ثمّة سؤال واحد مركزيّ يُطرح لدى أهل القرار في الخارج المعنيّين بمساعدة لبنان، وبوضع حدّ لحرب إسرائيل و”الحزب”: هل تملك الدولة اللبنانيّة، الساعية إلى التفاوض بأيّ ثمن، أوراقاً للتفاوض أصلاً؟ تحديداً، هل تكون الدولة، بأركانها الثلاثة، قادرة على التفاوض نيابة عن “الحزب” وفرض قرارها عليه؟ قبل ذلك، هل ينجح الحليف الأوّل والثابت لـ”الحزب” الرئيس نبيه برّي في إقناع “شريكه”، عبر التفاوض معه أوّلاً، بوقف عمليّاته العسكريّة تمهيداً لبدء التفاوض الرسميّ مع إسرائيل؟
نهاية العام الفائت، وفي لحظة استباحة إسرائيليّة كاملة للبنان ولاتّفاق وقف إطلاق النار تحت سقف التزام “الحزب” يومها “عدم إطلاق رصاصة واحدة”، طرح لبنان فكرة التفاوض مجدّداً، ومن نقطة الصفر.
بتقدير مطّلعين كانت إسرائيل وحليفتها واشنطن في طور الاستعداد للحرب الكبرى ضدّ إيران إذا سقطت ورقة المفاوضات على السلاح النوويّ، وبالتالي لم يكن أيّ من الأميركيّ والإسرائيليّ بوارد البحث في فكرة التفاوض.
انهارت المفاوضات الإيرانيّة-الأميركيّة ودخلت المنطقة برمّتها في نفق الحرب “العالميّة”، وأشهر لبنان مجدّداً ورقة التفاوض بعد أيّام من دخول “الحزب” على خطّ إسناد إيران و”الانتقام” لاستباحة إسرائيل لاتّفاق 27 تشرين الثاني 2024.
المفارقة أنّ في مرحلتَيْ ما قبل الحرب وما بعدها كلاماً تعكسه العديد من دوائر القرار في الخارج، مفاده: “أيّ قيمة للتفاوض مع لبنان، بمعزل عن إيران؟ وراهناً، في لحظة اجتياح إسرائيليّ برّيّ محتمل جدّاً للبنان، أيّ قيمة لتفاوض لا يكون مباشرة مع الطرف الشيعيّ في لبنان، خصوصاً إذا كان الهدف ترتيبات أمنيّة نهائيّة وسلاماً شاملاً؟”.
انهارت المفاوضات الإيرانيّة-الأميركيّة ودخلت المنطقة برمّتها في نفق الحرب “العالميّة”، وأشهر لبنان مجدّداً ورقة التفاوض بعد أيّام من دخول “الحزب” على خطّ إسناد إيران
عدوان برّيّ حتميّ
باتت السلطة في لبنان بقنواتها الرسميّة في صورة حصول عدوان برّيّ إسرائيليّ حتميّ على جنوب لبنان يُكرّس منطقة عازلة محتلّة بعمق عشرات الكيلومترات تختلف التقديرات العسكريّة على مداها الجغرافيّ، سيما بعد ضمّ المنطقة بين نهرَي شمال الليطاني وجنوب الزهراني إلى دائرة الإنذارات بالإخلاء، وبروز احتمال وصول الإسرائيلي إلى مرتفعات النبطيّة.
حزام النار الإسرائيليّ جنوباً وبقاعاً وصولاً إلى الضاحية الجنوبيّة وأحياء في بيروت والمتن كانت بمنأى عن الاستهداف في الحرب السابقة، يُضاعف الضغوط على الدولة المنكوبة بأزماتها المتعدّدة جرّاء الحرب، فيما رهانها على أيّ جديد على خطّ الإعلان المحتمل للرئيس الاميركيّ دونالد ترامب لوقف الحرب على إيران.
منذ الآن بدأت تُطرح تساؤلات في الأروقة الرسميّة للدولة: أيّ “حزب” سيكون بعد وقف الحرب بنسختها الثانية؟ هل يكون بصيغة المُستسلِم عسكريّاً فيعفي الحكومة من ألغام داخليّة عدّة تعترض تطبيق قرارها حظر أنشطته العسكريّة والأمنيّة وسحب سلاحه نهائيّاً، أم “الحزب” المُحتفظ بجزء من قدراته العسكريّة فيبقى حاضراً بقوّة إلى الطاولة ومانعاً للحكومة من تطبيق خطّتها لحصر السلاح، تماماً كما بعد حرب الـ 66 يوماً؟
لم تكن إيجابيّةً إطلاقاً آخِرة الرسائل الدبلوماسيّة التي وصلت إلى لبنان. لم يضِف الجهد الفرنسي على خطّ مجلس الأمن، كما توقّعت أوساط رئاسيّة عدّة في لبنان، أيّ معطى إيجابيّ على الواقع القاتم سياسيّاً وعسكريّاً، في ظلّ رغبة دوليّة مشتركة بعدم صدور قرار حاسم عن مجلس الأمن يدعو إسرائيل و”الحزب” إلى وقف القتال.
تقول مصادر دبلوماسيّة لبنانيّة لـ “أساس”: “لم نتوقّع الكثير طبعاً من مجلس الأمن، لكن في الوقت نفسه كرّست الجلسة، عبر خطاب المندوب الأميركيّ مايكل والتز، “حقّ إسرائيل المستمرّ في الدفاع عن نفسها ضدّ النظام الإيرانيّ و”الحزب”، واعتبارهما وجهين لعملة واحدة”، إضافة إلى تحميل الحكومة اللبنانيّة مسؤوليّة انخراط “الحزب” مجدّداً في الحرب، وإسقاط احتمال التفاوض من أيّ مسعى دوليّ”.
هذا ما يُسمَع بوضوح أيضاً على لسان السفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى، بحيث تنظر “السلطة” إليه في لبنان، كما العديد من الدوائر الدبلوماسيّة المعتمدة في لبنان، بوصفه دونالد ترامب شخصيّاً”. وللتخلّي الدوليّ عن لبنان أشكال أخرى تترجم بزيارة “الدعم والتضامن” للأمين العامّ للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش، من دون أن يكون حاملاً لأيّ مقترح للحلّ، أو وقف الحرب العسكريّة.
فيما تردّدت معلومات عن طلب لبنان هدنة لشهر واحد، فإنّ هذا المطلب “بديهيّ”، كما وصفته المصادر، وليس لشهر واحد فقط، إذ يرغب لبنان في بدء التفاوض بعيداً عن لغة النار والقتل المستمرّ
وفد… لتفاوض ساقط
ما فعله لبنان في الأيّام الماضية، تحديداً من جانب الرئيسين عون وسلام، كان “محاولة” تأليف وفد مفاوض، بحيث يكون الوفد جاهزاً بتركيبته السياسيّة-الطائفيّة إذا قَبِل الإسرائيليّ بالطلب اللبنانيّ.
كانت قبرص من ضمن خيارات أخرى مطروحة كمصر والأردن، لكنّ مصادر مطّلعة تؤكّد لـ “أساس: “لم يكن هناك أيّ تجاوب أميركيّ ولا إسرائيليّ مع الدعوة إلى التفاوض، فيما تشجّع العديد من الدول الأوروبيّة هذا التوجّه من زاوية الدعم الشكليّ”.
تجزم المصادر: “بالتأكيد لا نزال في موقع المتلقّي فقط، ولم نلتقط زمام المبارة بعد أو القدرة على التأثير بغياب الحلفاء الدوليّين، وخصوصاً أنّ بعض الوسطاء أبلغونا صراحة بأنّ الإسرائيليّ لن يتوقّف عن ضرب لبنان قبل أن يتيقّن عسكريّاً من القضاء على كامل قدرات “الحزب” العسكريّة والماليّة، وحاليّاً يُجيّش رئيسا الجمهوريّة والحكومة اتّصالاتهما الدوليّة من أجل منع إسرائيل من استهداف بنى تحتيّة مدنيّة أو محطّات كهرباء وجسور”.
إقرأ أيضاً: “جبهة” عون – برّي: التّفاوض أوّلاً!
في السياق نفسه، وفيما تردّدت معلومات عن طلب لبنان هدنة لشهر واحد، فإنّ هذا المطلب “بديهيّ”، كما وصفته المصادر، وليس لشهر واحد فقط، إذ يرغب لبنان في بدء التفاوض بعيداً عن لغة النار والقتل المستمرّ، وقد تعمد الحكومة خلال هذه الفترة إلى اتّخاذ مزيد من الإجراءات بما في ذلك حلّ “الحزب” بجناحه العسكريّ، وتطبيق خطّة نزع السلاح، التي تستدعي حكماً دعماً فوريّاً للجيش اللبنانيّ، وترحيل مزيد من الإيرانيّين والحرس الثوريّ وصولاً إلى قطع العلاقات الدبلوماسيّة مع طهران، خصوصاً في ضوء مواقف المرشد الأعلى مجتبى خامنئي.
لمتابعة الكاتب على X:
