الكلمة للميدان، والدبلوماسيّة مركونة في الزاوية وحيدة! تلك خلاصة الأيّام الـ11 للمواجهة الحاصلة، التي تنذر بأنّها الفرصة الأخيرة لإسرائيل لكي تتخلّص من خطر “السلاح” على حدودها الشماليّة، وبالتالي لا عودة إلى الوراء قبل تنفيذ المهمّة التي قد تستدعي توسيع “الحزام الأمنيّ” على أرض محروقة، لا بشر ولا حجر عليها.
في المقابل يخوض “الحزب” آخر حروبه للنجاة من موت محتّم فُرض عليه منذ تشرين الأوّل 2024، على أمل صموده فيكسر الحلقة التي طوّقته منذ توقيع اتّفاق وقف إطلاق النار، ليجلس من جديد إلى الطاولة. أمّا السلطة الرسميّة، وتحديداً الرئاستين الأولى والثالثة، فتتمسّك بخشبة “التفاوض المباشر” لكي تبقي شعرة معاوية معلّقة مع المجتمع الدوليّ.
حتّى الآن يبدو الأفق مقفلاً. أعادت اشتباكات ليل الأربعاء حين أعلن “الحزب” قيامه بعمليّة “العصف المأكول” عقارب الساعة إلى ما قبل تشرين الأوّل 2024، وتبيّن أنّ الجهد الذي قام به الجيش اللبنانيّ في جنوب الليطاني ذهب سدى لأنّ “الحزب” لا يزال ناشطاً في المنطقة وبقوّة صاروخيّة أثارت استغراب الإسرائيليّ.
لهذا يُخشى أن تكون المساعي التي تقودها الدبلوماسيّة اللبنانيّة، بادرة إيجابيّة أمام المجتمع الدوليّ لا تتعدّى الشكليّات، فلا تقدّم ولا تؤخّر لسببين: الأوّل أنّ الولايات المتّحدة وإسرائيل تعتبران أنّ الدولة اللبنانيّة عاجزة وقاصرة عن تنفيذ قرار حصر السلاح، والثاني أنّ سلوك “الحزب” يثبت أنّه ليس بوارد تسليم سلاحه وهو يصمّ آذانه ويخوض معركته غير مبالٍ للأكلاف التي ستفرضها الحرب.
الكلمة للميدان، والدبلوماسيّة مركونة في الزاوية وحيدة! تلك خلاصة الأيّام الـ11 للمواجهة الحاصلة، التي تنذر بأنّها الفرصة الأخيرة لإسرائيل لكي تتخلّص من خطر “السلاح” على حدودها الشماليّة
جهد دبلوماسيّ
بالتفصيل يمكن الإشارة إلى ما يلي:
- دبلوماسيّاً، لا تزال مبادرة رئيس الجمهوريّة جوزف عون الرباعيّة مجمّدة بفعل عدم تلقّفها من جانب الأميركيّين والإسرائيليّين، وهو ما يجعلها محاولة من طرف واحد لا تلقى قابليّة النقاش والتشاور، في ضوء الشروط والشروط المضادّة، أي تلك التي يطلبها الأميركيّ والإسرائيليّ من جهة، و”الحزب” من جهة أخرى.
بالتوازي يعمل الجانب اللبنانيّ على تحريك المياه الراكدة من خلال تعزيز وضعه التفاوضيّ لمزيد من “الصدقيّة” والشرعيّة الطوائفيّة، ومن أجل ذلك يسعى رئيسا الجمهوريّة والحكومة إلى توسيع الفريق التفاوضيّ من خلال ضمّ ممثّلَين شيعيّ وسنّيّ لينضمّا إلى السفير السابق سيمون كرم في مهمّته حين يعلن لبنان الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.
في هذا السياق تفيد معلومات أنّ زيارة العميد المتقاعد أندريه رحّال لِعين التينة للقاء الرئيس نبيه برّي تهدف بشكل أساسيّ إلى إقناعه بتسمية الموفد الشيعيّ إلى المفاوضات. طبعاً كان رفض من جانب برّي المتمسّك بـ”الميكانيزم” كآليّةَ تفاوض.
لهذا يرجّح المتابعون أن يتجاوز الرئيسان جوزف عون ونوّاف سلام هذا الرفض ليعلنا وفد لبنان إلى المفاوضات المباشرة لكن بعد انتهاء التشاور مع الإدارة الأميركيّة التي تقول مصادر رسميّة إنّها، خلافاً للاعتقاد السائد، مهتمّة بانخراط لبنان بمسار تفاوضيّ مباشر مع إسرائيل. من المتوقّع أيضاً أن تكون ردّة فعل برّي مشابهة لموقفه الرافض مع إعلان سيمون كرم رئيساً للوفد. هذا مع العلم أنّ مصادر رسمية تنفي حسم طبيعة الوفد أو تركيبته، معتبرة أنّ الملف برمته لا يزال قيد النقاش.
تصعيد مدروس
- عسكريّاً، لم تعد العمليّات محصورة بالجبهة الجنوبيّة. شكّل استهداف مناطق في العاصمة بيروت، ولا سيما الرملة البيضاء وعرمون ومن ثم الباشورة وزقاق البلاط… تطوّراً لافتاً في مسار الحرب يعكس تحوّلاً في قواعد الاشتباك، حيث باتت العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة تعتمد على ضرب أهداف محدّدة في عمق المناطق اللبنانيّة. يُنظر إلى هذه الاستهدافات على أنّها رسالة واضحة بأنّ نطاق العمليّات لم يعد محصوراً بالحدود أو بالمناطق القريبة من خطّ التماسّ في الجنوب، بل يمكن أن يمتدّ إلى قلب العاصمة ومحيطها.
يعكس هذا التطوّر تصعيداً مدروساً يهدف إلى زيادة الضغط العسكريّ والسياسيّ في آن واحد، ويثير مخاوف متزايدة من دخول الحرب مرحلة أكثر خطورة، إذ إنّ استهداف مناطق مكتظّة بالسكّان في العاصمة قد يرفع مستوى التوتّر ويزيد احتمالات الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
في الموازاة، توسّعت العمليّات البريّة التي ينفّذها جيش إسرائيل داخل جنوب لبنان لتشمل عدداً من القرى والبلدات الحدوديّة على امتداد الخطّ الفاصل بين الجانبين. تشير المعطيات الميدانيّة إلى أنّ التوغّلات تركّزت في أكثر من محور، لا سيما في القطاع الشرقيّ حيث سُجّل تقدّم في مناطق كفركلا والعديسة وبرج الملوك ووادي هونين، فيما شملت التحرّكات في القطاع الأوسط بلدات مارون الراس وعيتا الشعب وبنت جبيل ويارون ورامية. أمّا في القطاع الغربيّ فقد امتدّت العمليات فيه إلى الناقورة وعلما الشعب والضهيرة والجِبَّين.
تفيد معلومات أنّ زيارة العميد المتقاعد أندريه رحّال لِعين التينة للقاء الرئيس نبيه برّي تهدف بشكل أساسيّ إلى إقناعه بتسمية الموفد الشيعيّ إلى المفاوضات
تقدّر مصادر ميدانيّة أنّ القوّات الإسرائيليّة دخلت أو حاولت الدخول إلى نحو خمس عشرة نقطة مختلفة داخل الشريط الحدوديّ الجنوبيّ، في إطار عمليّات تهدف إلى تدمير مواقع عسكريّة أو منصّات إطلاق صواريخ. وعلى الرغم من أنّ هذه التوغّلات لا ترقى حتّى الآن إلى مستوى اجتياح واسع، يعكس انتشارها على عدّة محاور من رأس الناقورة غرباً وصولاً إلى مزارع شبعا شرقاً اتّجاهاً نحو توسيع نطاق العمليّات البريّة داخل الأراضي اللبنانيّة.
تركيا على خط المفاوضات..
- تثير التعزيزات السوريّة العسكريّة نحو المناطق المحاذية للحدود مع لبنان مخاوف الكثير من اللبنانيّين من توغّل عسكريّ تحت عنوان نزع سلاح “الحزب”، في خطوة تعكس ارتفاع مستوى الاستنفار الأمنيّ في ظلّ التصعيد الإقليميّ المتسارع. شملت التعزيزات وحدات عسكريّة وآليّات مدرّعة وانتشاراً إضافيّاً للقوّات في عدد من النقاط الحدوديّة، ولا سيما في المناطق الجبليّة والمعابر غير الشرعيّة التي تربط البلدين.
إقرأ أيضاً: “جبهة” عون – برّي: التّفاوض أوّلاً!
حتّى الآن تقول مصادر رسميّة إنّ الاتّصالين اللذين أجراهما الرئيس اللبنانيّ مع نظيره السوريّ أحمد الشرع، وكان أوّلهما ثنائيّاً وثانيهما ثلاثيّاً مع الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون، كانا مطمئنين. إذ تؤكّد مصادر أنّ الاتّصالين خاضا في عمق الملفّات المشتركة وتبادلا الاستفهامات، لا سيما ما حصل في سرغايا والتسلّل الإسرائيليّ، واتّفقا على أنّ لبنان وسوريا في مركب واحد لأنّ التحدّيات مشتركة. وقد جرى تأكيد التنسيق الدائم.
تكشف مصادر أنّ هذا التنسيق ليس ثنائيّاً فقط، وإنّما يتمّ برعاية أميركيّة، بعلم مسبق بتفاصيل المشاورات. تكشف المعلومات أيضاً أنّ الجانب اللبنانيّ تشاور أيضاً مع الجانب التركيّ للوقوف عند حقيقة موقفه من التعزيزات السوريّة، وقد لمس تأكيداً تركيّاً أنّ هذا الانتشار هو في إطار إجراءات احترازيّة تهدف إلى تشديد الرقابة على الحدود ومنع أيّ خروقات أمنيّة محتملة، في ظلّ توسّع العمليّات العسكريّة في المنطقة.
لمتابعة الكاتب على X:
