع إيران، تمتلك قدرات كيميائيّة وطموحات إقليميّة توسّعيّة. بعد عام 1991، تفكّك هذا التهديد، وإن لم يتمّ إقصاؤه بالكامل، وفُتحت الطريق أمام الضمانة الأمنيّة الأميركيّة الصريحة لدول الخليج لأوّل مرّة، بعد عقود من الغموض الاستراتيجيّ، وتأسّس هيكل أمنيّ جديد منح المنطقة استقراراً لم تعرفه من قبل.

مهّدت هزيمة العراق عسكريّاً الطريق الدبلوماسيّ لمؤتمرات مدريد وأوسلو. ولم تكن المصافحة الشهيرة في البيت الأبيض عام 1993 بين إسحاق رابين وياسر عرفات لتحدث لولا تحييد الصوت الأعلى والأكثر فعالية لجبهة الرفض العربيّة. بموازاة ذلك، كانت إيران الجريحة هي الأخرى، تنفق الشطر الأكبر من عقد التسعينيّات في لملمة الجراح ومحاولات إعادة البناء بقيادة الراحل هاشمي رفسنجاني، ما وفّر شروط النجاح الاستراتيجيّ لسياسة “الاحتواء المزدوج” لإيران والعراق.

لم تكتفِ تسوية 1991 بإضعاف العراق عسكريّاً، بل غيّرت كلّ حسابات بغداد. تكيّف صدّام حسين مع شروط البقاء وقدّم تنازلات قاسية لم تكن الدبلوماسيّة وحدها قادرة على انتزاعها، مثل دخول المفتّشين إلى قصوره، والتوقيع على قرارات دوليّة قاسية، والتخلّي عن مغامرات النظام الخارجيّة.

ينطبق المنطق ذاته على إيران اليوم، مع إضافة حاسمة وهي تفكيك شبكة وكلائها. إنّ طهران التي ستخرج من الحرب، ستكون عاجزة عن تمويل “الحزب”، أو تسليح الحوثيّين، أو استثمار الحشد الشعبيّ. هي إيران مختلفة جوهريّاً. وهنا تكمن النقطة الجوهريّة التي تغفلها معظم التحليلات التي تحذّر من تكرار تجربة التسعينيّات، وتقدّم ذلك بوصفه دليلا مسبقاً على فشل الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة على إيران: الهزيمة الاستراتيجيّة وبقاء النظام ليسا أمرين متناقضين بالضرورة.

إنّ توفير عقد جديد أو ربّما أكثر من الهدوء الإقليميّ الاستراتيجيّ، نتيجة محاصرة إيران الضعيفة، هو في حدّ ذاته منجز استراتيجيّ للمنطقة. فمشاريع مثل “رؤية 2030” في المملكة السعوديّة، وأجندة التجارة والذكاء الاصطناعيّ في أبو ظبي، وتعزيز موقع الإمارات كمركز الربط العالميّ في المنطقة، كلّها تتطلّب ما قدّمه عام 1991 ولو لفترة وجيزة: الوقت. الوقت للبناء، للترسيخ، ولالتقاط الأنفاس.

مع ذلك، يجب أن لا تعمينا الحماسة لنموذج 1991 وما بعده عن إخفاقاته الحقيقيّة. فقد خلق التزاوج بين التموضع العسكريّ الأميركيّ في الخليج، وغياب استراتيجية حاسمة لإعادة تأهيل الجهاديّين العائدين من أفغانستان، إلى ولادة الظروف الموضوعيّة التي سمحت لتنظيم القاعدة بالتوسّع نحو منظّمة إرهابيّة عالميّة.

منذ إصابة الملك فهد بسكتة دماغيّة عام 1995، عاشت المملكة السعوديّة عقداً من “الجمود السياسيّ” وتصريف الأعمال، وإدارة التنافس بين مراكز القوى، ممّا حال دون مواجهة تبعات الجهاد في أفغانستان، وتحجيم المؤسّسات الدينيّة ومنصّات التعبئة وقنوات التمويل. لم يكن ذلك نتيجة سوء نيّة، بل كان التتمّة الموضوعيّة لفقدان مركز الثقل.

التّنمية هي المحرّك

هنا تبرز أهميّة التجربة التي قادها الأمير محمّد بن سلمان منذ عام 2017، من تقليم أظافر المؤسّسة الدينيّة، وإعادة هيكلة شبكات التبرّع، وصياغة هويّة سعوديّة قائمة على المواطنة لا الجهاد العابر للحدود.

لم تقتصر معوّقات استقرار حقبة التسعينيّات على الظروف الداخليّة للمملكة وحسب، بل تقاطعت مع صراعات أجنحة حادّة داخل إيران، ومحاولات انقلاب غير مباشر على توجّهات له توجّه سياسيّ أقلّ ثوريّة. وربّما تفجيرات الخبر عام 1996 هي المثال الأبرز على مخرجات هذا الصراع. وفي الوقت نفسه، تحوّلت فلسطين إلى إحدى الساحات الرئيسيّة لمساعي تلك الوجهة لاستعادة موقعها، عبر دعم الحرس الثوريّ لحركتَي الجهاد وحماس وإغراق مسار السلام بالعمليّات الانتحاريّة.

تغذّى هذا المسار من التردّد الذي رافق الموقف السياسيّ لياسر عرفات وضعف التزامه باستحقاقات السلام. وبالتوازي مع ذلك، كانت بيروت المسرح الأبرز لمحاولات حثيثة للجم اندفاعة الرئيس الراحل رفيق الحريري وإعاقة مشروعه الإعماريّ السياسيّ عبر توظيف “الحزب” كأداة لتعطيل الدولة. بدّد هذا التضافر بين التردّد القياديّ في أكثر من مستوى ونشاط الأدوات التخريبيّة العابرة للحدود، الكثير من الفرص التي أوحى عقد التسعينيّات بأنّها ممكنة.

وعليه، فإن كانت ثمّة دروس مستفادة من عقد التسعينيّات، فهي ليست بالطبع تلك الطعون التي تقدّم اليوم، لتقول إنّ عدم سقوط النظام الايرانيّ هو فشل وإنّ الحرب ما كان ينبغي لها أن تبدأ أساساً. ما تلا عام 1991 ليس دليلاً على فشل خيار الإضعاف والاحتواء، بل دليل على أنّ الإضعاف والاحتواء يفشلان إن غابت الجدّيّة السياسيّة في سدّ الثغرات وتسريع البناء على النتائج.

المنطقة التي تدير مرحلة ما بعد الحرب مع إيران اليوم ليست هي المنطقة التي إمّا فشلت أو لم توفّق في إدارة ما بعد الحرب مع العراق عام 1990. لقد تغيّر الفاعلون، وذاكرة المؤسّسات السياسيّة والأمنيّة مثقلة بأثمان أورثتها حروب كثيرة لاحقة.

إقرأ أيضاً: إيران… كوبا الكبرى في الشّرق الأوسط

كانت التسعينيّات ولا تزال دليلاً على ما يمكن أن تكون عليه هذه المنطقة عندما يتمّ كبح جماح الثوريّين. كانت فترة مليئة بالتحدّيات، لكنّها كانت بلا شكّ أفضل من الفصل الذي انطلق بعد عام 2003 وبدأت نهايته صبيحة السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023.

إنّ هزيمة المشروع الإيرانيّ اليوم، سواء انهار النظام أم لا، هي الفرصة التاريخيّة لإنتاج نسخة أفضل وأكثر استدامة من تلك اللحظة.

لعلّ اقتران الهزيمة العسكريّة الإيرانيّة بتوسّع مسار السلام الإقليميّ كما تؤشّر المعطيات المبكرة الآتية من لبنان، وفرصة استعادة الدول الوطنيّة في المنطقة لقرارها السياديّ، عوامل تمهّد الطريق لنظام إقليميّ تكون فيه التنمية هي المحرّك، والسلام هو الناظم، والتحالفات الاستراتيجيّة هي الضمانة لإغلاق أبواب المغامرات الثوريّة إلى الأبد.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@NadimKoteich

مواضيع ذات صلة

سجال موسى-الرّاشد: اللَّبس العربيّ تجاه إيران (2)

استدرج السجال على منصّة “X” بين الأستاذين عمرو موسى وعبدالرحمن الراشد تفاعلاً عامّاً يكشف عن ذلك اللبس الذي استوطن مقاربة العالم العربيّ للحالة الإيرانيّة. لا…

الشّرق الأوسط بعد الحرب: إعمار أم سباق تسلّح؟

في خضمّ الضجيج اليوميّ للحرب، تُطرح الأسئلة المعتادة: من تقدّم؟ من خسر؟ إلى أيّ مدى يمكن أن تتّسع رقعة المواجهة؟ لكن وسط هذا الضجيج يضيع…

هرمز.. هرٌّ بمخالب مزدوجة

تُعتبر المضائق البحريّة شرايين حيويّة، سواء لناحية التجارة العالميّة أو للناحية الجيوسياسيّة والعسكريّة. بسبب موقعها الجغرافيّ، تتبوّأ هذه المضائق موقعاً مهمّاً للتحكّم في حركة ناقلات…

الاختبار الأصعب: الداخل التركي يطالب بالرّد على إيران؟

تعيد الحرب الدائرة على إيران اليوم، بشقّها الإقليميّ، اختبار واحد من أقدم التوازنات السياسيّة في الشرق الأوسط، وهو العلاقات التركيّة – الإيرانيّة. على الرغم من…