لطفية الدليمي.. أيقونه تودّع خيبات جيلنا

مدة القراءة 6 د

صباح اليوم الأحد ٨ اذار 2026  لطفية الدليمي، في لحظة فقدان توشح بالحسرة على عراق لم ينصف  قامات زهت الدنيا بها وما أشاعته من قيم وخلق إبداعي في ظل سيادة التفاهة والرثاثة وفقدان الضمير .

 

فقدنا صوتاً معرفياً هادئاً وعقلاً نيراً كرس حياته للكتابة والترجمة والعمل الثقافي بصبر  وإيمان عميق بقيمة المعرفة في زمن يضيق بمبدعيه ورواده الخلاقين في كل ميادين الفرح والتوق لفضاء يحتفي بهم. .

كرست لطفية الدليمي حياتها في خدمة الكتاب، بوصفه مسؤولية فكرية تجاه القارئ وتجاه الثقافة العراقية التي ظلت طوال سنوات عملها تحاول أن تدافع عنها بالكلمة الواضحة والعمل الجاد والانفتاح على الفكر العالمي. كتبت الرواية واشتغلت على الترجمة وقدمت للقارئ العربي أعمالاً فكرية وعلمية مهمة، وكانت حريصة دائماً على أن يكون حضور المعرفة في الثقافة العربية حضوراً حياً ومؤثراً، لا مجرد صدى بعيد لما ينتجه العالم.

عرفناها في دار المدى كاتبةً تغني مشروعنا الثقافي، ورأت الدار في أعمالها نموذجاً للكاتب الذي يعمل بصمت وبإخلاص، بعيداً عن الضجيج، مؤمناً بأن الكتابة عمل طويل يتطلب الصبر والالتزام والاحترام العميق لعقل القارئ وذائقته. كانت لطفية الدليمي جزءاً فعالاً من هذا الجهد الثقافي الذي حاول خلال سنوات صعبة أن يحافظ على حضور الكتاب والمعرفة في الحياة العراقية.

إن فقدانها اليوم يترك شعوراً قاسياً مشبوباً بالفقد، إذ يأتي في هذا الزمن المضطرب. وهي في أوج نشاطها الإبداعي لم يمنعها معاناة المرض وأوجاعها المضنية. وهي التي كانت  واحداً من العقول التي آمنت بأن الثقافة ليست ترفاً بل ضرورة، وأن الكتابة ليست مجرد تعبير فردي بل فعل مسؤولية تجاه المجتمع والتاريخ. وفي زمن الرصاصة وصعود الإرث القميء، نفقد هذا العقل النير الذي اختار أن يقف في صف المعرفة والعقل والعمل الثقافي الجاد.

في الأيام الأخيرة من حياتها بقيت وفية لهذا الطريق حتى النهاية. ظلت تكتب وتترجم إلى آخر لحظة

إن أكثر ما يذكرني رحيل لطفية الدليمي بتقاليد الرثاء الكبرى في الأدب العالمي، تلك اللحظات النادرة التي نقف فيها أمام موت كاتب فنكتشف أن اللغة نفسها تصبح أضيق من الحزن الذي نريد قوله. أتذكر أولاً ما كتبه الشاعر الإنكليزي أودن وهو يرثي الشاعر الإيرلندي وليم بتلر ييتس حين قال “اختفى في قلب الشتاء، وكانت الجداول متجمدة، والمطارات شبه خالية”. ما أشبه ذاك اليوم بهذا اليوم الذي تعيش فيه منطقتنا لحظات الحرب العصيبة،   المطارات شبه خالية ووجوهنا صامتة بينما خسر الأدب أحد اجمل أصواته. هكذا يحدث دائماً حين يرحل الكتّاب الكبار، لا تتوقف المدن ولا يتباطأ الزمن لكن شيئاً عميقاً يتغير في روح الثقافة نفسها.

ويعود الذهن أيضاً إلى تلك الكلمات النادرة التي كتبها ليو تولستوي حين مات دستويفسكي، وقد أدرك بعد موته أنه كان أقرب الناس إليه وأكثرهم ضرورة له. كانت تلك الكلمات القصيرة واحدة من أعظم مراثي الأدب، لأنها كشفت أن فقد الكاتب الكبير لا يخص أصدقاءه وحدهم، بل يخص كل من عاش في العالم نفسه الذي عاش فيه. وكذلك حين رحل ألبير كامو كتب معاصروه كلمات مشابهة، لأنهم شعروا أن العقل الأخلاقي لعصر كامل قد انطفأ فجأة، وأن القرن العشرين خسر أحد أكثر ضمائره وضوحاً.

هكذا يبدو الأمر اليوم ونحن نودع لطفية الدليمي. فليس الأمر مجرد رحيل كاتبة أو مترجمة انما شعور ثقيل بأن الثقافة العراقية تفقد واحداً من عقولها التي كرست حياتها للمعرفة والعمل الثقافي. لقد كانت الدليمي علامة واضحة في الرواية العراقية الحديثة، لكنها أيضاً مترجمة جادة نقلت إلى العربية كتباً مهمة في الفكر العلمي والثقافة المعاصرة، واشتغلت طوال سنوات طويلة على فكرة نادرة في الأدب العربي: أن المعرفة ليست منفصلة عن الأدب، وأن الرواية يمكن أن تكون مساحة للتفكير، وأن الترجمة يمكن أن تكون جسراً يربط القارئ العربي بالعالم الواسع من حوله.

كانت لطفية الدليمي جزءاً فعالاً من الجهد الثقافي الذي حاول خلال سنوات صعبة أن يحافظ على حضور الكتاب والمعرفة

وفي الأيام الأخيرة من حياتها بقيت وفية لهذا الطريق حتى النهاية. ظلت تكتب وتترجم إلى آخر لحظة. قبل أيام قليلة فقط أرسلت ترجمتها لواحد من الكتب المهمة في مجال المعرفة وهو كتاب ” كتاب التحول الكبير: أفكار لعالم آت” أرادت أن تخبرنا قبل رحيلها عن عالمنا الآتي، وكأنها تريد أن تضع آخر حجر في ذلك البناء الثقافي الذي أمضت حياتها تشيده بصبر وإخلاص. وهذا دأبها دائماً أن تعمل بصمت وأن تضع الكتاب في يد القارئ، وأن تمضي إلى عمل جديد دون ضجيج أو ادعاء.

وهذا ما يذكرني أيضاً بواحد من أولئك النادرين الذين عاشوا للترجمة كما يعيش الناس لرسالة وهو المترجم السوري الكبير أسامة منزلجي الذي بعث مخطوطته الأخيرة إلى دار المدى بترجمة لواحدة من أروع الروايات الأميركية “الرجل الذي عاش تحت الأرض” لريتشارد رايت ثم رحل بعدها مباشرة. هؤلاء الناس يشبهون بعضهم: يعيشون حياتهم كلها داخل الكتب، ويغادرون العالم وهم ما زالوا يعملون، كأنهم لا يعرفون طريقة أخرى للعيش سوى خدمة المعرفة.

لكن ما يجعل الحزن أثقل اليوم هو الشعور بأن هذا الرحيل يأتي ضمن سلسلة طويلة من الخسارات التي عاشتها الثقافة العراقية في السنوات الأخيرة. يا إلاهي كم فقدنا خلال عقد واحد من الزمن: فائق بطي، فؤاد التكرلي، وسعدي يوسف، وعادل حبه، وعلي الشوك، وفوزي كريم، وابتسام عبد الله، وحسب الشيخ جعفر، وعبد الرحمن مجيد الربيعي، وكريم العراقي، ومظفر النواب، وناجح المعموري والآن لطفية الدليمي. وقامات اخرى اغنت الحركة الثقافية وساهمت في تحديثها وتجديدها؛ أسماء كانت تشكل جزءاً من ذاكرة العراق الثقافية ومن صورته الفكرية أمام العالم، أسماء صنعت عبر عقود طويلة معنى الأدب العراقي وعمقه الإنساني.

كرست لطفية الدليمي حياتها في خدمة الكتاب، بوصفه مسؤولية فكرية تجاه القارئ وتجاه الثقافة العراقية

وما يزيد الألم أن هذا الرحيل يحدث في زمن قاسٍ، زمن تتراجع فيه الثقافة ويصعد فيه العنف والضجيج والخذلان إلى الواجهة، زمن تصبح فيه الرصاصة أعلى صوتاً من الكتاب، ويظهر فيه الهامشي والوضيع بينما يغيب الذين كرّسوا حياتهم للمعرفة والكتابة. في مثل هذا الزمن يبدو فقدان الكتاب الكبار أشبه بفقدان الضوء في غرفة كانت أصلاً تعاني من العتمة.

ومع ذلك يبقى عزاؤنا الوحيد أن هؤلاء الكتاب لم يعيشوا في الزمن العابر وحده، بل عاشوا في الكتب التي تركوها خلفهم. لقد عاشوا في اللغة التي كتبوا بها، وفي الأفكار التي دافعوا عنها، وفي الأثر الذي تركوه في حياة قرائهم. وهذا الأثر لا يختفي بسهولة، مهما تغيرت الأزمنة ومهما ارتفع الضجيج من حوله.

نتقدم بخالص التعزية إلى عائلتها وأصدقائها وقرائها، ونستذكر بامتنان ما قدمته للأدب والترجمة والثقافة العراقية. وستبقى جزءاً من تلك الذاكرة الثقافية التي لا تموت بسهولة، لأن الثقافة الحقيقية لا تقاس بعدد السنوات التي يعيشها الكاتب، بل بما يتركه من أثر في اللغة وفي عقل القارئ وفي معنى الزمن الذي عاش فيه. لقد رحلت لطفية الدليمي، لكن ما تركته من كتب وأعمال سيبقى جزءاً من تاريخنا الادبي والمعرفي الذي ستواصل الأجيال القادمة قراءته والعودة إليه دائما وأبداً.

*نقلاً عن موقع المدى

مواضيع ذات صلة

سلمى مرشاق: حين يُهزم العنف أخلاقياً

لم تكن سلمى مرشاق، في الوعي العام، مجرد “والدة” لقمان سليم. منذ لحظة اغتياله في 4 شباط من العام 2021، تحوّلت إلى صوت موازٍ لصوته،…

محسن دلّول… رجلُ الممرّات الخلفيّة في تاريخٍ صاخب

ليس سهلاً اختصار حياة محسن دلول الذي رحل عن ثلاثة وتسعين عاماً، في توصيف سياسيّ مباشر، ولا في سيرة تقليديّة تُعدّد المناصب والسنوات. الرجل الذي…

رحل محسن دلّول.. ناقل بريد السّياسيّين

ملتسبة وصعبة هي الكتابة عن محسن دلول، تماماً كحياته. فهي كتابةٌ تورّطك قبل أن تصنع في آخر الورطة مخرجاً، وتحرجك حين تتحوّل الحقائق إلى ألغام…

محمّد بركات حامل مفاتيح الجنّة

“دار الأيتام وجدتني، وأنا وجدت نفسي. الانتماء قضيّة أساسيّة، وأنا اعتبرت أنّ الله اختارني لمنصب مدير مؤسّسة الأيتام. أمّا التصاق اسم شخص بعمل معيّن، فهذا…