متى ستُفتح الجبهة الكرديّة على طهران؟

مدة القراءة 6 د

بين 4 و5 آذار 2026، ارتفع منسوب الحديث عن “دخول الأكراد” في المواجهة ضدّ طهران، إلى درجةٍ بدا معها كأنّ جبهة جديدة فُتحت تلقائيّاً على الحدود الإيرانيّة–العراقيّة. لكنّ التدقيق في المصادر التي تناولت الملفّ خلال هذين اليومين يبيّن أنّ الصورة أدقّ من العناوين: ما يجري هو خليط من اتّصالات وضغوط واستعدادات وضربات ردعيّة، فيما يبقى “الانخراط الكرديّ الواسع داخل إيران” مسألةً لم تستقرّ بعد على رواية واحدة.

 

أيّ “أكراد” بالضّبط؟

يبدأ الخلط من كلمة واحدة: “الأكراد”. تؤكّد مصادر “أساس” أنّ المعلومات لا تتحدّث عن طرف كرديّ واحد، بل عن مسارين متداخلين:

– فصائل كرديّة إيرانيّة معارضة تتمركز منذ سنوات في شمال العراق/إقليم كردستان، وترى في التصعيد فرصة لفتح ضغط على خاصرة إيران الغربيّة.

– القوى الكرديّة العراقيّة الرسميّة وأحزابها الكبرى التي توازن بين علاقاتها ومصالحها وحدودها، وتخشى أن يتحوّل الإقليم إلى ساحة ردّ إيرانيّ مباشر إذا انخرط علناً.

ليس هذا التمييز تفصيلاً لغويّاً. بحسب المصدر، بل هو جوهر “تضارب” الأخبار عن حجم المشاركة: لا تعني حماسة الفصائل الإيرانيّة المعارضة تلقائيّاً قراراً رسميّاً من أربيل، ولا تعني أنّ البيشمركة* ستدخل حرباً مفتوحة.

ما الذي يمكن اعتباره مثبتاً؟

تقول مصادر كرديّة إنّ مجموعات كرديّة إيرانيّة معارضة موجودة في شمال العراق باتت “على أهبة الاستعداد” لعمليّة عابرة للحدود إلى داخل إيران، وأنّ الولايات المتّحدة طلبت من أكراد العراق دعماً لهذه المجموعات. بمعنى آخر، الحديث هو عن جهوزيّة وتحضير أكثر ممّا هو إعلان جبهة حُسم فتحها وأصبحت تعمل بلا تردّد.

تحدّثت مصادر دبلوماسيّة لـ”أساس” عن مستوى أعلى من الضغط السياسيّ: اتّصالات شملت مسؤولين في الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ (*KDP) والاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ (*PUK)، إلى جانب قوى كرديّة إيرانيّة معارضة، مع عرض مساعدة لوجستيّة وغطاء جوّيّ إذا اختارت القوى الكرديّة “الاصطفاف” في هذا المسار. وتوازياً، حذّر قادة أكراد في العراق من استفزاز طهران والدفع نحو تصعيد قد يدفع ثمنه الإقليم.

بين 4 و5 آذار 2026، ارتفع منسوب الحديث عن “دخول الأكراد” في المواجهة ضدّ طهران، إلى درجةٍ بدا معها كأنّ جبهة جديدة

ردّ طهران: الرّسالة قبل اكتمال الوقائع

في المقلب الآخر، يقول مراقبون إنّ إيران تعتبر هذه الجبهة تهديداً حدوديّاً مباشراً. تحدّثت تقارير إعلاميّة عدّة عن ضربات/استهدافات مرتبطة بسياق منع أيّ تحرّك كرديّ معارض من داخل أراضي العراق نحو غرب إيران، في رسالة ردعيّة تريد تثبيت خطّ أحمر مبكر: ليست الحدود مساحة مفتوحة لتجريب خيارات جديدة.

هنا تحديداً يختصر مصدر متابع ما يحصل بأنّ الفصائل ترى فرصة للتدخّل، إربيل تراها كلفة باهظة، وطهران تتصرّف وكأنّ السيناريو قيد التنفيذ، فتُسرِّع الإيقاع بدل انتظار اكتمال الصورة.

لماذا صار *PJAK “العقدة”؟

يرى المصدر أنّه حتّى هذه النقطة يمكن قراءة القصّة كصراع بين إيران ومعارضين أكراد، مع تردّد كرديّ عراقيّ. لكنّ اسم حزب الحياة الحرّة الكردستانيّ (PJAK) أدخل عاملاً ثالثاً حاسماً: تركيا.

تراقب تركيا عن كثب تحرّكات PJAK، معتبرةً أنّ نشاطه يهدّد أمن إيران والاستقرار الإقليميّ، وذلك وسط تقارير عن نقاشات بين مجموعات كرديّة إيرانيّة وواشنطن بشأن استهداف قوّات أمن إيرانيّة في غرب البلاد. ليس هذا الكلام التركيّ تفصيلاً بحسب المصدر، فهو إشارة إلى أنّ أيّ مسار يضخّم دور PJAK يفتح تلقائيّاً ملفّ أنقرة الحسّاس مع الشبكات المرتبطة بـ *PKK.

يعدّ PJAK فصيلاً مختلفاً عن غيره، فهو تنظيم قريب من PKK في نظر أنقرة، وله جناح مسلّح هو وحدات شرق كردستان (YRK*)، مع تقديرات عدديّة لقوامه وتمركزه في جبال قنديل والمناطق الوعرة قرب الحدود. يصبح بذلك إدخاله في أيّ خطّة ضغط على طهران محفوفاً بعامل “فيتو” تركيّ مبكر، حتّى لو كان المسرح داخل إيران.

يمكن القول إنّ أكراد إيران لا يزالون يتعاملون بحذر شديد مع خيار الدخول في الحرب، أكثر ممّا يتعاملون معه كقرار محسوم

أين تقف القصّة الآن؟

يمكن القول إنّ أكراد إيران لا يزالون يتعاملون بحذر شديد مع خيار الدخول في الحرب، أكثر ممّا يتعاملون معه كقرار محسوم. فبحسب رويترز، جرت في الأيّام الأخيرة مشاورات بين مجموعات كرديّة إيرانيّة وواشنطن في ما إذا كانت ستهاجم القوّات الإيرانيّة وكيف ومتى، من دون صدور قرار نهائيّ حتّى الآن، وهو ما يعكس تردّداً واضحاً في الانخراط بمواجهة مفتوحة. ويعزّز هذا الحذرَ موقفُ حكومة إقليم كردستان العراق التي نفت رسميّاً أيّ دور لها في تسليح أو إرسال معارضين أكراد إلى داخل إيران، مؤكّدة أنّها لا تريد توسيع الحرب أو دفع المنطقة إلى تصعيد إضافيّ.

بين إربيل وقنديل، لا يبدو الأكراد حتّى الآن في موقع الحسم النهائيّ، لكنّهم قد يكونون، إذا تبدّل القرار السياسيّ، أسرع من أكراد الداخل الإيرانيّ في التقاط لحظة دخول الحرب، بفعل الجاهزيّة الميدانيّة والتمركز الحدوديّ. ومع التسارع الكبير في تطوّرات المعركة، لا يمكن استبعاد تبدّل هذا المشهد خلال فترة وجيزة، وربّما خلال أسبوع، وإن كان ذلك لا يزال في إطار الاحتمال المدفوع بسرعة الأحداث، لا في إطار القرار المعلن حتّى الآن. وتستند هذه الصياغة إلى تقارير تحدّثت عن اتّصالات وخيارات عمليّاتيّة قيد البحث، مع استمرار النفي الرسميّ من إربيل لأيّ رغبة في توسيع الحرب.

المحصّلة، وفق معلومات مصدر “أساس”، هي التالية:

– هناك استعدادات معلنة لدى فصائل كرديّة إيرانيّة معارضة، وحديث عن دعم/إسناد مطلوب.

ليس العنوان الأدقّ “الأكراد دخلوا الحرب” كحقيقة نهائيّة، بل إنّ الحرب تختبر فتح مسار كرديّ على خاصرة إيران الغربية

– هناك ضغط سياسيّ واتّصالات مع قيادات كرديّة عراقيّة، يقابله حذر من أن يتحوّل الإقليم إلى ساحة انتقام.

– هناك ردع إيرانيّ واشتباك رسائل على الحدود.

– فوق ذلك، تحذير تركيّ صريح يخصّ PJAK، يرفع كلفة أيّ خطوة تُفهم كـ”شرعنة” لدور التنظيم.

إقرأ أيضاً: سوريا في عين العاصفة: الشّرع يراهن على الدّولة

لذلك ليس العنوان الأدقّ “الأكراد دخلوا الحرب” كحقيقة نهائيّة، بل إنّ الحرب تختبر فتح مسار كرديّ على خاصرة إيران الغربية، وهذا قد يمنح ضغطاً إضافيّاً، لكنّه يفتح في الوقت نفسه صندوق حسابات: إربيل تُمسك مكابحها، طهران ترفع الردع، وأنقرة تلوّح بحدودها الحمر عبر PJAK. في هذا التقاطع تحديداً، يتقرّر هل تبقى “الورقة الكرديّة” أداة ضغط أم تتحوّل إلى جبهة كاملة؟

 

* PJAK: حزب الحياة الحرة الكردستاني.

* PKK: حزب العمال الكردستاني.

* YRK: وحدات شرق كردستان.

* KDP: الحزب الديمقراطي الكردستاني.

* PUK: الاتحاد الوطني الكردستاني.

* البيشمركة: القوات العسكرية الرسمية التابعة لإقليم كردستان العراق.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@LaraMounif

مواضيع ذات صلة

واشنطن: لا وساطة ولا تدخّل بـ”بنك أهداف” إسرائيل

تتقاطع موجة التهجير الجماعيّ غير المسبوقة في مسار الحروب مع إسرائيل، مع تسجيل الجيش الإسرائيلي مزيداً من عمليّات التوغّل البرّي وتثبيت نقاط عسكريّة جديدة توسّع…

الجيش جنوباً: بين مطرقة إسرائيل وسندان “الحزب”

أعلنَ الجيش اللبنانيّ في شهر كانون الثّاني الماضي بسط السيطرة العملانيّة على الأراضي التي أصبحت تحت سلطته في قطاع جنوب الليطاني. لكن في الأيّام الأخيرة…

الضاحية والجنوب والبقاع… غزّة ثانية

لم تكن التهديدات الإسرائيلية الأخيرة بإخلاء الضاحية الجنوبية وجنوب الليطاني مفاجئة بالكامل. في الكواليس الدبلوماسية، كان الحديث منذ أسابيع عن سيناريو مختلف عمّا عرفه لبنان…

مجلس نوّاب ممدَّد له “تحت الاحتلال”

“أنقذت” الحرب السلطة في لبنان من إحراج تمديد ولاية مجلس النوّاب الذي كان شبه محسوم، وكان “أهله” لا يزالون يفتّشون عن تخريجة تحيله أمراً واقعاً….