الاختبار الأصعب: الداخل التركي يطالب بالرّد على إيران؟

مدة القراءة 7 د

تعيد الحرب الدائرة على إيران اليوم، بشقّها الإقليميّ، اختبار واحد من أقدم التوازنات السياسيّة في الشرق الأوسط، وهو العلاقات التركيّة – الإيرانيّة. على الرغم من حالات التوتّر والتنافس الحادّ والصراعات غير المباشرة في أكثر من ساحة ثنائيّة وإقليميّة، لم يشهد البلدان مواجهة عسكريّة مباشرة منذ نحو أربعة قرون، واتّفاقيّة قصر شيرين عام 1639 التي أنهت آخر الحروب بين العثمانيّين والصفويّين.

 

مع اشتداد المواجهة على الجبهة الإيرانيّة ورغبة البعض في توسيعها ونقلها إلى أماكن جديدة في المنطقة، ووسط توازنات إقليميّة شديدة العطب، وبعد صاروخين بالستيَّين أُطلقا من الداخل الإيرانيّ نحو الأراضي التركيّة وتمّ إسقاطهما من قبل الشريك الأطلسيّ، تبرز أسئلة مركزيّة: هل اقترب موعد نهاية هذه الهدنة المزمنة بين الجانبين أم تصغي إيران لأنقرة وتعود إلى طاولة الحوار والتفاوض مع واشنطن؟ هل تتقدّم طاولة إعادة توزيع النفوذ وتقاسم الجغرافيا على بقيّة السيناريوات؟

محاولات لتوسيع الصّراع

علّمتنا لعبة الكرّ والفرّ السياسيَّين والأمنيَّين بين أنقرة وطهران أنّ العلاقات بين هذين الجارين لا تُقاس بالعداء أو التحالف اللحظيّ، ولا بالانجرار إلى مصيدة الاحتراب بمثل هذه البساطة، بل بتركيبة النفوذ البعيدة المدى، والحسابات التي لن تتغيّر إلّا مع تحوّلات جذريّة في الجغرافيا السياسيّة وتبدّل حقيقيّ في البيئة الإقليميّة. هذا ما يريد الطرفان تجنّبه وسط محاولات فرضه بالقوّة عليهما. فهل ينجحان في ذلك على الرغم من تباعد التحالفات ودخول عوامل إضافيّة جديدة تفتح الطريق أمام السيناريو السوداويّ؟

تتجلّى، بعد أيّام من اندلاع الحرب على إيران، محاولات دوليّة وإقليميّة لتوسيع الصراع وجذب أطراف جديدة، بما في ذلك تركيا، إلى دائرة الاشتباك. من هنا تواجه أنقرة اليوم تحدّياً مزدوجاً: حماية مصالحها الوطنيّة وأمن حدودها، مع مراقبة تأثيرات التصعيد في أكثر من جبهة مجاورة لإيران حيث تختلط الحسابات بين الواقعيّة واستغلال الفرص التي قد لا تعوَّض، كما حدث عشيّة الحرب العالميّة الثانية، وبين الاستجابة لحسابات المصالح بعد دروس الحرب العالميّة الأولى المكلفة والقاسية.

يمكن لتركيا الدخول في سيناريو الردّ العسكريّ المحدود على رسائل الصواريخ الإيرانيّة، لكنّها لن تسمح بجرّها إلى حرب مفتوحة وشاملة

يحاول البعض جرّ تركيا إلى ساحات القتال ودفعها نحو فتح جبهتها من الخاصرة الإيرانية. قد تكون صواريخ طهران البالستيّة وسيلة وذريعة، لكنّ ما بعد ذلك هو ما يقلق صانعي القرار في أنقرة. تتعلّق المعادلة الصعبة والمعقّدة بحسابات الفرص وقلق المخاطر والتهديدات، على الرغم من أنّ الموقف التركيّ حتّى الساعة هو اقتناص لحظة حاجة طرَفي النزاع إلى جمعهما إلى طاولة الحوار والتفاوض عند اللزوم.

تختبر إيران حدود صبر أنقرة، وترصد أميركا مدى قدرتها على الموازنة بين الأمن الداخليّ والضغط الإقليميّ، وتحاول إسرائيل اقتناص فرص توريطها لاصطياد عصفورين بحجر واحد. هناك مؤشّرات واضحة إلى أنّ محاولة جرّ تركيا إلى ساحة القتال لن تكون سهلة وتلقائيّة، لكنّ الداخل التركيّ لا يريد أيضاً أن يرى هذه الاستفزازات والخروقات الإيرانيّة دون ردّ، حتّى لو تبنّى البعض نظريّة المؤامرة في تحديد الجهة التي تطلق الصواريخ.

ترتكز استراتيجية تركيا المستقبليّة على إدارة الأزمة بجهد استباقيّ، عبر تحييد الاستفزازات واستثمار مركزيّتها الجيوسياسيّة لتعظيم نفوذها في المعادلات الإقليميّة دون الانخراط المباشر في القتال. ستحتاج تركيا، إذا استمرّت الضغوطات، إلى اتّخاذ خطوات مدروسة لضمان حماية مصالحها، بما في ذلك الدفاع عن حدودها وشبكة العلاقات الإقليميّة التي شيّدتها في الأعوام الأخيرة. يشكّل الحفاظ على قدرة الردع الاستراتيجيّ واستخدام الحراك الدبلوماسيّ لتعزيز مركزها الإقليميّ الخيار الأكثر أماناً، مع إبقاء احتمالات التحرّك العسكريّ المحدود مفتوحة كوسيلة دفاعيّة.

تركيا

تدرك أنقرة أنّ أيّ اضطراب داخليّ كبير في إيران قد يحمل تداعيات مباشرة على تركيا، سواء من خلال موجات هجرة جديدة أو عبر تحريك أوراق المكوّنات على أكثر من جبهة حدوديّة. لذلك الاستقرار الشعبيّ والأمنيّ داخل إيران، حتّى في ظلّ الخلافات السياسيّة، يبقى بالنسبة لتركيا خياراً أقلّ كلفة من سيناريوات التفكّك أو الفوضى.

تستفيد تركيا من قدرتها وخبرتها في قراءة موازين القوى وتقدير تحرّكات الخصوم مسبقاً

تستفيد تركيا من قدرتها وخبرتها في قراءة موازين القوى وتقدير تحرّكات الخصوم مسبقاً. يمكن لتركيا الدخول في سيناريو الردّ العسكريّ المحدود على رسائل الصواريخ الإيرانيّة، لكنّها لن تسمح بجرّها إلى حرب مفتوحة وشاملة. تستخدم القوى الإقليميّة والدوليّة كلّ أزمة للضغط على تركيا، لكنّ الحسابات الدقيقة لأنقرة قد تحوّل هذا الضغط إلى ورقة تفاوضيّة معاكسة لتعزيز نفوذها.

النفس التركي الطويل..

تقوم خصوصيّة التفوّق التركيّ على النفَس الطويل والصبر الاستراتيجيّ والتحرّك المدروس في كلّ مواجهة دون الانجرار إلى صراع مجهول المسار. تركيا، كما أظهرت التجارب السابقة مع إيران وسواها، يمكنها تحويل كلّ محاولة استفزاز إلى درس لتقوية موقعها الإقليميّ دون التسرع في اتّخاذ القرارات. تمثّل القدرة على التوازن بين الضغوطات الخارجيّة والمصالح الوطنيّة محور قوّة تركيا، وهو ما يجعل أيّ محاولة لجرّها إلى ميدان الحرب مستحيلة ما دامت لا تريد ذلك.

تتقدّم المسارات الإقليميّة نحو محصّلة أولى تقوم على أنّ إيران ستفقد الكثير من أوراقها في مناطق نفوذها، لكنّ ذلك قد لا يصبّ بالضرورة في مصلحة تركيا، خصوصاً إذا ما خسرت طهران الحرب مع أميركا وإسرائيل.

لذلك لا تقوم حسابات أنقرة على فكرة إضعاف إيران بقدر ما تقوم على منع انهيار التوازن الإقليميّ الذي استفادت منه تركيا طوال العقود الماضية.

إقناع طهران من قبل أنقرة هو الفرصة الباقية لحماية الثقل والدور الثنائيّ أمام طاولة توزيع النفوذ التي يحتاجان إليها وتشمل العواصم العربيّة والإسلاميّة الفاعلة في المنطقة.

لا بدّ من عدم إغفال الدور الروسيّ والصينيّ والأوروبيّ إلى جانب الدول العربيّة المؤثّرة في المنطقة. تحتاج تركيا إلى دعم هذه الدول في حراكها السياسيّ وربّما التنسيق المباشر معها للضغط على أطراف النزاع.

ترتكز استراتيجية تركيا المستقبليّة على إدارة الأزمة بجهد استباقيّ، عبر تحييد الاستفزازات واستثمار مركزيّتها الجيوسياسيّة لتعظيم نفوذها

تجد تركيا نفسها اليوم في موقع صعب وحرج، فهي ملزمة بالحفاظ على أمنها الإقليميّ وعدم التفريط بما تملكه من أوراق توازنات استراتيجيّة، لكنّ الهجمات الاستفزازيّة بالصواريخ على أراضيها لا تُزيح احتمال تدخّل حلف شمال الأطلسي عبر تفعيل المادّة الخامسة من اتّفاقيّة الحلف والتحرّك الجماعيّ ضدّ إيران المعتدية على دولة أطلسيّة. يضع كلّ هذا أنقرة أمام خيارات صعبة بين الردّ المحدود والتحرّك الواسع عبر الناتو أو ضمان استمرار حيادها الاستراتيجيّ.

ليست تركيا اليوم مراقباً وحسب، بل لاعب يزن خطواته بدقّة وحذر. قد يُعقّد الانخراط المباشر ضدّ إيران حساباتها الإقليميّة ويضعها في خندق واحد مع إسرائيل ضدّ جارتها التاريخيّة، وهذا ما تحرص على تفاديه. صواريخ الاستفزاز هي المسألة الواجب الردّ عليها.

أيّ تصعيد عسكريّ على الأرض لا يهمّ تركيا إلّا بقدر ما يوفّر لها فرصة لإعادة ترتيب أولويّاتها وتخفيف العبء الاستراتيجيّ. ما يحدث اليوم يفتح الطريق أمام إعادة رسم التحالفات والحسابات والمصالح. أنقرة أمام فرصة لإعادة تأكيد استقلال قرارها بعيداً عن أيّ حسابات خارجيّة تحاول جرّها إلى الصراع. لكنّ المعضلة تكمن في استشراف الخطوات الإيرانيّة تحديداً، وليس الأميركيّة أو الإسرائيليّة.

إقرأ أيضاً: رسالة الصّاروخ: جسّ نبض تركيا أم انتحار إيرانيّ؟

يكشف مسار التاريخ الجيوسياسيّ بين تركيا وإيران أنّ العلاقات بين الجارتين ستظلّ تحت تأثير التوازنات الإقليميّة، وأنّ المصالح الوطنيّة ستبقى المعيار الأوّل في اتّخاذ القرارات السياسيّة الحاسمة. لكنّ ما يحدث اليوم قد يضع هذا التوازن التاريخيّ أمام أحد أصعب اختباراته منذ عقود. فهل تنجح أنقرة في إبقاء الصراع خارج حدودها أم تطوّرات الحرب ستفرض معادلة جديدة لم تشهدها المنطقة منذ قرون؟

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Profsamirsalha

مواضيع ذات صلة

نعيم قاسم: سرديّة “النّصر” الإيرانيّ

هو الأسلوب الإيرانيّ نفسه وقد انتقل إلى لبنان: قتالٌ من دون التفات إلى موازين القوى، ومن دون مبالاة بالخسائر، مع التشبّث بسرديّة النصر، وما يترتّب…

حرب الأجندات المستحيلة

لا يعرف صنّاع هذه الحرب، ولو على وجه التقريب، متى تنتهي وكيف، مع أنّهم يعرفون لماذا أشعلوها.   المشتبكون مباشرةً فيها: إيران المُعتدى عليها، وإسرائيل…

الشّرع للجميّل: النّدّيّة والسّيادة صارتا وراءنا

ثلثا عمر سوريا المستقلّة حكمهما بيت الأسد وحدهم. بانتهاء عصرهم بات كلّ كلام عنها يسمّيها سوريا الجديدة. ما قبل بيت الأسد في حكمها، كان مألوفاً…

نتنياهو و”الحزب”: رفض فصل حرب لبنان عن إيران

احتاطت إسرائيل لإمكان أن يفاجئها دونالد ترامب بوقف الحرب على إيران، فأعلنت أنّ هذا الخيار لا ينطبق على لبنان، حيث ستواصل حملتها العسكريّة ضدّ “الحزب”….