بعد مرحلة من المواجهة العسكرية غير المسبوقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تعود أسئلة التسوية إلى الواجهة. فبين خطاب أميركي يطالب باستسلام كامل للنظام الإيراني، ومحاولات إيرانية لإظهار القدرة على الصمود واستعادة التوازن الداخلي، تبدو ملامح مرحلة تفاوضية محتملة في طور التشكّل. فكيف تفكّر طهران في شروط التسوية؟ وما هي الأوراق التي قد تحاول استخدامها قبل العودة إلى طاولة المفاوضات؟
وسط الضجيج السياسي والعسكري الذي يرافق الحرب الدائرة في المنطقة، يصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تقديم نتائج المواجهة باعتبارها انتصاراً حاسماً لواشنطن. فبحسب الرواية الأميركية، أدت الضربات العسكرية واغتيال رأس النظام وعدد من كبار القادة العسكريين والسياسيين إلى إضعاف بنية النظام الإيراني وإدخاله في مأزق عميق يصعب تعويض خسائره سريعاً.
استعادة التوازن الداخلي وتثبيت موقع القيادة
من هذا المنطلق، ترى الإدارة الأميركية أن القيادة الجديدة في طهران مطالبة بالقبول بالشروط التي تضعها واشنطن لإنهاء الحرب، وفي مقدّمها تغيير قواعد اللعبة الإقليمية والتخلي عن أدوات النفوذ الخارجية التي اعتمدتها إيران خلال العقود الماضية.
وسط الضجيج السياسي والعسكري الذي يرافق الحرب الدائرة في المنطقة، يصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تقديم نتائج المواجهة باعتبارها انتصاراً حاسماً لواشنطن
لكن في المقابل، تحاول طهران إظهار صورة مختلفة. فالنظام الإيراني سارع إلى احتواء تداعيات اغتيال المرشد الأعلى عبر انتخاب مرشد جديد، هو مجتبى خامنئي، في خطوة بدت وكأنها جرت ضمن ترتيبات أعدّتها مسبقاً دوائر القرار العميقة داخل الدولة، وخصوصاً داخل الحرس الثوري الإيراني.
هذا الانتقال السريع في السلطة سمح للنظام باستعادة حدّ أدنى من التماسك الداخلي، بعد مرحلة من الارتباك رافقت التصريحات المتباينة التي صدرت خلال الفترة الانتقالية، ومن بينها مواقف للرئيس مسعود بزشكيان أوحت بوجود اختلافات داخلية في تقدير الموقف.
في الوقت نفسه، تسعى طهران إلى إظهار قدرتها على الانتقال من موقع تلقي الضربات إلى موقع الرد وإلحاق الخسائر بخصومها وأصدقائها في مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً على الجبهة الإسرائيلية التي تعدّها الحلقة الأضعف في معادلة الصراع مع واشنطن.
رغم غياب الظهور العلني للمرشد الجديد حتى الآن، سواء لأسباب أمنية أو صحية أو ضمن سياسة متعمدة لإدارة المواجهة من خلف الستار، فإن الرسالة التي تحاول القيادة الإيرانية إيصالها هي أن الاستراتيجية التي رسمها المرشد السابق ما تزال قائمة، وأن المواجهة ستستمر ضمن الخطوط نفسها وبوتيرة أعلى.
شروط طهران قبل العودة إلى طاولة التفاوض
على الرغم من الخطاب المتشدد الذي يكرره بعض المسؤولين الإيرانيين، ومنهم وزير الخارجية عباس عراقجي، حول عدم جدوى الحوار مع واشنطن، فإن القراءة الواقعية داخل دوائر القرار في طهران تدرك أن خيار القطيعة الكاملة مع الولايات المتحدة يحمل مخاطر كبيرة.
فالاستمرار في المواجهة المفتوحة قد يقود إلى استنزاف طويل الأمد، وهو ما قد يهدد الاستقرار الداخلي للنظام، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد.
تحاول طهران إظهار صورة مختلفة. فالنظام الإيراني سارع إلى احتواء تداعيات اغتيال المرشد الأعلى عبر انتخاب مرشد جديد، هو مجتبى خامنئي، في خطوة بدت وكأنها جرت ضمن ترتيبات أعدّتها مسبقاً دوائر القرار
لهذا السبب، تشير تسريبات متداولة في الأوساط السياسية الإيرانية إلى أن دوائر القرار بدأت فعلياً التفكير في شكل التسوية الممكنة مع واشنطن، وفي النقاط التي قد تشكّل أساساً لأي مفاوضات مستقبلية بعد توقف العمليات العسكرية. ومن بين أبرز الأفكار التي يجري تداولها في هذا السياق:
- التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار من دون شروط مسبقة، مع إنهاء التهديد الدائم باستئناف الحرب.
- الاعتراف بحق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي يشمل تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها تحت رقابة دولية وإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
- استبعاد البرنامج الصاروخي والمسيرات من أي مفاوضات، باعتباره جزءاً من منظومة الردع الاستراتيجي الإيرانية.
- رفع كامل العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران.
- بحث مستقبل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، بما في ذلك القواعد المنتشرة في الدول المجاورة.
- عدم تقديم التزامات مباشرة تتعلق بالصراع مع إسرائيل.
- البحث في آليات إقليمية جديدة لتنظيم التوازنات الأمنية في الخليج.
كما يبرز في النقاش الإيراني ملف مضيق هرمز، حيث يجري الحديث عن احتمال طرح فكرة إنشاء آلية إدارة مشتركة للمضيق بالتعاون مع سلطنة عُمان، وربما بمشاركة صينية في الإشراف على حركة الملاحة، في إطار ترتيبات أمنية واقتصادية أوسع.
تشمل بعض الطروحات أيضاً ملفات إقليمية أخرى، من بينها مستقبل دور حلفاء إيران في المنطقة، وخصوصاً في لبنان، حيث ترى طهران أن معالجة قضايا مثل سلاح الحزب يجب أن تبقى شأناً لبنانياً داخلياً.
بين سقوف مرتفعة وتسوية وسط
بطبيعة الحال، تبدو هذه الشروط الإيرانية ذات سقف يصل إلى السماء إعلان انتصارها، وتعكس محاولة لإظهار أن طهران ما تزال قادرة على التفاوض من موقع قوة، أو على الأقل من موقع يمنع فرض استسلام كامل عليها.
إقرأ أيضاً: مجتبى خامنئي.. “الخراساني” الموعود؟
لكن منطق التفاوض يقوم عادة على خفض سقوف المطالب المتبادلة تدريجياً للوصول إلى نقطة وسط تسمح لكل طرف بتقديم النتيجة أمام جمهوره الداخلي باعتبارها إنجازاً.
لهذا، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالاً تدريجياً من منطق المواجهة العسكرية إلى منطق المساومات السياسية، حيث سيحاول كل طرف تعزيز أوراقه قبل الجلوس إلى الطاولة.
في نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت التسوية ستحدث، بل متى وكيف، ومن سيتمكن من تسويق نفسه بوصفه الطرف الذي خرج من هذه الحرب بأقل الخسائر وأكثر المكاسب.
