تصعيد “الحزب” ضدّ سوريا: رسائل إلى الدّاخل اللّبنانيّ؟

مدة القراءة 5 د

للمرّة الثانية في أقلّ من أسبوع، تُنتزع تصريحات الرئيس السوريّ أحمد الشرع من سياقها، تارةً عبر “بروباغندا” إسرائيليّة مضلّلة، وتارةً أخرى عبر توظيفها بوصفها إعلان حرب ضدّ “الحزب” في لبنان. والحقيقة أنّ موقف دمشق الجديد، الذي تبلور في القمّة الافتراضيّة التي دعا إليها الاتّحاد الأوروبيّ، ليس إلّا دعماً صريحاً لمبادرة الرئيس اللبنانيّ جوزف عون لاستعادة سيادة الدولة.

 

 

بدأت موجة اللغط حين نقلت هيئة البثّ الإسرائيليّة، عن مصادر عربيّة، نيّة الرئيس أحمد الشرع استهداف مواقع لـ”الحزب” على طول الحدود في سهل البقاع. وقد دفع هذا التسريب الشرع إلى إجراء سلسلة اتّصالات عاجلة شملت كلّاً من الرئيس نوّاف سلام، الزعيم وليد جنبلاط، وقائد حزب الكتائب سامي الجميّل.

في هذه الاتّصالات، أعرب الشرع عن تضامنه الواضح مع لبنان في محنته، مؤكّداً أنّ تعزيز الانتشار العسكريّ السوريّ على الحدود يهدف حصراً إلى “ضبط الحدود والحفاظ على الأمن الداخليّ السوريّ”، تماماً كما فعلت دمشق على حدودها مع العراق لمراقبة أيّ اختراقات أمنيّة، مشدّداً على أنّ التنسيق السوريّ سيكون مع مؤسّسات الدولة اللبنانيّة الشرعيّة فقط.

للمرّة الثانية في أقلّ من أسبوع، تُنتزع تصريحات الرئيس السوريّ أحمد الشرع من سياقها، تارةً عبر “بروباغندا” إسرائيليّة مضلّلة، وتارةً أخرى عبر توظيفها بوصفها إعلان حرب ضدّ “الحزب” في لبنان

مبادرة عون لوقف التّصعيد1

خلال الاجتماع الافتراضيّ الذي دعا إليه الاتّحاد الأوروبيّ، بمشاركة رئيس المجلس الأوروبيّ أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضيّة الأوروبيّة أورسولا فون دير لاين، طرح الرئيس اللبنانيّ جوزف عون مبادرة جديدة من أربع نقاط لوقف التصعيد هي:

  1. إرساء هدنة كاملة لوقف الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان.
  2. تقديم الدعم اللوجستيّ الضروريّ للقوى المسلّحة اللبنانيّة.
  3. سيطرة الجيش اللبنانيّ على مناطق التوتّر ومصادرة السلاح فيها، بما في ذلك سلاح “الحزب” ومستودعاته وفق المعلومات المتوافرة.
  4. بالتوازي مع ذلك، بدء مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دوليّة للتوصّل إلى تنفيذ تفاصيل البنود السابقة.

لاقت مبادرة عون دعماً عربيّاً ودوليّاً، وكان من بين أبرز الداعمين الرئيس السوريّ أحمد الشرع، الذي قال: “نقف إلى جانب الرئيس اللبنانيّ جوزف عون في مسار نزع سلاح الحزب”.

أشار في كلمته المقتضبة إلى أنّ الجيش السوريّ عزّز قوّاته الدفاعيّة على الحدود كإجراء احترازيّ لمنع انتقال تداعيات الصراع إلى الأراضي السوريّة، ولمكافحة التنظيمات العابرة للحدود ومنعها من استخدام الأراضي السوريّة.

رواية سرغايا”: اتّهامات غير واقعيّة

في المقابل، صعّد “الحزب” من لهجته ضدّ دمشق، متدثّراً بعباءة “المظلوميّة”، إذ اتّهم سوريا بالتواطؤ في عمليّة إنزال إسرائيليّ فجر الإثنين الماضي في سهل سرغايا، زاعماً أنّ 15 مروحيّة تسلّلت عبر الأجواء السوريّة لتنفيذ إنزال لمشاة اتّجهوا نحو بلدة النبي شيت.

من الناحية العسكريّة، يبدو اتّهام “الحزب” واهياً وغير واقعيّ، فأقرب نقطة حدوديّة سوريّة من جهة سهل سرغايا تبعد أكثر من خمسة كيلومترات عن أوّل منازل النبي شيت. في المقابل، تشكّل السلسلة الشرقيّة الجرداء المحيطة بالبلدة بيئة مثاليّة لأيّ إنزال مروحيّ لأنّها تجنّب المروحيّات وقوّات المشاة الانكشاف من دون الحاجة إلى المرور عبر “ممرّ” سرغايا السوريّ.

في أعقاب حادثة سرغايا، عزّزت الحكومة السوريّة انتشارها في المنطقة عبر إرسال وحدات إضافيّة من الحرس الجمهوريّ، خشية أن يقدم “الحزب” على تصعيد ميدانيّ يهدف لجرّ سوريا إلى دائرة الصراع الإقليميّ.

لا تبدو حكومة الشرع مستعدّة لشنّ عمليّة عسكريّة ضدّ “الحزب”، فهي ملتزمة الموقف العربيّ الذي بات أكثر حزماً في رفض توسيع دائرة الحرب، والدعوة إلى ضبط النفس

توسيع دائرة الحرب

تشير الاعتذارات التي قدّمها الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان ووزير خارجيّته عبّاس عراقجي، عقب القصف الذي طال عدداً من الدول العربيّة إضافة إلى أذربيجان وتركيا، إلى أنّ الحرس الثوريّ الإيرانيّ هو من يقود فعليّاً القرارين السياسيّ والعسكريّ في طهران.

منذ بداية التصعيد، عمل الحرس الثوريّ على توسيع نطاق المواجهة عبر فتح جبهات متعدّدة، سواء من خلال تحريك الفصائل العراقيّة الموالية له التي استهدفت الكويت والمملكة السعوديّة وحتى داخل العراق، أو عبر محاولة إشعال جبهة بين لبنان وإسرائيل من خلال رشقات صاروخيّة قيل إنّها أُطلقت من دون الرجوع إلى القيادة السياسيّة لـ”الحزب”.

ماذا يريد “الحزب”؟ وما هي حسابات دمشق؟

كان المفاجئ تصعيد “الحزب” ضدّ سوريا واتّهامها بتسهيل مرور المروحيّات الإسرائيليّة. يدرك “الحزب” أنّ إدارة الشرع لن تتورّط في الدخول إلى لبنان أو خوض معركة ضدّه، وهو ما تعهّد به الشرع مراراً أمام القادة اللبنانيّين.

إقرأ أيضاً: لبنان… والإفلات من مصير “الحرس الثوري”

لذلك قد يكون الهدف من هذا التصعيد موجّهاً أساساً إلى الداخل اللبنانيّ، في محاولة لتخفيف الضغط السياسيّ والشعبيّ المتزايد على “الحزب”، وربّما أيضاً لإثارة مخاوف بعض المكوّنات اللبنانيّة من احتمال عودة “النفوذ السوريّ” بصيغة جديدة.

من جانبها، لا تبدو حكومة الشرع مستعدّة لشنّ عمليّة عسكريّة ضدّ “الحزب”، فهي ملتزمة الموقف العربيّ الذي بات أكثر حزماً في رفض توسيع دائرة الحرب، والدعوة إلى ضبط النفس وعدم الانزلاق إلى الرغبة الإسرائيليّة في جرّ الدول العربيّة إلى مواجهة مباشرة مع طهران، والاكتفاء بحقّ الدفاع عن النفس واحتواء تداعيات الصراع.

مواضيع ذات صلة

اجتياح 2026: بين منطق شارون وعقيدة شمشون

على مدى خمسة عشر شهراً كان بنيامين نتنياهو يقول إنّ “الحزب” يعيد بناء قدراته، وإنّ الدولة اللبنانيّة لم تقم بواجباتها لنزع سلاحه. وعلى مدى خمسة…

واشنطن وتل أبيب: حرب واحدة… ونهايتان مختلفتان

مع اتّساع المواجهة العسكريّة بين الولايات المتّحدة وإيران، واشتداد الضربات التي تستهدف منشآت عسكريّة وبنى تحتيّة حسّاسة داخل إيران، يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأنّه تحالف…

كيف تفكّر طهران بالتسوية لإعلان انتصارها؟

بعد مرحلة من المواجهة العسكرية غير المسبوقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تعود أسئلة التسوية إلى الواجهة. فبين خطاب أميركي يطالب باستسلام كامل للنظام الإيراني،…

قلق فرنسي – فاتيكاني: هل تتغيّر حدود لبنان؟

في ظلّ اشتداد المواجهة الإقليمية واتساع رقعة الحرب المرتبطة بإيران، يعود لبنان إلى واجهة القلق الدولي، ولكن من دون مبادرات حاسمة حتى الآن. تتحرّك فرنسا…