تكشف الرسالة الأولى التي وجّهها المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، بعد انتظار سياسي وشعبي استمر ثلاثة عشر يومًا، أن الطابع العقائدي والأيديولوجي لا يزال مسيطرًا على خطاب رأس النظام الإسلامي. كما توحي الرسالة بأن اغتيال المرشد السابق، علي خامنئي، لم يحقق الهدف الذي كانت بعض الأطراف المعنية بالحرب ضد إيران تأمل الوصول إليه، والمتمثل في صعود قيادة أقل تشددًا وأكثر استعدادًا للتغيير والحوار والتفاوض، بما قد يسهم في إنهاء حالة الحرب القائمة وإخراج المنطقة والعالم من مأزق التصعيد المفتوح.
أولًا: مرشد محتجب ورسائل مزدوجة
يظهر المرشد الجديد بعيدًا عن العلن، إما لأسباب أمنية خشية استهدافه بعملية اغتيال جديدة، وهو احتمال أشار إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أو بسبب إصابة تعرّض لها جراء استهداف مقر إقامة المرشد في طهران أواخر شهر شباط.
وقد جاءت رسالته مكتوبة ومحمّلة بدلالات سياسية واضحة، ويمكن قراءة مضمونها عبر بعدين أساسيين:
1– مخاطبة الداخل الإيراني
خصص المرشد الجزء الأكبر من رسالته للشأن الداخلي، مركّزًا على:
- الإشادة بدور الشعب الإيراني في سدّ الفراغ الذي أعقب اغتيال المرشد السابق.
- تثبيت الاستقرار داخل مؤسسات النظام بعد حالة الارتباك التي شهدتها.
- التأكيد على ضرورة تعويض المتضررين ومعالجة الجرحى.
- إعادة بناء الثقة بين القيادة والمجتمع.
يظهر المرشد الجديد بعيدًا عن العلن، إما لأسباب أمنية خشية استهدافه بعملية اغتيال جديدة أو بسبب إصابة تعرّض لها جراء استهداف مقر إقامة المرشد في طهران أواخر شهر شباط
2– توجيه رسالة إلى الخارج
في المقابل، حملت الرسالة إشارات واضحة إلى الموقف الإيراني من الحرب الدائرة، حيث شدد المرشد على:
- استمرار المواجهة المفتوحة مع الخصوم.
- التمسك بالمرتكزات العقائدية للنظام.
- الدعوة إلى إحياء يوم القدس في آخر جمعة من شهر رمضان، بوصفه رمزًا لمواجهة إسرائيل ودعم القضية الفلسطينية.
ثانيًا: خطاب الصلابة واستمرار المواجهة
سعى خامنئي الابن في خطابه الأول إلى إظهار قدر كبير من الصرامة والصلابة السياسية، بما لا يقل عن نهج سلفه. فقد أكد أن المواجهة مع الخصوم ستستمر على مختلف الجبهات، مع التلميح إلى إمكانية فتح جبهات جديدة قد تشكل مفاجأة استراتيجية للخصوم.
ثالثًا: ورقة مضيق هرمز والضغط الاقتصادي
من أبرز القرارات التي أشار إليها المرشد الجديد بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، الاستمرار في إغلاق مضيق هرمز.
يمثل هذا القرار رسالة ضغط اقتصادي واضحة، إذ يمر عبر المضيق جزء كبير من إمدادات النفط العالمية. وتسعى طهران، وفق هذا المنطق، إلى:
- التأثير في الاقتصاد العالمي.
- الضغط على الولايات المتحدة للقبول بوقف إطلاق النار.
- دفع واشنطن للعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط إيرانية.
كما أشار الخطاب إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها قد يُجبرون على دفع تعويضات عن الخسائر التي لحقت بإيران، وإلا فإن طهران قد تسعى إلى تحصيل هذه التعويضات بطرق أخرى.
يحاول المرشد الجديد تثبيت شرعيته الثورية من خلال التمسك بالمواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ويرتبط ذلك بهدف استراتيجي أوسع يتمثل في بناء ما يسميه الكاتب “الجمهورية الإيرانية العظمى”
رابعًا: احتمال استخدام أوراق إقليمية إضافية
يشير المقال إلى احتمال استخدام طهران أوراقًا استراتيجية أخرى، من بينها التأثير على حركة التجارة العالمية عبر مضيق باب المندب.
ويبرز هنا الدور المحتمل لجماعة الحوثيين في اليمن، حيث يثير تريثهم في الانخراط الكامل في المعركة تساؤلات حول توقيت استخدام هذه الورقة. وقد يكون السبب أن طهران ما تزال تحتفظ بها كورقة ضغط لمراحل لاحقة من الصراع.
خامسًا: اتساع ساحة الصراع الإقليمي
الحديث عن جبهات جديدة قد يشير إلى احتمال توسع دائرة الاشتباك لتشمل مناطق أخرى، مثل:
- آسيا الوسطى.
- القوقاز الجنوبي.
- القواعد العسكرية الغربية في المنطقة، ومنها قاعدة إنجرليك في تركيا.
وقد يؤدي هذا السيناريو إلى توسيع نطاق المواجهة مع القوات الأمريكية وربما إشراك قوى أوروبية في الصراع.
سادسًا: شرعية ثورية وطموح استراتيجي
يحاول المرشد الجديد تثبيت شرعيته الثورية من خلال التمسك بالمواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ويرتبط ذلك بهدف استراتيجي أوسع يتمثل في بناء ما يسميه الكاتب “الجمهورية الإيرانية العظمى“.
ويرتكز هذا المشروع على:
- دور الحرس الثوري كركيزة أساسية للنظام.
- الشراكة الوثيقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية.
- استمرار نهج “ولاية الفقيه” الذي يشكل الأساس العقائدي للنظام.
سابعًا: ثوابت القوة الإيرانية
يؤكد المقال أن القيادة الإيرانية ترى نفسها اليوم أكثر قدرة على الصمود، مستندة إلى ثلاث ركائز رئيسية:
- البرنامج النووي
تؤكد طهران أنها لن تقدم تنازلات بشأنه، وتصر على حقها الكامل في تطويره وفق ما تعتبره حقوقًا قانونية.
- البرنامج الصاروخي
الذي منحها قدرة ردع عسكرية وأتاح لها إلحاق أضرار بخصومها.
- النفوذ الإقليمي
عبر ما يُعرف بمحور المقاومة الذي يمتد من اليمن إلى العراق ولبنان، ويضم قوى مثل حزب الله وفصائل عراقية مسلحة.
إقرأ أيضاً: كيف تفكّر طهران بالتسوية لإعلان انتصارها؟
