سؤال الخليج: ما العمل؟

مدة القراءة 6 د

كان بإمكان إيران أن تلعب على وتر التعدّد الذي عُرف داخل مجلس التعاون الخليجيّ منذ قيامه عام 1981. كان بإمكانها أن تنتهز تباينات ظهرت أخيراً للصيد في ماءٍ تعكَّر. كان بإمكانها الاعتراف بجميل دولٍ لطالما نسجت علاقات ودٍّ وتعاون معها، حتّى نالتها في بعض الأحيان تمارين الغمز واللمز من الدول الشقيقة. كان بإمكانها أن تراعي أصول التعامل مع دولة أبرمت معها اتّفاقاً في بكين عام 2023 برعاية دولة كبرى كالصين، شريكة الدولتين. لكنّ طهران لم تفعل، بل تعاملت مع هذا التعدد بحقد لم تُوارِه منذ عقود.

 

 

لم تُخيّب إيران يوماً ظنّ دول الخليج. قام مجلس الخليجيّين أساساً ردّاً على ما اعتقدوه خطراً تطلّ به جمهوريّة روح الله الخمينيّ. ومنذ ذلك الحين أخلصت طهران في تأكيد ما اعتقده الخليجيّون احتمالاً. خلال العقود الأخيرة هدّدت استقرار البحرين. زرعت خلايا الشرّ في الكويت. نالت مسيّراتها الحوثيّة المصدر من أمن الإمارات. ضرب إرهابيّوها وصواريخها حاضرات المملكة السعوديّة ومجمّعات الطاقة فيها. ولئن لم تسلم قطر من صواريخها قبل أشهر، فإنّها وسلطنة عُمان (عنوان الوساطة التاريخيّ) وبقيّة دول المجلس وقعت جميعها هذه الأيّام، ومن دون استثناء، داخل خريطة الأهداف.

كان بإمكان إيران أن تلعب على وتر التعدّد الذي عُرف داخل مجلس التعاون الخليجيّ منذ قيامه عام 1981

تجاوز الخلافات؟

حسناً فعلت دول الخليج قبل عقود في استباق ذلك الخطر الذي كان آتياً لا محالة. تسلّحت جميعها بمنظومات دفاع جوّيّ اتّقاءً لشرّ لم تكن جمهوريّة الوليّ الفقيه تُواري حقيقته. وحتّى حين كان وزراء ومسؤولو إيران يجوبون في عواصم “المجموعة” ينثرون ورود الودّ ووعود التآلف وفتح الصفحات الجديدة، كانت عقيدة “اعقل وتوكّل” سائدة لدى وزارات الدفاع الخليجية، فيما كانت وزارات الخارجية والقيادات السياسية تعمل بجد وإيمان لنسج أصدق علاقات الاستقرار والتعاون التي تفرضها ضريبة الجغرافيا.

اتّصل وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان قبل أيّام بكلّ زعماء دول الخليج. تجاوزت العواصم خلافاتها، وتقاطعت في لحظة خطر جماعيّ تبرّعت طهران في إظهارها للجميع. تغيّرت المنطقة في ثوانٍ، وبدت الصواريخ والمسيّرات التي تضرب الأحياء الآمنة في مدن البلدان الستّة مناسبة لشرخ تاريخيّ في علاقة كلّ “المجلس” مع النظام الحاليّ في إيران. عملت كلّ العواصم على السعي إلى تجنّب الحرب والعثور على توافقات التعايش مع طهران. وبدا أنّ كلّ العواصم باتت تُجمع الآن على أن لا أمان لها ولا استقرار مع هذا النظام.

زعم وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي أنّ الوجهة الخليجيّة للضربات هي نتيجة خلل في تواصل القيادة المركزيّة والقوّات العسكريّة. اعتذر الرئيس مسعود بزشكيان عن الأمر، مكرّراً التبرير، قبل أن يعود عن أقواله وتنهمر رسائل الموت من جديد. هو قرار مركزيّ اتّخذته القيادة المرتجلة يهدف إلى جعل أحد أهمّ مصادر الطاقة في العالم في خطر، وهو عصب الطاقة الأوّل، على الأقلّ بالنسبة لاقتصادات كبرى مثل الصين والهند واليابان. بدا أنّ الغرض ممارسة كلّ هذه الدول ضغوطاً على أهل الحرب لوقفها. فيما تميل كلّ أو أكثر تلك الدول إلى تموضع قد يكون عسكريّاً بهدف تقصيرها وحسم مآلاتها.

قبل أيّام وجّه رئيس دولة الإمارات الشيخ محمّد بن زايد رسالة حاسمة حازمة إلى “العدوّ”. تعرّضت بلاده لحملة قصف فاقت إيقاعاتها تلك التي شنّتها إيران ضدّ إسرائيل. أظهر الرئيس الإماراتيّ مزاجاً غاضباً من “غدر” من يعرف بالتفصيل والتواصل ماذا فعلت الإمارات ودول الخليج لتجنيب إيران الأيّام السود. وجّه الشيخ محمّد بن زايد رسالة إلى من وصفه بـ”العدوّ” قال فيها: “لا تغشّكم الإمارات، جلدها غليظ ولحمتها مُرّة. لا نُؤكل ونقوم بواجبنا تجاه بلادنا وأهلنا والمقيمين”.

وفق الوقائع الميدانيّة والحقائق الجيوسياسيّة يناقش الخليجيّون داخل غرف القرار مستقبل موقفهم وتموضعهم الجماعيّ من حرب تجري في المنطقة وداخل أحيائهم

تحوُّل محتمل

هو إنذار خليجيّ يعبّر عنه الرئيس الإماراتيّ. يتداول زعماء المجموعة الخليجيّة بشكل يوميّ أدوات التنسيق والتعاون العسكريّ والسياسيّ الواحد. منعت دول الخليج استخدام أراضيها مصدراً للحرب ضدّ إيران، فكان أن باتت جميعها جزءاً من حرب أرادتها إيران خراباً جماعيّاً في كلّ المنطقة. في بال قادة المجموعة الاستمرار بالتحلّي بالحكمة ورفض الانجرار إلى ما قد يصل بالأمور إلى نقطة اللاعودة. في أبجديّات الدفاع تلك الدروع المضادّة التي تُسقط صواريخ العدوّ ومسيّراته. لكن في أبجديات العسكر أنّ “الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع”.

سرّبت كلمات الشيخ محمد بن زايد أعراض تحوُّل محتمل. لا تُظهر جميع المنابر الرسميّة الخليجيّة أيّ خطط للذهاب بعيداً وتجاوز حدود الوسائل الحاليّة. تكشف المعلومات عن تحذيرات نقلها وزير الخارجيّة السعوديّ الأمير فيصل بن فرحان في اتّصال مع نظيره الإيرانيّ. وتسرّب “رويترز” تهديداً بالسماح باستخدام القواعد (التي حُظرت) كإجراء دفاعيّ إذا ما استمرّ استهداف المملكة. تراقب الرياض وبقيّة عواصم المنطقة التحوّلات التي تظهرها لندن وباريس وبرلين.. وغيرها، وتدفع بها إلى “ساحة” الحرب بأشكال مختلفة. بعض تلك الهمّة يهدف إلى حضور الموسم لنيل جزء من حصاده.

إقرأ أيضاً: إيران… كوبا الكبرى في الشّرق الأوسط

في الأسئلة مأزق الموقف من حرب تشنّها الولايات المتّحدة “ومعها إسرائيل”. وفي الأسئلة ما يطال جدوى وجود قواعد أميركيّة لا تردع خطراً بل باتت تستدرجه. وفي الأسئلة ديناميّة قرار في التعامل مع كرّ وفرّ يقرّرهما الحاكم في واشنطن والحاكم في طهران يبدآن وينتهيان وفق مزاج وحسابات ومصالح العاصمتين.

وفق الوقائع الميدانيّة والحقائق الجيوسياسيّة يناقش الخليجيّون داخل غرف القرار مستقبل موقفهم وتموضعهم الجماعيّ من حرب تجري في المنطقة وداخل أحيائهم. وإذا كان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب يردّد أنّه لا يقبل أن يأتي الأسوأ ليحكم إيران بعد الإطاحة بالسيّئ، فحريّ بدول المنطقة أن تكون جزءاً من التحوّلات، وأن تشارك في رسم مستقبلها بالإطلالة المباشرة على ما يُرسم لمستقبل إيران وطبيعة الحكم المقبل فيها. هو نقاش تضغط به عجلة لا تسمح بترف النقاش، بما قد يشي بتحوّلات حازمة قد لا تكون بعيدة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

شرق أوسط جديد بلا دور عربيّ؟

سألني صديق أحترم عمق تفكيره ورجاحة تحليلاته: ألا تعتقد أنّ الحرب الإقليميّة التي نشهدها الآن ستكون خاتمة الصراعات الإقليميّة المسلّحة في المنطقة؟ سؤال عميق يصعب…

من طهران إلى بيروت: حروب بلا نهاية..

تطرح الحرب الدائرة في الشرق الأوسط سلسلة من الأسئلة الثقيلة: إلى أي مدى يمكن أن تمتد؟ وكيف يفكر كل من الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؟ وما…

رسائل انخراط محدود: أين اختفى حلفاء إيران؟

تواجه إيران اليوم اختباراً مزدوجاً: الحفاظ على نفوذها عبر أذرعها الإقليميّة، وفي الوقت نفسه التعامل مع الضغوط الداخليّة والخارجيّة التي أصبحت هذه الأذرع أحد أسبابها….

موسكو والحرب: الوجود الأميركيّ لم يحمِ الخليج

مثلما تورّطت إيران وإسرائيل في حرب روسيا مع أوكرانيا، بانحياز كلّ منهما تباعاً، الأولى لموسكو بتزويدها بالمسيّرات، والثانية بمنحها كييف أسلحة، تنظر القيادة الروسيّة إلى…