إسرائيل تربط عودة الجنوب بنزع السّلاح

مدة القراءة 6 د

لا تبدو الدعوات اللبنانيّة إلى فتح باب التفاوض لوقف الحرب قادرة حتّى الآن على تغيير اتّجاه الأحداث، فالمعطيات الدبلوماسيّة والعسكريّة المتراكمة في الساعات الأخيرة تشير إلى أنّ القرار في واشنطن وتل أبيب لا يزال قائماً على استكمال العمليّات العسكريّة أوّلاً، قبل أيّ مسار سياسيّ. وفي قلب هذا المشهد يبرز تطوّر ميدانيّ شديد الدلالة: الإخلاءات الواسعة في الجنوب التي لم تعد، كما في الحروب السابقة، إجراءً مؤقّتاً مرتبطاً بالمعارك، بل خطوة ترتبط مباشرة بالتصوّر الإسرائيليّ لمرحلة ما بعد الحرب في لبنان.

 

إسرائيل تحدّد توقيت التفاوض

في موازاة التصعيد العسكري، تتكثف في إسرائيل التسريبات حول احتمال فتح مسار تفاوضي مع لبنان، لكنها تسريبات تعكس في جوهرها أن هذا المسار ليس بديلاً عن العمليات العسكرية الجارية. فقد نقلت صحيفة هآرتس عن مصادر مطلعة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كلّف الوزير السابق رون ديرمر إدارة ما يُعرف بـ”الملف اللبناني” والتواصل بشأنه مع الإدارة الأميركية، إضافة إلى توّلي أي مفاوضات محتملة مع ممثلين لبنانيين.

غير أنّ دلالة هذه المعلومات لا تكمن فقط في الحديث عن التفاوض، بل في توقيته. المصادر نفسها تتحدث عن إمكانية حصول لقاءات “في الأيام أو الأسابيع المقبلة”، في وقت تتصاعد فيه العمليات العسكرية داخل لبنان، ما يعكس مقاربة إسرائيلية واضحة: المعركة أولاً ثم التفاوض. وبذلك يصبح المسار السياسي، وفق هذه القراءة، نتيجة لما ستفرضه العمليات الميدانية وليس مدخلاً لوقفها.

ليس اختيار ديرمر لهذه المهمة تفصيلاً تقنياً. الرجل كان أحد أبرز المسؤولين الإسرائيليين الذين أداروا مسار التفاوض بعد اتفاق وقف إطلاق النار السابق، كما يُعد من أكثر الشخصيات قرباً من نتنياهو ومن الدوائر السياسية في واشنطن. لذلك فإنّ تكليفه مجدداً يوحي بأنّ إسرائيل بدأت ترسم الإطار السياسي للمرحلة التي قد تلي العمليات العسكرية، حتى لو كانت هذه المرحلة لا تزال مؤجلة إلى حين انتهاء المعركة الحالية وفرض وقائع جديدة على الأرض.

يبدو أنّ البلاد تتّجه إلى مرحلة أكثر قسوة من الحرب، ليس التفاوض فيها قريباً

بالاضافة إلى قبرص وباريس تتحدث المعلومات عن دخول أكثر من طرف لرعاية المفاوضات. فبعد أن عرض الرئيس ماكرون رعايته لهذه المفاوضات، تتحدث المعلومات عن دخول الجانب الألماني أيضاً على الخط من دون ان تصل اي مبادرة من هذه إلى نتيجة جدية يمكن البناء عليها. وذلك دائماً لأنّ إسرائيل وواشنطن تملكان رفاهية تحديد التوقيت وتوقيتهما سيكون على وقع التقييم العام بانّ الدولة اللبنانية عاجزة عن إنجاز وتنفيذ اي اتفاق إذا حصل.

التّوغّلات والإخلاءات: تغيير قواعد الميدان

تتّسع ميدانيّاً العمليّات الإسرائيليّة داخل الجنوب مع توغّلات بعمق يراوح بين 10 و15 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانيّة، وهي المسافة التي كانت إسرائيل قد طالبت منذ الأيّام الأولى للحرب بإخلائها من الجيش اللبنانيّ و”اليونيفيل” والسكّان.

تشير مصادر دبلوماسيّة إلى أنّ هذه العمليّات لا تعني بالضرورة اجتياحاً برّيّاً شاملاً، بل توغّلات متكرّرة في إطار عمليّة عسكريّة تقوم على الإخلاء الممنهج للمناطق، تمهيداً لاستهداف ما تعتبره إسرائيل منشآت عسكريّة أو بنى تحتيّة تابعة لـ”الحزب”.

في هذا السياق، تبدو منطقة جنوب الليطاني مرشّحة لأن تتحوّل إلى ساحة قصف واسع وعزل عسكريّ عن بقيّة الأراضي اللبنانيّة، في محاولة لتفكيك البنية العسكريّة لـ”الحزب” وكشف تحرّكاته بعد إخلاء القرى من السكّان.

إسرائيل

أمّا في الضاحية الجنوبيّة لبيروت فتسير العمليّات وفق نمط مختلف يقوم على الاستهداف المنهجيّ للبنى التحتيّة التي بناها “الحزب” خلال السنوات الماضية، حتّى لو أدّى ذلك إلى دمار واسع يشبه في بعض جوانبه ما شهدته غزّة. أمّا المناطق الأخرى على كلّ الأراضي اللبنانيّة فلن تكون بعيدة عن الغارات إذا اعتُبرت جزءاً من الشبكة اللوجستيّة أو العسكريّة لـ”الحزب”.

هذه المرّة… الإخلاء بلا عودة

لكنّ التطوّر الأكثر دلالة في المشهد الحاليّ يتعلّق بطبيعة الإخلاءات نفسها. كان السكّان في الحروب السابقة يغادرون قراهم لفترة محدودة قبل أن يعودوا إليها مع تراجع العمليّات العسكريّة. أمّا اليوم فالمعطيات الدبلوماسيّة تشير إلى أنّ هذا السيناريو لن يتكرّر.

في موازاة التصعيد العسكري، تتكثف في إسرائيل التسريبات حول احتمال فتح مسار تفاوضي مع لبنان

الإخلاءات الجارية حاليّاً ليست مؤقّتة، بل مرتبطة بالتصوّر الإسرائيليّ للمرحلة التي ستلي الحرب. بحسب هذه القراءة، لن يُسمح بعودة السكّان إلى قراهم قبل الوصول إلى اتّفاق جديد ينظّم الوضع في الجنوب.

الأهمّ أنّ العودة لن ترتبط فقط بالتوصّل إلى اتّفاق، بل بتطبيقه فعليّاً على الأرض، أي أنّ توقيت العودة لن يكون بيد اللبنانيّين، بل بيد إسرائيل التي ستقرّر متى تعتبر أنّ الاتّفاق قد نُفّذ فعليّاً.

السّلاح أو الحرب الطويلة

في جوهر هذه المقاربة، يبدو أنّ إسرائيل والولايات المتّحدة تدفعان نحو معادلة واضحة للمرحلة المقبلة: إمّا أن يتحوّل “الحزب” إلى حزب سياسيّ منزوع السلاح، أو أن تستمرّ الحرب لفترة أطول مع ما قد يرافقها من تدمير واسع للبنية التحتيّة في لبنان.

تشير التقديرات الدبلوماسيّة إلى أنّ أيّ اتّفاق مستقبليّ لن يقتصر على ترتيبات ميدانيّة جنوب الليطاني، بل سيتضمّن بنوداً تتعلّق بمصير سلاح “الحزب” ودوره العسكريّ داخل لبنان.

في حال لم يتحقّق ذلك، يتمثّل السيناريو الذي يجري التحذير منه في الكواليس الدوليّة في إطالة أمد الحرب وتحويل لبنان تدريجاً إلى ساحة دمار واسع شبيه بما شهدته غزّة، مع ضربات تطال البنى التحتيّة ومناطق مختلفة من البلاد.

خطر الانفجار الدّاخليّ

بالتوازي مع هذا المسار العسكريّ، تتصاعد في الكواليس اللبنانيّة تحذيرات من تداعيات داخليّة خطِرة. قد يفتح استمرار الحرب مع موجات النزوح الواسعة والدمار المتزايد الباب أمام احتكاكات داخليّة أو توتّرات طائفيّة، وخصوصاً إذا تزايد الشعور بأنّ الدولة غير قادرة على احتواء تداعيات الحرب أو ضبط الأمن.

إقرأ أيضاً: حزام النّار يلفّ السّلطة: تخلٍّ دوليّ عن لبنان

في مثل هذا السيناريو، يخشى دبلوماسيّون من أن يتحوّل الضغط العسكريّ الخارجيّ إلى عامل تفجير داخليّ يضع مؤسّسات الدولة أمام اختبار قد يتجاوز قدرتها على السيطرة.

حتّى ذلك الحين، يبدو أنّ البلاد تتّجه إلى مرحلة أكثر قسوة من الحرب، ليس التفاوض فيها قريباً، ولا العودة إلى القرى الجنوبيّة ممكنة قبل أن تُفرض معادلات ميدانيّة وسياسيّة جديدة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@josephinedeeb

مواضيع ذات صلة

حزام النّار يلفّ السّلطة: تخلٍّ دوليّ عن لبنان

ثمّة سؤال واحد مركزيّ يُطرح لدى أهل القرار في الخارج المعنيّين بمساعدة لبنان، وبوضع حدّ لحرب إسرائيل و”الحزب”: هل تملك الدولة اللبنانيّة، الساعية إلى التفاوض…

عون وسلام “يطحشان” بالتّفاوض المباشر: إعلان الوفد قريباً

الكلمة للميدان، والدبلوماسيّة مركونة في الزاوية وحيدة! تلك خلاصة الأيّام الـ11 للمواجهة الحاصلة، التي تنذر بأنّها الفرصة الأخيرة لإسرائيل لكي تتخلّص من خطر “السلاح” على…

اليوم التّالي للحرب: رعد أعلن خريطة طريق مسدود

في مثل هذا اليوم تماماً من العام الماضي، أطلقت إسرائيل سراح خمسة مدنيّين لبنانيّين كانوا محتجزين لديها. يومها بدا المشهد وكأنّه الإشارة الأولى إلى بدء…

“جبهة” عون – برّي: التّفاوض أوّلاً!

باتت السلطة في لبنان، بأركانها الثلاثة، متيقّنة بعد 11 يوماً من دخول “الحزب” على خطّ المواجهة مع إسرائيل، من أمرين أساسيَّين: لا قرار أميركيّاً-إسرائيليّاً بالتفاوض…