نعيم قاسم: سرديّة “النّصر” الإيرانيّ

مدة القراءة 8 د

هو الأسلوب الإيرانيّ نفسه وقد انتقل إلى لبنان: قتالٌ من دون التفات إلى موازين القوى، ومن دون مبالاة بالخسائر، مع التشبّث بسرديّة النصر، وما يترتّب عليها من مكاسب مفترضة، في كلّ المجالات، في إيران كما في لبنان. فكيف يكون المخرج، وكلّ تنازل في أيّ تسوية سيكون حتماً بمعنى الهزيمة؟

 

خلال الحرب العراقيّة الإيرانيّة (1980-1988) كان القادة العسكريّون في الجمهوريّة الإسلاميّة يُرسلون الموجات البشريّة المتتالية بهدف اختراق الجبهة العراقيّة عبر حقول الألغام، ويسقط عشرات الآلاف في كلّ هجوم. ولم يقتنع الإمام الخمينيّ بقبول القرار الدوليّ رقم 589 القاضي بالوقف الفوريّ لإطلاق النار إلّا مُرغَماً. منذ ذلك الحين، اتّسمت السياسات الإيرانيّة بعد وفاة الخمينيّ عام 1989، بنوع من الحذر الشديد من أيّ حرب جديدة تكون فيها الولايات المتّحدة طرفاً فيها، مباشرة أو بالواسطة.

خلال ما يقارب أربعين عاماً، راكمت إيران حجماً هائلاً من الأسلحة المختلفة، وركّزت اهتمامها على نوعين: الصواريخ البالستيّة والمسيّرات من دون طيّار، وذلك لموازنة التفوّق الجوّيّ لأعدائها. على نحوٍ موازٍ، أنشأت أذرعها في دول المنطقة، كي تكون الدرع الواقي لتلقّي الصدمة الأولى، في لبنان أوّلاً، وبعد ذلك في العراق فاليمن. وتولّى قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني (اغتيل عام 2020) مهمّة تصدير القتال خارج الحدود لإشغال الأعداء بعيداً عن الأرض الإيرانيّة. حتّى عندما حاول نتنياهو مرّة تلو أخرى استفزاز إيران بعد 7 تشرين الأوّل 2023، ابتداء من قصف القنصليّة الإيرانيّة في دمشق في 1 نيسان 2024، ولاحقاً اغتيال رئيس المكتب السياسيّ لحركة حماس إسماعيل هنيّة في طهران في 31 تمّوز من العام نفسه، ثمّ اغتيال الأمين العامّ لـ”الحزب” السيّد حسن نصرالله في 27 أيلول، وعدد من كبار قادة الحرس الثوريّ، لجرّها إلى المواجهة المباشرة، اكتفت القيادة العليا بردود رمزيّة.

في لبنان فقد حاول الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير لمناسبة يوم القدس العالميّ تبرير دخول الحرب إلى جانب إيران

لكنّ الاعتداء الإسرائيليّ على إيران في حزيران الماضي، بدّل المزاج العامّ على نحوٍ جذريّ. ومنذ حرب الـ12 يوماً، باتت إيران مختلفة تماماً، وأضحى خطابها في خانة التشدّد الدائم بلا هوادة، حتّى إنّها رفضت التفاوض مطلقاً مع الولايات المتّحدة، وعندما قبلت أخيراً بالمفاوضات بوساطة عُمانيّة، في شباط الماضي، لم يكن الإيرانيّون ينوون التنازل في أيٍّ من الملفّات المطروحة، أي البرنامج النوويّ، الصواريخ البالستيّة، والنفوذ الإقليميّ، إلّا من حيث الشكل لا المضمون، وهو ما جعل الحرب هي الخيار الوحيد.

لقد ظنّ دونالد ترامب أنّ الضغط العسكريّ والإعلاميّ على إيران ستكون له نتائج شبيهة بما حدث في فنزويلّا في مطلع كانون الثاني الفائت. إلّا أنّ المرشد السابق السيدّ علي خامنئي أصرّ على متابعة حياته كما هو معتاد، وهو ما سمح للحلف الأميركيّ الإسرائيليّ باغتياله في نهاية شباط الماضي، ومعه عدد من أفراد أسرته، فيما أُصيب نجله وخليفته مجتبى بجروح من غير المؤكّد مدى فداحتها، وقضى عدد من كبار القادة الإيرانيّين.

الحزب

هذه المرّة الثانية التي تؤخَذ فيها الجمهوريّة الإسلاميّة على حين غِرّة، منذ الحملة الأولى في حزيران الماضي. بإزاء ذلك، تعجّب ترامب، وما يزال يتعجّب، فالإيرانيّون لم يتنازلوا قبل المفاوضات الأخيرة ولا أثناءها، ولم تتّخذ القيادة العليا إجراءات احترازيّة مناسبة، وما تزال الصواريخ والمسيّرات تنطلق من إيران نحو معظم دول الجوار علاوة على إسرائيل، وذلك على الرغم من الدمار الشامل الذي يلحق بمقدّراتها العسكريّة ومخزوناتها الاستراتيجيّة.

فوق ذلك، تتطلّع إيران على لسان مرشدها الجديد إلى فرض شروطها، ومنها “مطالبة العدوّ، على أيّ حال، بدفع تعويضات. وإذا امتنع عن ذلك فسنأخذ من ممتلكاته بالقدر الذي نراه مناسباً، وإذا لم يتيسّر ذلك فسنقوم بتدمير ما يعادلها من ممتلكاته”. وبعدما اعتدت إيران على دول الخليج، ولم تقتصر اعتداءاتها على القواعد العسكريّة والمصالح الأميركيّة، ينصح المرشد الإيرانيّ بإغلاق تلك القواعد في أقرب وقت ممكن، فما هي الضمانات بعد الذي جرى، وهو ليس هيّناً وغير مسبوق على الإطلاق؟

هل يستطيع “الحزب” الآن الحصول على المكتسبات الضروريّة لحفظ سيادة لبنان وفرض إعمار المناطق المدمّرة؟

تبرير المعركة

أمّا في لبنان فقد حاول الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير لمناسبة يوم القدس العالميّ تبرير دخول الحرب إلى جانب الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، بأسباب لبنانيّة محض، وفي الأثناء تخوين السلطة التنفيذيّة في لبنان، بهدف تسويغ بقاء المقاومة بشكل خاصّ، وهو الهدف الأساسيّ كما بدا من خطابه. فهو يتحدّث عن مواجهة “العدوان الإسرائيليّ الأميركيّ الغاشم”، مع أنّ الحرب هي مع إسرائيل حصراً.

قال إنّنا “نواجه عدواناً وحشيّاً خطِراً يُشكّل تهديداً وجوديّاً بكلّ ما للكلمة من معنى. وهذا العدوان لم يتوقّف بعد اتّفاق وقف إطلاق النار على مدى 15 شهراً، بل انخفضت الوتيرة، لكن في إطار استخدام استمرار العدوان لتحقيق أهدافه بأيدٍ لبنانيّة”. والنقطة الأضعف في خطابه تبرير الضربة الأولى، أو الصواريخ الستّة التي انطلقت دون سابق إنذار من الجنوب باتّجاه إسرائيل. ولم تكن الحجّة سوى أنّها ضربة استباقيّة قبل العدوان الإسرائيليّ المخطَّط له بالتوازي مع الحرب على إيران. إلّا أنّ البيان الأوّل للمقاومة الإسلاميّة بعد الصلية الأولى تصدّرت فيه مقولة الثأر لخامنئي. البيان نفسه يصيب كلام قاسم بالتهافت، مهما حاول حشد الأسباب المحليّة لهذه المغامرة.

الفرق بين هذه الصلية الصاروخيّة وعمليّة 12 تمّوز 2006، التي أطلقت بدورها عمليّة إسرائيليّة مدمّرة، أنّ الأمين العامّ الأسبق حسن نصرالله كان أصدق مع بيئته الشعبيّة حين قال عقب الحرب إنّه لو كان يعلم لما أقدم على ما أقدم عليه، فيما الأمين العامّ الحاليّ يعلم ماذا يفعل، ويدرك العواقب الجسيمة على البيئة الشيعيّة، ومع ذلك يحاول تأويل ذلك بحجّة واهية، وهي أنّ الصلية الصاروخيّة الأولى “كانت مفتاحاً لإبراز الخطّة الإسرائيليّة لأنّ الإسرائيليّ نفّذ مباشرة خطّته، إذ كان يمكن أن ينفّذها بعد يوم أو يومين. ليس النقاش في من بدأ ومن يقاتل، النقاش أنّنا أمام عدوان لمدّة 15 شهراً، وأمام احتلال إسرائيل لعدد من النقاط في لبنان، والعدوان مستمرّ، وهذا كلّه لا بدّ أن يواجَه”.

هو الأسلوب الإيرانيّ نفسه وقد انتقل إلى لبنان: قتالٌ من دون التفات إلى موازين القوى، ومن دون مبالاة بالخسائر، مع التشبّث بسرديّة النصر

يصرّ على أنّ المعركة ليست من أجل أحد، على الرغم من النصّ الصريح للبيان الأوّل، “المعركة من أجلنا، المعركة لبنانيّة، المعركة تنطلق من الدفاع المشروع الذي يجب على الجميع أن يشارك فيه”. ثمّ يتابع فيقول إنّ الحراك الدبلوماسيّ في لبنان قد فشل فشلاً ذريعاً، “لم تستطع الحكومة اللبنانيّة تحقيق السيادة ولا حماية مواطنيها”. وكلّ ذلك بناء على النصر الموهوم الذي حقّقه “الحزب” في الحرب الأخيرة، وهو النصر الذي يتعارض مع قرار الحكومة اللبنانيّة حصر السلاح بيدها، ثمّ حظر النشاطات العسكريّة والأمنيّة لـ”الحزب”، بعد صلية الصواريخ المفاجئة في 2 آذار الحاليّ.

إذا كان “الحزب” لا يعبأ الآن بتدمير الضاحية ولا غيرها من القرى والبلدات مقابل جرّ إسرائيل إلى اتّفاق جديد يحفظ بقاء المقاومة، فلماذا وافق على وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024؟ ولماذا لم يستمرّ في القتال، إلى أن يتحقّق النصر الواضح، بإجبار العدوّ على الاستسلام للأمر الواقع، ولم تكن الولايات المتّحدة آنذاك تحت قيادة دونالد ترامب، ولم تكن طهران في مرمى الصواريخ؟ ما الذي تغيّر بين الجولتين الأولى والثانية، و”الحزب” كان أقوى عام 2024 حتّى بعد وقف القتال؟ وهل يستطيع “الحزب” الآن الحصول على المكتسبات الضروريّة لحفظ سيادة لبنان وفرض إعمار المناطق المدمّرة؟

إقرأ أيضاً: من ينتحل صفة المقاومة؟

كلّ ما يقال حتّى الآن غير مقنع حتّى في الخطاب السياسيّ والإعلاميّ، الذي يتطابق مع خطاب النصر الذي يصدر يوميّاً عن طهران، إلّا أنّ الرهان هو بالأساس على تحقيق الانتصار الإيرانيّ بما ينعكس آليّاً على الجبهة على لبنان. وهو الأمر الأقرب إلى الأماني والآمال، فلو كانت إيران قادرة على إلحاق الهزيمة بالولايات المتّحدة “الشيطان الأكبر”، فلماذا تجنّبت الحرب طوال العقود المنصرمة؟ ولماذا لم تتحرّر القدس حتّى اليوم، علاوة على مساندة أهل غزّة في الملحمة التي دامت سنتين؟

مواضيع ذات صلة

الاختبار الأصعب: الداخل التركي يطالب بالرّد على إيران؟

تعيد الحرب الدائرة على إيران اليوم، بشقّها الإقليميّ، اختبار واحد من أقدم التوازنات السياسيّة في الشرق الأوسط، وهو العلاقات التركيّة – الإيرانيّة. على الرغم من…

حرب الأجندات المستحيلة

لا يعرف صنّاع هذه الحرب، ولو على وجه التقريب، متى تنتهي وكيف، مع أنّهم يعرفون لماذا أشعلوها.   المشتبكون مباشرةً فيها: إيران المُعتدى عليها، وإسرائيل…

الشّرع للجميّل: النّدّيّة والسّيادة صارتا وراءنا

ثلثا عمر سوريا المستقلّة حكمهما بيت الأسد وحدهم. بانتهاء عصرهم بات كلّ كلام عنها يسمّيها سوريا الجديدة. ما قبل بيت الأسد في حكمها، كان مألوفاً…

نتنياهو و”الحزب”: رفض فصل حرب لبنان عن إيران

احتاطت إسرائيل لإمكان أن يفاجئها دونالد ترامب بوقف الحرب على إيران، فأعلنت أنّ هذا الخيار لا ينطبق على لبنان، حيث ستواصل حملتها العسكريّة ضدّ “الحزب”….