سوريا تؤكّد دورها الجديد في لبنان: ضبط الحدود ودعم الدولة

مدة القراءة 6 د

تشهد العلاقة بين دمشق وبيروت تحولات لافتة في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة. فالموقف السوري من سلاح الحزب لم يعد مجرد موقف سياسي عابر، بل بات جزءًا من رؤية أوسع لإعادة ترتيب الأمن الحدودي والعلاقات الثنائية مع لبنان. وفي هذا السياق، تبرز إشارات سياسية وعسكرية متزامنة توحي بأن سوريا تسعى إلى لعب دور جديد في المعادلة اللبنانية، يقوم على دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتشديد الرقابة على الحدود المشتركة، في ظل تصاعد الضغوط الإقليمية على دور الحزب وسلاحه.

 

لم يعد موقف دمشق من سلاح الحزب مجرد تعبير عن تضامن مع الدولة اللبنانية، بل بات يعكس مصلحة سورية مباشرة في معالجة هذا الملف. فإعلان الرئيس السوري أحمد الشرع دعمه للرئيس اللبناني جوزيف عون في مسعى نزع سلاح الحزب، بحسب مصادر مطلعة، لا يمكن اعتباره تصريحًا دبلوماسيًا عابرًا، بل يحمل دلالات سياسية واضحة. فدمشق الجديدة ترى أن استمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة اللبنانية يشكل عامل عدم استقرار في لبنان، وفي الوقت نفسه مصدر تهديد لأمنها الوطني.

دعم سياسي لبناني وحدود أكثر صرامة

جاء هذا الموقف في توقيت إقليمي حساس، مع اتساع دائرة المواجهات في المنطقة، ومع سعي الدولة اللبنانية إلى تثبيت مبدأ حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية. وفي هذا السياق، عبّر الشرع عن وقوفه إلى جانب الرئيس اللبناني، معتبرًا أن معالجة ملف السلاح غير الشرعي تمثل خطوة ضرورية لتعزيز الاستقرار الإقليمي وترسيخ سيادة الدولة اللبنانية.

الموقف السوري من سلاح الحزب لم يعد مجرد موقف سياسي عابر، بل بات جزءًا من رؤية أوسع لإعادة ترتيب الأمن الحدودي والعلاقات الثنائية مع لبنان

لكن أهمية هذا الموقف لا تقتصر على التصريحات السياسية. فبحسب مصادر متابعة، بدأت دمشق بالفعل خطوات عملية لترجمة هذا التوجه على الأرض. إذ عززت القوات السورية انتشارها العسكري على طول الحدود مع لبنان، ودفع الجيش السوري بآلاف الجنود إلى مناطق حدودية حساسة. وتؤكد دمشق أن الهدف من هذه الإجراءات يتمثل في منع تهريب الأسلحة والمخدرات ووقف تسلل المسلحين إلى الأراضي السورية، ومن بينهم عناصر مرتبطة بالحزب.

هذا الانتشار يعني عمليًا تضييق أحد أهم المسارات التي اعتمد عليها الحزب لسنوات طويلة، إذ شكّلت الأراضي السورية ممرًا رئيسيًا للإمدادات اللوجستية وخطوط العبور. وبذلك، يبدو أن المقاربة السورية تقوم على إضعاف هذه الشبكة عبر السيطرة على المعابر والمسالك الحدودية، باعتبار أن تقليص هذه القنوات يحدّ من قدرة الحزب على الحركة وإعادة التموضع.

اتصالات سياسية وتوازنات لبنانية جديدة

تكتسب الاتصالات السورية مع المسؤولين اللبنانيين أهمية خاصة في هذا السياق. فقد أجرى الرئيس السوري اتصالًا هاتفيًا برئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، أوضح خلاله طبيعة الحشود العسكرية السورية على الحدود. وبحسب مصدر مقرب من الحكومة السورية، شدد الشرع خلال الاتصال على أن هذه الإجراءات تهدف حصريًا إلى حماية الأمن الداخلي السوري وضبط الحدود، مؤكدًا أن دمشق تعتمد إجراءات مشابهة على حدودها مع العراق.

كما أكد أهمية استمرار التنسيق الأمني بين البلدين، في رسالة حملت بعدين أساسيين: الأول طمأنة بيروت إلى أن التحركات العسكرية السورية لا تستهدف لبنان، والثاني التأكيد أن أمن الحدود أصبح بالنسبة إلى دمشق مسألة سيادية لا يمكن التساهل فيها.

العلاقة بين القيادة السورية الجديدة والمؤسسات اللبنانية لم تبدأ مع هذه الاتصالات فقط. فبعد انتخاب جوزيف عون رئيسًا للجمهورية، بادر الشرع إلى تهنئته هاتفيًا، مؤكدًا أهمية بناء علاقات إيجابية بين البلدين وتعزيز المصالح المشتركة. واستمر هذا التواصل لاحقًا، ما يعكس توجّه دمشق إلى التعامل مع لبنان عبر مؤسساته الرسمية، بعيدًا من القنوات غير الرسمية التي سادت في مراحل سابقة.

في الإطار نفسه، تشير معلومات إلى أن الاتصال الذي أجراه الشرع مع رئيس حزب الكتائب اللبنانية سامي الجميّل وغيره من القيادات اللبنانية المتنوعة الانتماءات الحزبية يتجاوز مسألة تطمين القوى السياسية بشأن الانتشار العسكري السوري. فدمشق، وفق هذه المعطيات، تسعى إلى فتح قنوات تواصل مع مختلف القوى اللبنانية، بعيدًا من الاصطفافات التقليدية.

لا يبدو أن سوريا تتجه نحو دور عسكري مباشر داخل لبنان، بل نحو دور سياسي وأمني يقوم على تشديد الرقابة على الحدود وتجفيف قنوات الدعم اللوجستي

رغم أن هذا المسار لا يشمل الحزب في الوقت الراهن، فإنه لا يعني قطع التواصل مع الطائفة الشيعية في لبنان. إذ تشير المعطيات إلى احتمال حصول تواصل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في الفترة المقبلة، في إطار مقاربة سورية تسعى إلى التمييز بين الطوائف اللبنانية وبين قضية السلاح خارج الدولة.

حوادث حدودية ورسائل أمنية

في خضم هذه التطورات، شهدت الحدود السورية اللبنانية حادثة لافتة. فقد أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية أن قذائف أطلقت من الجانب اللبناني باتجاه مواقع للجيش السوري قرب بلدة سرغايا، وسقطت داخل الأراضي السورية. وردّ الجيش السوري بالإعلان عن تواصله مع الجيش اللبناني لبحث الحادثة وتحديد الإجراءات المناسبة.

تشير مصادر سورية إلى أن أحد الاحتمالات المطروحة هو أن تكون الحادثة قد وقعت نتيجة خطأ غير مقصود. لكنها شددت في الوقت نفسه على أن أي تكرار لمثل هذه الحوادث لن يمر من دون رد مناسب، ما يعكس تمسك دمشق بسياسة ضبط النفس من جهة، والاستعداد للدفاع عن أمنها من جهة أخرى.

إقرأ أيضاً: ماذا فعلت مستشارة ماكرون في دمشق؟

في المقابل، لا يستبعد بعض المراقبين أن تكون هذه الحادثة مرتبطة بالمناخ السياسي الذي تلا إعلان دمشق دعمها لمسار نزع سلاح الحزب. ومع ذلك، تبقى هذه الفرضية موضع نقاش، خصوصًا أن الحزب منخرط أساسًا في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، ولا تبدو لديه مصلحة في فتح جبهة إضافية مع سوريا في هذه المرحلة.

لا يبدو أن سوريا تتجه نحو دور عسكري مباشر داخل لبنان، بل نحو دور سياسي وأمني يقوم على تشديد الرقابة على الحدود وتجفيف قنوات الدعم اللوجستي، بالتوازي مع دعم الدولة اللبنانية رسميًا في مسار تعزيز سيادتها. وبهذا المعنى، فإن التحرك السوري الحالي يشير إلى مرحلة جديدة في العلاقة بين البلدين، حيث تتحول الحدود إلى عنصر أساسي في إعادة رسم التوازنات، وفي الضغط المتزايد باتجاه إنهاء مرحلة السلاح الموازي للدولة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@LaraMounif

مواضيع ذات صلة

مجتبى الأسد

هو ثالثُ المُرشدين وثاني أبناء المُرشد الرّاحل علي خامنئي وأوّل الوارثين في نظام الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران. مُجتبى خامنئي الذي خرجَ من خلفِ السّتارةِ بعدما…

حكومة “الحرب”: تفاوض من دون شروط

جرّ التمديد لمجلس النوّاب لعامين “تجديداً” لعمر الحكومة عامين أيضاً. لا حديث راهناً عن تغيير وزاريّ قد يطال بعض الأسماء، خصوصاً أنّ هناك رفضاً عامّاً…

لا مبادرة تعلو فوق صوت هدير الغارات

في معظم الاستحقاقات التي فرضتها الحرب على الجبهة الجنوبية، بدا القرار اللبناني وكأنه يلحق بالأحداث بدل أن يسبقها. حصل ذلك في آلية الـMechanism التي تأخر…

هل وافق رئيس الجمهوريّة على بيان الجيش؟

اقتحم المشهدَ الداخليَّ المتأزّمَ، بفعل دخول “الحزب” على خطّ الحرب، عنصر إضافي زاد من منسوب الاحتقان، ووضع الجيش في “بوز” مدفع الاتّهامات بعدم تنفيذ قرارات…