ترامب والحرب: ما حقيقة البحث عن مخرج مبكر؟

مدة القراءة 5 د

قلب الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الأسواق رأساً على عقب بإعلانه يوم الإثنين أنّ الحرب مع إيران اقتربت من النهاية، فسجّلت أسعار النفط أكبر تحوّل من الارتفاع إلى التراجع خلال يوم واحد على الإطلاق، وهوى الدولار وارتفعت أسواق الأسهم من أميركا إلى آسيا وأوروبا ومنطقة الخليج.

 

كانت المفاجأة كبيرة لأنّ ترامب نفسه كان قد حضّر الأسواق لحربٍ لا تقلّ مدّتها عن أربعة أسابيع، وإذ به في اليوم العاشر يعطي إشارات إلى أنّه لم يعد هناك ما يمكن فعله بآلة الحرب. بل إنّه رفض الإقرار بأنّ المرشد الإيرانيّ الجديد مجتبى خامنئي على قائمة الأهداف، وأوحى بأنّ بعض أهدافه في إيران يمكن تأجيلها إلى مرحلة لاحقة.

ثمّة تفسيران لهذه الانعطافة، أحدهما أدلى به مستشار الأمن القوميّ في النصف الأوّل من ولاية ترامب السابقة جون بولتون، الذي يرى احتمال أن يكون الرئيس الأميركيّ متعمّداً للتلاعب بالأسواق، أي أنهّ أدلى بهذا التصريح ليهدّئ أسعار النفط، بعدما لامست 120 دولاراً صباح الإثنين. ومعلوم أنّ أسعار الوقود مادّة انتخابيّة سريعة الاشتعال في الولايات المتّحدة، ولا يمكن أن يتركها على عواهنها قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفيّ للكونغرس في تشرين الثاني المقبل.

قلب الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الأسواق رأساً على عقب بإعلانه يوم الإثنين أنّ الحرب مع إيران اقتربت من النهاية، فسجّلت أسعار النفط أكبر تحوّل من الارتفاع إلى التراجع خلال يوم واحد على الإطلاق

انعطافة أم إشارة؟

التفسير الثاني يمكن اشتقاقه من كلام لوزير الخارجيّة السابق (في عهد جو بايدن) أنتوني بلينكن، الذي يرى أنّ الحرب الأميركيّة مقيّدة بعاملين: الأسواق والذخيرة. وبتقديره أنّ ترامب سيضطرّ إلى الانعطاف عندما يرى أنّ تراجعات أسواق الأسهم وارتفاعات النفط قد تجاوزت حدّاً معيّناً، وأنّ مخزون الذخيرة ليس بلا حدود، وأنّ إعادة ملئه تتطلّب مالاً ووقتاً.

ليس واضحاً حتّى الآن هل كلام ترامب انعطافة حقيقيّة في مسار الحرب أم إشارة لتهدئة الأسواق وحسب. لكنّ المؤكّد أنّ الأسواق تلقّفت الإشارة فوراً.

غير أنّ ما لم يقُله بولتون وبلينكن أنّ حسابات ترامب للربح والخسارة تتداخل فيها جملة عوامل تتعلّق بأولويّاته الأخرى:

  • في ما يتعلّق بالصين: تأتي الحرب الإيرانيّة فيما الحرب التجاريّة على أشدّها بين واشنطن وبكين، وفيما يستعدّ ترامب لأوّل زيارة للصين في 31 آذار الجاري. في حسابات ترامب أنّ انقطاع إمدادات النفط والغاز المسال والمنتجات البتروليّة تتضرّر منه الصين ودول آسيا، أكثر بكثير من أميركا وأوروبا، باعتبار أنّ الولايات المتّحدة لا تعتمد على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، بل إنّها تحوّلت في العقد الأخير إلى “صافي مصدّر” للنفط والغاز، وإنّ الصين في المقابل أكبر مستورد للنفط في العالم، بما يقارب 10 ملايين برميل يوميّاً، ويكفي أنّ 40% من النفط الذي يمرّ عبر مضيق هرمز يذهب إليها. لكن في حسابات الصين أنّ ارتفاع أسعار النفط يضع ترامب تحت الضغط محليّاً، لأنّ التضخّم أصلاً مرتفع إلى مستويات قريبة من 3%، وسوق العمل يعطي إشارات ضعف مقلقة، فيما التضخّم في الصين لا يتجاوز 1.8%، وهذا يعني أنّ بكين قد تكون أكثر قدرة على استيعاب صدمة الأسعار في المدى القصير.
  • في ما يتعلّق بروسيا: يتصرّف الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين على أنّه الرابح الأكبر، فقد أجبر ارتفاع أسعار النفط ترامب على تخفيف العقوبات عن روسيا من دون أيّ ثمن، إذ سمح للهند باستيراد النفط الروسيّ لمدّة 30 يوماً. وفوق ذلك، تستفيد الخزينة الروسيّة من إيرادات أعلى بكثير نتيجة لارتفاع أسعار النفط والغاز. زد على ذلك أنّ بوتين يراهن على حشر الأوروبيّين في الزاوية بعد قفزة أسعار الغاز، وقد بدأت بعض الأصوات داخل الاتّحاد الأوروبيّ تنادي بالعودة إلى الغاز الروسيّ الرخيص لإبقاء تكاليف الطاقة منخفضة. وكلّ ذلك يمنح بوتين أوراقاً مضافة في المفاوضات لإنهاء الحرب الأوكرانيّة.
  • في حساب المخزونات الاستراتيجيّة للنفط، تتفوّق الصين للمرّة الأولى على أميركا، بمخزونات أكبر بكثير، ربّما تكفي لأربعة أشهر أو أكثر، فيما المخزونات الاستراتيجيّة الأميركيّة لا تتجاوز 415 مليون برميل، وهو رقم منخفض نسبيّاً بالمقارنة مع المستويات التاريخيّة. ولذلك يتريّث ترامب في السحب من المخزونات لئلّا يفرغ جعبته من الأسلحة القابلة للاستخدام في حال طالت الحرب أو طرأت تطوّرات أكثر ضغطاً على الأسواق.

ليس واضحاً حتّى الآن هل كلام ترامب انعطافة حقيقيّة في مسار الحرب أم إشارة لتهدئة الأسواق وحسب. لكنّ المؤكّد أنّ الأسواق تلقّفت الإشارة فوراً

ليس من عدوّ لترامب في هذه الحرب أخطر من الوقت. فكلّ أسبوع إضافيّ يعني أسعار وقود أعلى، وأسواقاً أكثر توتّراً، واقتراباً أكبر من الانتخابات النصفيّة التي قد تحوّل حرباً خارجيّة إلى مأزق داخليّ.

لذلك يراهن على إنجاز الأهداف العسكريّة بأسرع وقت ممكن. وما دامت أميركا تتساءل عن حقيقة أهداف الحرب ولا تجد جواباً مباشراً، يبقى في وسع الرئيس أن يعلن ما يشاء من الأهداف المحقّقة متى دعت الحاجة إلى إطفاء آلة الحرب.

إقرأ أيضاً: من طهران إلى بيروت: حروب بلا نهاية..

 

لمتابعة الكاتب على X:

@OAlladan

مواضيع ذات صلة

لبنان… والإفلات من مصير “الحرس الثوري”

رسالة واحدة بعث بها “الحرس الثوري” مع فرضه مجتبى خامنئي خليفة لوالده في موقع “المرشد”. فحوى الرسالة أنّ “الحرس” وضع يده على إيران وإنّه صاحب…

الأردن بين نيران المحاور: التّوازن في منطقة مشتعلة؟

يدرك الأردن جيّداً أنّه يعيش في منطقة لا تعرف الهدوء طويلاً. فكلّما هدأت جبهة اشتعلت أخرى، وكلّما بدا أنّ التوتّر يتراجع، ظهرت تهديدات جديدة بأشكال…

مجتبى خامنئي.. “الخراساني” الموعود؟

كان اسمه مطروحاً لسنوات مضت وريثاً لوالده على سدّة “مرشد الثورة”، لكن لم يكن ليُختار مكان أبيه الراحل بهذه السهولة، لولا الضرورة الناتجة عن اغتيال…

شرق أوسط جديد بلا دور عربيّ؟

سألني صديق أحترم عمق تفكيره ورجاحة تحليلاته: ألا تعتقد أنّ الحرب الإقليميّة التي نشهدها الآن ستكون خاتمة الصراعات الإقليميّة المسلّحة في المنطقة؟ سؤال عميق يصعب…