في مثل هذا اليوم تماماً من العام الماضي، أطلقت إسرائيل سراح خمسة مدنيّين لبنانيّين كانوا محتجزين لديها. يومها بدا المشهد وكأنّه الإشارة الأولى إلى بدء العمل بخارطة الطريق التي كانت تُناقَش لمعالجة التصعيد على الجبهة اللبنانيّة – الإسرائيليّة، في وقت كانت المبعوثة الأميركيّة مورغان أورتاغوس لا تزال تمسك بالملفّ اللبنانيّ.
شكّل إطلاق الأسرى يومها أوّل اختراق عمليّ في مسار تفاوضيّ غير مباشر كان يُفترض أن يقود إلى تسوية أوسع. لكنّ الخارطة نفسها سقطت بسبب تردّد بعبدا وتعيين توم بارّاك، علماً أنّ مراحل الخطّة كانت ناضجة وجاهزة للتطبيق.
بعد عام واحد فقط، يُعيد رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد التذكير بتلك الخارطة، بشكل غير مباشر، فخطابه المتلفز على قناة “المنار”، ثمّ المقال الذي نشره بعد يومين في صحيفة “الأخبار”، بدَوَا وكأنّهما محاولة متعمّدة لإعادة وضع الإطار السياسيّ نفسه على الطاولة.
كان “أساس ميديا” قد كتب مراراً عن تلك الخارطة التي طُرحت بعد حرب 2024، والتي قامت على مسار متكامل لمعالجة مجموعة ملفّات أمنيّة وسياسيّة مترابطة.
إلّا أنّ الإشكاليّة المطروحة اليوم: كيف ستنتهي هذه الحرب؟ هل يكون “الحزب” جالساً إلى الطاولة أم يكون ورقة على الطاولة؟
تموضع “الحزب” سيحدّد مسار الحرب في اليوم التالي للحرب. بانتظار ذلك اليوم قرّر “الحزب” خوض حرب يعتبرها وجوديّة ليستطيع بعدها انتزاع دور المفاوض من الدولة التي سبق أن فشلت في إدارة الملفّ.
مصادر دبلوماسية قالت لـ”أساس”، أن هذا الحراك اللبناني سيبقى مكانه طالما لا قدرة له على استعمال ورقة السلاح، والكلمة الأقوى ستبقى للتصعيد المستمر
خارطة الطّريق التي سقطت
بعد إطلاق الأسرى الخمسة العام الماضي، تسرّبت في الكواليس الدبلوماسيّة بنود خارطة طريق تُنفَّذ في خطوات متوازية وعلى مراحل:
- تثبيت الحدود البرّيّة بين لبنان وإسرائيل.
- انسحاب إسرائيل من النقاط الحدوديّة التي احتلّتها بعد الحرب.
- معالجة النقاط المتنازَع عليها على الخطّ الأزرق.
- أمن جنوب الليطاني وانتشار الجيش.
- معالجة ملفّ النزوح السوريّ وملفّ المخيّمات الفلسطينيّة.
- إطلاق الأسرى اللبنانيّين.
- ضبط الحدود اللبنانيّة – السوريّة والمعابر غير الشرعيّة.
- إطلاق ورشة إعادة إعمار.
- فتح مسار داخليّ لمعالجة مسألة السلاح خارج الدولة وحصره بيدها.
بعدما بدأت هذه الخارطة تحقّق أولى نتائجها فعلاً مع إطلاق المدنيّين اللبنانيّين الخمسة في خطوة اعتُبرت يومها اختباراً أوّليّاً لجدّية المسار التفاوضيّ، بدأت بالتعثّر برفض لبنان تشكيل اللجان المشتركة التي كانت مطروحة لإدارة التفاوض، فيما تبدّلت المقاربة الأميركيّة مع وصول توم بارّاك لاحقاً وظهرت شروط أكثر تشدّداً.
عندها عاد “الحزب” إلى المربّع المتشدّد الأوّل بعدما كان قطع شوطاً متجاوباً مع بنود الخارطة في انتظار أشهر العهد الأولى لتقوم بالواجب.
كانت النتيجة واضحة: توقّف المسار السياسيّ والبقاء في دائرة التصعيد وسط هيمنة مباشرة للقوّات الإسرائيليّة على لبنان.
تموضع “الحزب” سيحدّد مسار الحرب في اليوم التالي للحرب. بانتظار ذلك اليوم قرّر “الحزب” خوض حرب يعتبرها وجوديّة ليستطيع بعدها انتزاع دور المفاوض من الدولة التي سبق أن فشلت في إدارة الملفّ
خطاب الحرب… ورسالة التّفاوض
بعد عام صاخب بالمتغيّرات، جاء خطاب محمّد رعد.
في ظاهره، بدا خطاب مواجهة واضحاً: تأكيد الاستعداد للحرب ورفض ما وصفه بـ”شروط الاستسلام”.
لكنّ مضمون الخطاب ثمّ المقال الذي نشره بعد يومين حملا مقاربة سياسيّة أكثر وضوحاً. فقد قدّم رعد تصوّراً للمرحلة الانتقاليّة من حالة المقاومة إلى كنف الدولة، انطلاقاً من معادلة يعتبرها “الحزب” أساسيّة: لا يمكن الحديث عن حصريّة السلاح بيد الدولة قبل حسم مسألة السيادة الكاملة على الأرض اللبنانيّة.
بحسب هذه المقاربة، يبقى مفهوم الدولة التي تحتكر قرار السلم والحرب ناقصاً ما دام جزء من الأرض محتلّاً والغارات تستهدف البشر والحجر. لذلك جاءت كلمة رعد بمنزلة مبادرة طرح فيها “الحزب” ترتيباً مختلفاً للأولويّات هو في الواقع عودة إلى أصل الموقف من تطبيق اتّفاق وقف إطلاق النار: إنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات أوّلاً، ثمّ الانتقال إلى بحث مسألة السلاح ضمن استراتيجية دفاعيّة وطنيّة. وبهذا المعنى يدرك رعد، و”الحزب”، أن لا خيار لاحقاً سوى التخلّي عن السلاح والذهاب إلى العمل السياسيّ فقط.
جاءت رسالة رعد إشارة واضحة إلى أنّ “الحزب” يريد استعادة خارطة الطريق الأولى التي لو حصلت على رعاية رسميّة ومتابعة جدّية من السلطات الرسميّة لكانت نجحت في إقفال هذا الملفّ في الأشهر الأولى من هذا العهد.
يخوض لبنان غمار مبادرة رئاسية لا تحظى بدعم لا إقليمي ولا أمريكي. وفي معلومات “أساس”، أن الرئيسين عون وسلام شكلا وفد وأرسلت الأسماء إلى قبرص
من يملك أوراق اليوم التّالي للحرب؟
لم تعد الإشكاليّة اليوم احتمال اندلاع حرب جديدة. وقعت الحرب فعلاً، وبقسوة غير مسبوقة، في ظلّ مقاربة إسرائيليّة لا يبدو فيها مكان للحلول الوسط. يخوض “الحزب” حرباً يعتبرها وجوديّة كما دعماً لإيران. وبالتالي باتت المعضلة الحقيقيّة في أفق نهاية هذه الحرب. كلّ المؤشّرات العسكريّة والدبلوماسيّة توحي بأنّ المعركة قد تطول، فيما يقف لبنان على حافة انهيار داخليّ خطير، اقتصاديّاً وسياسيّاً وأمنيّاً، إلى حدّ أنّ كثيرين يحذّرون من انزلاقه نحو توتّرات داخليّة قد تعيد فتح باب الحرب الأهليّة.
هل ينجح رعد في محاولته إحياء خارطة الطريق التي سقطت قبل عام أم الحرب الحاليّة ستفرض خريطة مختلفة تماماً يخسر فيها “الحزب” أوراقه، بسبب ارتباطه العضويّ بالحرب الإيرانيّة وأولويّة حساباته الإقليميّة؟ وهل يجوز أصلاً الافتراض أنّ خسارة “الحزب” تعني أن تبتلعه الأرض ويختفي من المشهدَين الأمنيّ والسياسيّ؟
على الرغم من التصعيد العالي السقف، إلى حدّ تبدو معه العودة شبه مستحيلة، ولا سيما بعد كلام الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب عن ضرورة القضاء على “الحزب”، المؤكّد حتّى الآن أنّ في الغرف الخلفيّة للقرار السياسيّ نقاشاً حقيقيّاً في ملفّ لبنان: من يصمد في هذه الحرب واليوم التالي فيجلس إلى الطاولة؟
يبدو حتّى هذه اللحظة أنّ “الحزب” يُحضّر نفسه أوّلاً لولادة جديدة تعيد رسم هيكليّته الداخليّة ليكون شريكاً أساسيّاً في رسم هذا اليوم التالي، لكن وفق شروط إقليميّة جديدة تحاكي التوازنات المستجدّة، وضمن مسار مختلف تحت سقف الدولة اللبنانيّة.
غير أنّ هذا المسار، إذا كُتب له أن يتبلور، لن يستطيع تجاوز حقيقة أساسيّة مفادها أنّ لبنان لا يمكنه أن يعيش معزولاً عن عمقه العربيّ، سياسيّاً واقتصاديّاً وماليّاً. سيبقى استقرار البلد وإعادة بنائه، بعد هذه الحرب، مرتبطين بقدرته على إعادة وصل ما انقطع مع محيطه العربيّ، وبمدى قدرته على التكيّف مع التوازنات الإقليميّة الجديدة.
إقرأ أيضاً: “جبهة” عون – برّي: التّفاوض أوّلاً!
بالتوازي مع الرسائل المبطنة، يخوض لبنان غمار مبادرة رئاسية لا تحظى بدعم لا إقليمي ولا أمريكي. وفي معلومات “أساس”، أن الرئيسين عون وسلام شكلا وفداً وأرسلت الأسماء إلى قبرص. وفي المعلومات أنّ الوفد يرأسه السفير سيمون كرم، ويتضمّن بول سالم، وعن رئاسة الحكومة مستشارة سلام فرح الخطيب، وعن المشاركة الدرزية السفير حليم أبو فخر الدين. أما المشاركة الشيعية فهي ستكون غائبة أولاً لأن الرئيس برّي يتمسك بلجنة الميكانيزم إلى حين وقف إطلاق النار ليبنى لاحقاً على الشيء مقتضاه، والحزب يرفض الفكرة بشكل قاطع.
مصادر دبلوماسية قالت لـ”أساس”، أن هذا الحراك اللبناني سيبقى مكانه طالما لا قدرة له على استعمال ورقة السلاح، والكلمة الأقوى ستبقى للتصعيد المستمر.
لمتابعة الكاتب على X:
