في مقابلة مع الإعلاميّة كريستيان أمانبور “CNN”، قدّم الأمير تركي الفيصل “الخزان العميق لذاكرة الحروب الشرق أوسطيّة والحافظ لمسارات الرئاسات الأميركيّة تجاه المنطقة” تصوّراً نادراً وغير معتاد لطبيعة الصراع في الشرق الأوسط يصوّر المنطقة على أنّها محاطة بثلاث “أجندات كارثيّة” تعمل على فرض رؤاها وتوجيه الأحداث وفق مصالحها أو رؤيتها الأيديولوجيّة.
أوضح الفيصل أنّ هذه الأجندات هي:
- الأجندة الإسرائيليّة: ترتبط بفكرة “إسرائيل الكبرى”، وهي أجندة توسّعيّة يسعى من خلالها بعض المسؤولين الإسرائيليّين، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى السيطرة على مساحات تمتدّ من نهر النيل إلى الفرات. تمثّل هذه الرؤية التوسّعيّة، وفق الفيصل، خطراً جيوسياسيّاً واضحاً على استقرار المنطقة، ولا تقتصر تداعياتها على الصراع الفلسطينيّ – الإسرائيليّ، بل تمتدّ إلى بنية التحالفات الإقليميّة ككلّ.
- الأجندة الإيرانيّة: مبنيّة على بعد عقائديّ مرتبط بعقيدة ظهور الإمام المهديّ الغائب، الذي يعود وفق المعتقد الشيعيّ ليجعل العالم مكاناً يسوده السلام ويهيّئ لمجيء المسيح. بهذا الطرح، لا تُفهم السياسات الإيرانيّة الإقليميّة فقط كخيارات دولة عاديّة، بل كمشروع طويل الأمد يهدف لإعادة تشكيل النظام الإقليميّ وفق رؤية أيديولوجيّة ودينيّة. توضح هذه القراءة سبب القلق الخليجيّ من توسّع النفوذ الإيرانيّ، خاصّة بعد حرب غزّة الأخيرة وتصاعد دور إيران في دعم حلفائها في لبنان واليمن وفلسطين.
- الأجندة الصهيونيّة–المسيحيّة في الولايات المتّحدة: التيّارات الدينيّة والسياسيّة الأميركيّة، خاصّة التيّارات الإنجيليّة، ترى أنّ وجود إسرائيل ضروريّ لتحقيق نبوءات دينيّة مرتبطة بعودة المسيح. وفق الفيصل، هذا البعد يتجاوز المصالح التقليديّة للدولة، ويؤثّر أحياناً في السياسات الأميركيّة تجاه الشرق الأوسط، بما في ذلك دعم إسرائيل أو توجيه الردود العسكريّة ضدّ خصومها الإقليميّين.
بهذا الجمع بين المشاريع الثلاثة، وضع الفيصل الشرق الأوسط في إطار صراع متعدّد الأبعاد: جيوسياسيّ، عقائديّ، وأيديولوجيّ، حيث ترى الأطراف أنّ الحرب جزء من قدر تاريخيّ أو دينيّ وليست خياراً سياسيّاً فقط.
أبرز ما يميّز تصريح الفيصل هو تحذيره ممّا يمكن تسميته “حروب النبوءات” التي يرى أنّ الأطراف قد لا تتعامل من خلالها مع الحرب كخيار سياسيّ، بل كقدر تاريخيّ أو دينيّ
أهمّيّة التّصريح ومكانة المتحدّث
صدور هذا التحليل عن الأمير تركي الفيصل له دلالات خاصّة على ثلاثة مستويات:
- وزن الشخصيّة وخبرتها: تركي الفيصل ليس أميراً أو محلّلاً سياسيّاً وحسب، بل كان ركناً أساسيّاً في “المطبخ” السياسيّ والأمنيّ والاستراتيجيّ السعوديّ بحكم عمله السابق رئيساً للاستخبارات، وسفيراً للمملكة في الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة. هذه الخلفيّة تمنحه اطّلاعاً معمّقاً على آليّات صنع القرار في الرياض، وعلى الملفّات الإيرانيّة والإسرائيليّة والأميركيّة. تصريحاته العالية النبرة وآراؤه الجريئة عادة ما تعكس نقاشات داخل النخبة الاستراتيجيّة السعوديّة، حتّى لو لم تصدر بصيغة رسميّة.
- طبيعة الرسالة: التصريح يكسر القالب الدبلوماسي للخطاب السعوديّ الذي يركّز على الاستقرار والدولاتيّة ويبتعد عن ربط السياسة بالصراعات العقائديّة. إذ يقدّم الصراع كصراع بين مشاريع أيديولوجيّة كبرى، موحياً بأنّ الخطر لا يأتي من طرف واحد، بل من تعدّد المشاريع المتنافسة، وهو ما يمكن تسميته بـ”حروب النبوءات”.
- التوقيت الإقليميّ: جاء التصريح بعد حرب غزّة الأخيرة وما سادها من سرديّات إسرائيليّة توراتيّة والحرب الوجوديّة وتصاعد التوتّر بين إيران وإسرائيل على وقع استحضار التاريخ والعقائد، فعاد الصراع إلى مستوى أيديولوجيّ مرتفع، في ظلّ محاولات لإعادة ترتيب التحالفات الإقليميّة والتوازنات الاستراتيجيّة.
الرّسائل الضّمنيّة وتراجع الثّقة بالأميركيّ
حملت تصريحات الفيصل رسائل دقيقة لكلّ طرف في الصراع:
- إلى إيران: السياسات الإيرانيّة ليست سياسة دولة وحسب، بل مشروع أيديولوجيّ طويل الأمد، مرتبط برؤية دينيّة لتغيير النظام الإقليميّ. يبرّر هذا التوضيح القلق الخليجيّ من توسّع النفوذ الإيرانيّ، خاصّة مع قدراتها الصاروخيّة والطائرات المسيّرة وأذرعها المنتشرة في المنطقة.
- إلى إسرائيل: أيّ تقارب محتمل مع الرياض لا يعني قبول هيمنتها أو توسّعها أو على حساب القضيّة الفلسطينيّة وتجاوز حلّ الدولتين كمخرج سياسيّ وحيد للأزمة. يمثّل مشروع “إسرائيل الكبرى”، كما وصفه الفيصل، توسّعاً يجب ضبطه لضمان استقرار المنطقة.
- إلى الولايات المتّحدة: السياسة الأميركيّة تجاه الشرق الأوسط ليست مصالح استراتيجيّة فقط، بل قد تتأثّر أحياناً بعوامل عقائديّة، مثل التيّار الصهيونيّ–المسيحيّ الذي يرى حماية إسرائيل جزءاً من نبوءات دينيّة مرتبطة بعودة المسيح.
الرسالة هنا واضحة: قرارات واشنطن يجب أن تراعي مصالح المنطقة واستقرارها لا الرؤى العقائديّة أو التفسيرات الدينيّة فقط. يعكس الخطاب ضمناً تراجع الثقة المطلقة للسعوديّين بالمظلّة الأميركيّة، لا انهيارها. أي أنّ السعودية على الرغم من محافظتها على شراكتها الأمنيّة الأساسيّة مع واشنطن، لم تعد تعتبر حمايتها ضمانة كافية بمفردها كما كان الحال لعقود، ولم تعد كافية لإدارة التوازنات الإقليميّة الحسّاسة.
تركي الفيصل ليس أميراً أو محلّلاً سياسيّاً وحسب، بل كان ركناً أساسيّاً في “المطبخ” السياسيّ والأمنيّ والاستراتيجيّ السعوديّ بحكم عمله
هذا ما شكّل الدافع الأكبر لدى الرياض إلى التقارب مع الصين والانفتاح على روسيا وإبرام اتّفاق أمنيّ استراتيجيّ مع باكستان وتطوير التعاون العسكريّ مع تركيا وتعميق التحالف مع مصر.
التّوازن السّعوديّ وخطر “حرب النبوءات”
يعكس الخطاب قلقاً سعوديّاً عميقاً من تحوّل المنطقة إلى صراع طويل الأمد بين أجندات عقائديّة، بينما تحاول المملكة تقديم نفسها كطرف رابع مستقلّ:
تسعى إلى إدارة التوازنات الداخليّة والخارجيّة وعدم الانجرار إلى صراعات مفتوحة، وتتطلّع الى الحفاظ على مصالحها والأمن الإقليميّ. تعمل على تقديم رسالة توازن إقليميّ بالظهور بمظهر النقيض للأجندات الثلاث، دولة براغماتيّة تمنع الحروب الكبرى، وتحافظ على استقرار المنطقة بعيداً عن الصراعات العقائديّة الطويلة الأمد.
لعلّ أبرز ما يميّز تصريح الفيصل هو تحذيره ممّا يمكن تسميته “حروب النبوءات” التي يرى أنّ الأطراف قد لا تتعامل من خلالها مع الحرب كخيار سياسيّ، بل كقدر تاريخيّ أو دينيّ. هذا التحليل مستجد علناً على الأقل في الخطاب السعوديّ العميق، ويعكس فهماً استثنائياً للطبيعة المركّبة للصراع الحاليّ، الذي يتجاوز الحدود التقليديّة للمصالح والقدرات العسكريّة إلى مستويات أيديولوجيّة وعقائديّة.
إقرأ أيضاً: رسالة الصّاروخ: جسّ نبض تركيا أم انتحار إيرانيّ؟
