على مدى خمسة عشر شهراً كان بنيامين نتنياهو يقول إنّ “الحزب” يعيد بناء قدراته، وإنّ الدولة اللبنانيّة لم تقم بواجباتها لنزع سلاحه. وعلى مدى خمسة عشر شهراً أيضاً كان نعيم قاسم يوافقه الرأي مردّداً أنّ حزبه تعافى ولا يقيم أيّ وزن لقرارات الحكومة بحصر سلاحه على كامل التراب اللبنانيّ. وفي إيران كان خامنئي الأب والابن يعدّان الخطّة الشمشونيّة مع حصانهما الأسود أحمد وحيدي لمعركة وجوديّة تنسف الإقليم ومن فيه إن هُدّد النظام. وفيما انشغل نتنياهو وترامب برسم خرائط النفوذ والمصالح من الهند إلى جنوب السودان، كلّ لحساباته، كان التلعثم وتدوير الزوايا سيّدَي الموقف في لبنان. هكذا وجد اللبنانيّون أنفسهم في قلب معارك الآخرين الوجوديّة يحدّقون بذهول في مصيرهم المجهول من دون الجرأة على تغييره.
لقد كانت الفرصة سانحة أمام الدولة على مدى الأشهر الخمسة عشر لفرض احتكارها المشروع للعنف، لكنّها فضّلت إدارة الأزمة بعقل المحلّل السياسيّ المتفرّج بدل الفاعل السياديّ، وركنت لأنماط مكرّرة من الأداء السياسيّ أثبتت فشلها، بدل التفكير في خطوات جريئة تقلب الطاولة على إسرائيل و”الحزب” معاً، فكانت النتيجة إعادة إنتاج المعادلة نفسها: “الحزب” يملك زناد الحرب وإسرائيل تتحضّر لاجتياح برّيّ “لإتمام المهمّة” والدولة أشبه بالكومبارس في تراجيديا “الغضب الملحميّ”.
على مدى خمسة عشر شهراً كان بنيامين نتنياهو يقول إنّ “الحزب” يعيد بناء قدراته، وإنّ الدولة اللبنانيّة لم تقم بواجباتها لنزع سلاحه
منطق شارون بعضلات نتنياهو
هنا تفرض مقارنة 1982 نفسها، لا كاستعارة تاريخيّة مريحة، بل كمفتاح لفهم الطريقة التي تُدار بها الحروب الإسرائيليّة على لبنان: شيء يُقال في العلن، وشيء آخر يُحضَّر في الخفاء ثمّ يتكشّف تدريجاً على الأرض. في رواية توماس فريدمان في كتابه “من بيروت إلى القدس”، لم تُبَع الحرب يومها للإسرائيليّين، ولا حتّى داخل الإطار الحكوميّ المعلن، بوصفها مشروعاً للوصول إلى بيروت وطرد منظّمة التحرير وإعادة تركيب السلطة اللبنانيّة على قياس إسرائيل. العنوان الذي قُدّم كان أكثر تواضعاً وانضباطاً: عمليّة محدودة هدفها إبعاد خطر منظّمة التحرير عن الحدود الشماليّة لإسرائيل، أي ما عُرف بسلام الجليل. هذا هو السقف الذي أمكن تسويقه للرأي العامّ وقتها وللقسم المتردّد من الطبقة السياسيّة.
لكنّ فريدمان يشرح أنّ الخطّة التي كان يدفع بها أرييل شارون كانت أوسع بكثير من هذا العنوان المعلن: الوصول إلى بيروت، إخراج منظّمة التحرير من لبنان، تنصيب بشير الجميّل بوصفه الشريك اللبنانيّ القادر على إعادة صوغ النظام، تحييد سوريا والخصوم المسلمين واليساريّين في الداخل، ثمّ تحويل الإنجاز العسكريّ إلى معاهدة سلام مع لبنان، أي أنّ الحرب لم تكن، في جوهرها، عمليّة أمنيّة محدودة انزلقت لاحقاً إلى أهداف أكبر، بل مشروع لإعادة ترتيب لبنان نفسه مع فارق أنّ هذا المشروع لم يكن قابلاً للبيع دفعة واحدة، فجرى تسويقه على جرعات تبدأ بعنوان دفاعيّ ضيّق وتنتهي في قلب العاصمة اللبنانيّة.
ما يعنينا اليوم في هذا الإسقاط ليس فقط قول إسرائيل أربعين كيلومتراً وانتهاءها في بيروت، بل إمكان تكرار المنهج نفسه: هدف معلن أدنى من الغاية الفعليّة، وسقف سياسيّ محدود لتوفير الغطاء، ومسار ميدانيّ يتكفّل وحده بكشف الخطّة الحقيقيّة. هنا بالضبط تصبح المقارنة مع اللحظة الراهنة خطِرة إلى أقصى حدّ. فحين يجري اليوم تسريب حديث عن 7 كلم منطقة عازلة أو عن أهداف محدودة جنوب الليطاني أو عن ضغط يراد منه تحسين شروط التفاوض، لا يكفي أخذ هذه العناوين على ظاهرها.
لأنّ تجربة 1982 تقول إنّ الحرب على لبنان لا تُفهم من شعارها المعلن، بل من منطقها الداخليّ: ماذا تريد إسرائيل أن تُنتج سياسيّاً بعد النار؟ وإذا كان شارون قد أراد يومها طرد منظّمة التحرير وصناعة سلطة لبنانيّة توقّع سلاماً لم يعِش، فإنّ السؤال الآن ليس فقط إلى أين قد تصل الدبّابات، بل أيّ لبنان تريد إسرائيل أن يخرج من هذه الحرب: لبنان منزوع السلاح الشيعيّ بالقوّة، لبنان يعاد فيه فرز السلطة والتمثيل على وقع الهزيمة، أم لبنان يُدفع إلى ترتيبات سياسيّة وأمنيّة لم يكن ليقبلها لولا أنّ الميدان سبق الطاولة وكتب شروطها بالنار؟ هذا هو لبّ المسألة، وهو ما لا يجعل 1982 مرجعاً تاريخيّاً، بل العمود الفقريّ لأيّ قراءة جدّيّة لما يجري الآن.
الفارق الجوهريّ بين 1982 و2026 هو أنّ اليد التي أسقطت 17 أيّار لم تعُد موجودة بالشكل نفسه، لكنّها لم تُستبدل بفراغ
الشّرع في سوريا وشمشون في إيران
الفارق الجوهريّ بين 1982 و2026 هو أنّ اليد التي أسقطت 17 أيّار لم تعُد موجودة بالشكل نفسه، لكنّها لم تُستبدل بفراغ. يومها رأى حافظ الأسد في الاتّفاق محاولةً لانتزاع الورقة اللبنانيّة من يده، فتعامل معه بوصفه تهديداً مباشراً لموقع سوريا الإقليميّ، ولعب كلّ أوراقه لإجهاضه: من الضغط العسكريّ والأمنيّ، إلى تحريك الحلفاء في الداخل، وإلى استخدام فائض النفوذ السوريّ في الدولة اللبنانيّة نفسها.
أمّا اليوم فالمشهد مختلف جذريّاً. لا نظام أسديّاً يملك قرار التخريب من موقع الهيمنة على لبنان، ولا دمشق ترى في أيّ تفاوض لبنانيّ ـ إسرائيليّ خطراً وجوديّاً على دورها كما فعلت في الثمانينيّات. على العكس، تبدو سوريا الجديدة نفسها في موقع متقدّم من التفاوض مع إسرائيل، أو على الأقلّ في موقع إدارة النزاع معها ضمن قواعد مختلفة، فيما يُراد للبنان أن يلتحق بهذا المسار من موقع أضعف وتحت ضغط نار أكبر.
غير أنّ غياب العامل السوريّ المعطِّل لا يعني أنّ الساحة اللبنانيّة باتت بلا وصيّ إقليمي أو بلا لاعب خارجيّ ممسك بمفاصلها. هنا يدخل العامل الإيرانيّ، لكن على نحو مختلف تماماً عن النموذج السوريّ القديم. سوريا الأسد كانت تدير الورقة اللبنانيّة من داخل الدولة ومؤسّساتها وأجهزتها وشبكاتها المفتوحة، وكانت تريد قبل أيّ شيء منع لبنان من الخروج من قبضتها. أمّا إيران فلا تدير لبنان بالطريقة السوريّة ذاتها، بل عبر ذراع عسكريّة ـ عقائديّة متجذّرة، تتحرّك ضمن منطق يفتح حرباً شمشونيّة عليه وعلى أعدائه وجيرانه من دون أيّ حساب لليوم التالي. وهذا فارق بالغ الأهمّيّة. في 1982 كان اللاعب السوريّ يسعى إلى إفشال الترتيب لأنّ نجاحه يضعف قبضته المباشرة على لبنان، وأمّا اليوم فاللاعب الإيرانيّ، المنهمك بإدارة المعركة من طهران إلى حارة حريك، لا ينشغل أوّلاً بموقع لبنان في ذاته، بل بوظيفته داخل معركته الكبرى مع إسرائيل والولايات المتّحدة. من هنا يصبح لبنان، في الحالة الإيرانيّة، أقلّ من ورقة تفاوض مستقلّة وأكثر من جبهة إسناد متقدّمة. هو ساحة إشغال محروقة سيستخدمها حتّى الرماد. اللاعب الإيرانيّ الغارق في الحرب قد لا يكون معنيّاً بالدرجة الأولى بما إذا كان لبنان سيدخل لاحقاً في تفاوض مباشر أو في ترتيبات أمنيّة، بقدر ما يعنيه أوّلاً استخدام الجبهة اللبنانيّة لتحسين شروطه هو، أو لتثبيت سرديّة الصمود إذا توقّفت الحرب عند حدود بقاء النظام، أي أنّ إيران تستطيع، في لحظة ما، أن تدّعي الانتصار فقط لأنّ النظام بقي، فيما يكون لبنان هو الذي دفع الكلفة الأفدح: أرضاً مدمّرة، بيئة نازحة، دولة أضعف، ومجتمعاً أقرب إلى التفكّك من دون أن تكون لديها القدرة على وضعه ضمن أيّة سلّة تفاوض مقبلة.
إقرأ أيضاً: فريدمان: ترامب لا يملك خطّة لإنهاء الحرب
لهذا لا يمكن النظر إلى استعداد الدولة اللبنانيّة للذهاب إلى تفاوض مباشر أو إلى ترتيبات أمنيّة باعتباره تكراراً آليّاً لمحاولة 17 أيّار. تغيّرت الظروف الإقليميّة جذريّاً. ما سقط ليس النظام السوريّ السابق وخطّ إمداده فقط، بل أيضاً التوازن الذي كان يسمح للبنان بالاحتماء بتعارض الإرادات فوق أرضه. تتقلّص اليوم تلك الهوامش. إسرائيل تضغط عسكريّاً إلى الحدّ الأقصى لإنهاء الحالة العسكريّة لـ”الحزب” في لبنان، وتضغط في إيران لتغيير النظام في الحدّ الأقصى أو لدفعه للانكفاء داخل حدوده، فيما إيران تستخدم لبنان بوصفه جزءاً من مسرح معركتها الكبرى لا بوصفه قضيّة قائمة بذاتها. وهذا يعني، ببساطة، أنّ لبنان قد لا يواجه الآن سيناريو 1982 نفسه، بل سيناريو أشدّ قسوة: ليس لأنّ إسرائيل ستكرّر الخطّة حرفيّاً، بل لأنّ البيئة الإقليميّة التي كانت كفيلة بإفشال تحويل الإنجاز العسكريّ إلى ترتيب سياسيّ لم تعد موجودة على الصورة التي عرفها لبنان سابقاً، بينما اللاعب الإيرانيّ يربط مصير الساحة اللبنانيّة بإيقاع معركة أكبر منه ومن قدرته على الاحتمال.
* كاتبة صحافيّة وإعلاميّة لبنانيّة حاورت شخصيّات عربيّة وعالميّة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربيّ”. وقد تخصّصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلّحة.
