في ظلّ اشتداد المواجهة الإقليمية واتساع رقعة الحرب المرتبطة بإيران، يعود لبنان إلى واجهة القلق الدولي، ولكن من دون مبادرات حاسمة حتى الآن. تتحرّك فرنسا شبه وحيدة لمحاولة احتواء الانهيار اللبناني ومنع انزلاقه إلى تحوّلات جيوسياسية خطيرة قد تمسّ حدود الكيان اللبناني وصيغة الدولة التي قامت منذ عام 1920. غير أنّ هذا الحراك ما يزال دون مستوى المبادرة السياسية الشاملة، وسط تعقيدات دولية وإقليمية تجعل مستقبل لبنان مفتوحاً على احتمالات صعبة.
تكاد تكون فرنسا اليوم الدولة الوحيدة التي تتحرّك بفعالية نسبية لمنع انهيار لبنان الكامل. فالحرب الدائرة في المنطقة جعلت بيروت خارج سلّم الأولويات الدولية، فيما باتت الأنظار موجّهة إلى المواجهة الكبرى المرتبطة بإيران. وضمن هذا المشهد، يجد لبنان نفسه في عزلة سياسية تشبه إلى حدّ بعيد العزلة التي تعيشها طهران.
في ظلّ اشتداد المواجهة الإقليمية واتساع رقعة الحرب المرتبطة بإيران، يعود لبنان إلى واجهة القلق الدولي، ولكن من دون مبادرات حاسمة حتى الآن
حراك دون مستوى المبادرة
هذا الواقع وضع البلاد على حافة مخاطر تتجاوز الأزمة السياسية والاقتصادية، لتصل إلى تهديدات تمسّ جغرافيا لبنان وحدوده التاريخية. فمع استمرار العمليات العسكرية والتصعيد الإسرائيلي، تتسع عملياً مساحة الأراضي المحتلة، ما يثير مخاوف حقيقية من تغيّرات تدريجية على الأرض.
تعمل الإدارة الفرنسية في هذا السياق على مروحة اتصالات يومية مع أطراف دولية وإقليمية، في محاولة لكبح تدهور الأوضاع. كما فعّلت باريس جسور إغاثة طبية وإنسانية عاجلة نحو لبنان، في مسعى لاحتواء التداعيات الإنسانية للحرب.
لكن هذا النشاط الفرنسي ما يزال أقل من مبادرة سياسية متكاملة. فهو أقرب إلى مشاورات خلف الكواليس لاستمزاج الأفكار والبحث عن نقاط ارتكاز قد تسمح بإطلاق مسار حلّ جديد. وتبدو باريس مدركة أن الظروف الدولية الحالية لا تسمح بسهولة بإطلاق مبادرة ناجحة، لكنها تحاول إبقاء الملف اللبناني حيّاً في النقاش الدولي.
في الوقت نفسه، تسعى فرنسا إلى صياغة تصور لمبادرة محتملة، رغم إدراكها أن فرص نجاحها تبقى محدودة في ظلّ موقف الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب، التي تمنح إسرائيل هامشاً واسعاً من الحركة العسكرية في لبنان والمنطقة.
مع ذلك، ترى باريس أنّ من واجبها الاستمرار في المحاولة، بوصفها الدولة التي ما زالت تعتبر نفسها حاملة الملف اللبناني داخل المنظومة الدولية، وخصوصاً في الأمم المتحدة.
تكاد تكون فرنسا اليوم الدولة الوحيدة التي تتحرّك بفعالية نسبية لمنع انهيار لبنان الكامل. فالحرب الدائرة في المنطقة جعلت بيروت خارج سلّم الأولويات الدولية
قلق فرنسي – فاتيكاني على حدود لبنان
يتزايد القلق الفرنسي بالتوازي مع قلق الفاتيكان من تداعيات الحرب الدائرة، ولا سيما مع تصاعد الضربات الإسرائيلية التي باتت تطاول مناطق واسعة من الأراضي اللبنانية شمال الليطاني وجنوبه.
فهذا التصعيد لا يهدد فقط الاستقرار الأمني، بل يفتح الباب أيضاً أمام تحولات جغرافية محتملة في الجنوب اللبناني، مع تزايد عمليات الإخلاء السكاني للقرى الحدودية، وخصوصاً القرى المسيحية التي بقيت مأهولة طوال مراحل سابقة من الحرب.
ترى باريس والكرسي الرسولي أن تهجير هذه القرى قد يشكّل مدخلاً عملياً لتغييرات تدريجية على الأرض، قد تمتد من حدود اتفاقية الهدنة عام 1949 إلى الخط الأزرق، وصولاً إلى مناطق أبعد باتجاه الليطاني، في سيناريو يثير مخاوف جدية على حدود الكيان اللبناني.
ازداد القلق الفاتيكاني بعد استهداف بلدة القليعة الجنوبية ومقتل راعيها، نظراً إلى المكانة التاريخية والروحية التي تتمتع بها هذه القرى في الوجدان الكنسي.
بالنسبة للفاتيكان وفرنسا، فإن الحفاظ على جغرافيا دولة لبنان الكبير وحدودها يشكّل أولوية استراتيجية. فهذان الطرفان يعتبران أن أي مساس بهذه الصيغة قد يفتح الباب أمام إعادة رسم الحدود في المنطقة، بما يتجاوز لبنان نفسه.
تتميّز دبلوماسية الفاتيكان بقدرتها على العمل الهادئ والبعيد عن الأضواء، لكنها في الوقت نفسه تملك تأثيراً تاريخياً في قضايا الشرق. ومن هذا المنطلق، يسعى الكرسي الرسولي بالتنسيق مع فرنسا إلى تحصين الكيان اللبناني ومنع انهيار صيغته السياسية.
اليوم، يتركّز الحراك الفرنسي على هدف أساسي: الوصول إلى وقف سريع لإطلاق النار يفتح الباب أمام تطبيق القرارات الدولية وتعزيز دور الجيش اللبناني
نشاط دبلوماسي وسط تعقيدات الحرب
في موازاة ذلك، يحاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يواصل اتصالاته الدولية لمحاولة تجنيب لبنان الانهيار الكامل. وقد تواصل حتى مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في محاولة لإبعاد لبنان عن تداعيات الحرب المرتبطة بإيران.
لكن هذه المساعي اصطدمت بواقع معقّد داخل النظام الإيراني، حيث لا يقع القرار العسكري النهائي في يد الرئاسة، بل لدى مراكز قوى أخرى داخل الدولة.
في المقابل، كانت باريس تحضّر لعقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، في خطوة تهدف إلى تعزيز مؤسسات الدولة الشرعية. غير أنّ اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران قلب الحسابات، وفرض واقعاً إقليمياً جديداً.
بينما كانت فرنسا تدفع باتجاه تنفيذ المرحلة الثانية من ترتيبات وقف إطلاق النار في شمال الليطاني، فوجئت بانخراط الحزب في المواجهة الإقليمية، ما وضع لبنان مجدداً في قلب الصراع.
إقرأ أيضاً:
اليوم، يتركّز الحراك الفرنسي على هدف أساسي: الوصول إلى وقف سريع لإطلاق النار يفتح الباب أمام تطبيق القرارات الدولية وتعزيز دور الجيش اللبناني، تمهيداً لاحتمال الانتقال لاحقاً إلى مسار تفاوضي مباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية.
لكن حتى الآن، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سيتحوّل هذا الحراك الفرنسي إلى مبادرة سياسية حقيقية قادرة على وقف الحرب، أم سيبقى مجرّد نشاط دبلوماسي محدود في مواجهة تعقيدات إقليمية ودولية أكبر من قدرة باريس وحدها؟
