حذّر الباحث الأميركيّ دانيال بايمن من الفجوة بين الطموحات الأميركيّة المعلنة والواقع العمليّ للحرب، معتبراً أنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب رفع، من خلال عرض قائمة طويلة من الاتّهامات الأميركيّة لإيران، سقف التوقّعات عالياً من دون تحديد أولويّات واضحة أو شرح كيفيّة تحقيقها.
طرح بايمن، وهو أستاذ في جامعة جورجتاون ومدير برنامج الحرب والتهديدات غير النظاميّة والإرهاب في مركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة، مجموعة من الأسئلة التحليليّة لتقويم نجاح أو فشل هذه العمليّة في غياب رؤية واضحة لما تسعى إليه الولايات المتّحدة، وهي:
1- من سيفوز في معركة الصّمود؟
يمثّل استمرار حرب طويلة الأمد تحدّياً للولايات المتّحدة. على الرغم من الحشد العسكريّ، تبقى القوّات الأميركيّة في المنطقة أصغر حجماً من تلك التي جُمعت لغزو العراق عام 2003، ويبدو أنّها أكثر ملاءمة لحملة قصف قصيرة المدى لا لصراع طويل الأمد. حتّى قبل بدء الضربات، حذّر كبار القادة العسكريّين الأميركيّين من عدم كفاية ذخائر الدفاع الجوّيّ والصاروخيّ، وعدم اكتمال دعم الحلفاء الإقليميّين.
في المقابل، لا تحتاج إيران إلى تحقيق نصر حاسم بقدر ما تحتاج إلى البقاء. قد تتكبّد خسائر فادحة في البنية التحتيّة وأنظمة الأسلحة والقيادة، وربّما حتّى مقتل المرشد الأعلى، غير أنّ غياب غزو برّيّ أميركيّ يحدّ من احتماليّة انهيار النظام بشكل كامل. حتّى بعد فقدان قدرات كبيرة، قد يبقى النظام الإيرانيّ متماسكاً. وبالتالي قد يعتمد مسار الصراع على قدرة كلّ طرف على تحمّل الضغوط لفترة أطول.
إذا بدا أنّ عمليّة “الغضب الملحميّ” تُحقّق نجاحاً، فقد يكون الشعب الأميركيّ على استعداد لدعم استمرار الضربات
2- ما المقصود فعليّاً بـ”تدمير” القدرات الإيرانيّة؟
يثير خطاب ترامب عن “تدمير” البحريّة الإيرانيّة وبرامجها الصاروخيّة وبنيتها التحتيّة النوويّة تساؤلات عن ماهيّة النجاح الحقيقيّ. بعض الأهداف قابلة للقياس نسبيّاً. البحريّة الإيرانيّة، المحدودة القدرات أصلاً، يمكن إضعافها مادّياً بطرق ملموسة، كإغراق سفن في الخليج العربيّ. أمّا أهداف أخرى فهي أكثر غموضاً. البرنامج النوويّ الإيرانيّ متعدّد الأوجه، وقد تُلحق الغارات الجوّيّة الضرر بالمنشآت والمعدّات، إلّا أنّها لا تستطيع محو المعرفة ورأس المال الفكريّ. قد تؤدّي الحملات الجوّية إلى تأخير البرنامج النوويّ الإيرانيّ، لكنها لن تقضي عليه نهائيّاً.
لكن تقويم الحدّ من دعم إيران لوكلائها، مثل “الحزب” في لبنان والميليشيات الشيعيّة في العراق، فهو أكثر صعوبة. تعتبر إيران هذه الجماعات جزءاً من منظومة ردعها. على الرغم من الضربات التي أضعفت “الحزب” في السنوات الماضية، غالباً ما تكون شبكات التمويل والدعم الإيرانيّة سرّيّة ويصعب تتبّعها. حتّى إذا قلّصت إيران دعمها تحت الضغط، فقد تستأنفه لاحقاً ما لم يتغيّر النظام جذريّاً.
3- هل تستطيع إيران الرّدّ؟
لدى إيران قدرات انتقاميّة كبيرة. قد تصبح القواعد الأميركيّة والمنشآت الدبلوماسيّة في المنطقة أهدافاً، إمّا مباشرة من قبل إيران أو عبر جماعات وكيلة مثل كتائب “حزب الله” في العراق. أظهرت إيران قدرتها على شنّ أو رعاية هجمات إرهابيّة على مستوى العالم، بما في ذلك مخطّطات سابقة ضدّ أهداف إسرائيليّة ويهوديّة في أميركا اللاتينيّة وأوروبا وجنوب شرق آسيا، وحتّى الولايات المتّحدة. قد يشمل ردّ فعل متطرّف آخر تعطيل الملاحة في الخليج عبر الألغام البحريّة أو هجمات الزوارق الصغيرة، وهو ما يهدّد إمدادات النفط العالميّة.
لكنّ مثل هذه الخطوات تنطوي على مخاطر جسيمة، إذ قد تؤدّي إلى توحيد الرأي العامّ الأميركيّ خلف الحرب وتبرير تصعيد عسكريّ أوسع.
بدأ ترامب هذه الحرب من دون ذريعة واضحة أو وجود تهديد وشيك، ولم يبذل أيّ جهود لحشد دعم الكونغرس
4- هل ينتفض الشّعب الإيرانيّ؟
يفترض ترامب أنّ الضربات العسكريّة ستُفسح المجال للثورة. إلّا أنّ المعارضة تفتقر إلى التنظيم والتسليح والقيادة الموحّدة. أظهر النظام مراراً وتكراراً استعداده لاستخدام القوّة المميتة لقمع أيّ اضطرابات. ليس النظام قائماً على شخص واحد، فحتّى لو قُتل قادته، فهناك بدائل جاهزة لتولّي السلطة. قد يؤدّي أيّ تمرّد غير مدعوم بشكل كافٍ إلى إراقة دماء واسعة النطاق من دون انهيار النظام.
يقدّم التاريخ أمثلة على دعوات أميركيّة إلى الانتفاض لم تتبعها حماية فعّالة، فتُركت الشعوب تواجه القمع وحدها. إذا انتفض الإيرانيّون وواجهوا قمعاً وحشيّاً من دون دعم أميركيّ حاسم، فسيزداد التشكيك في الوعود الأميركيّة.
5- ماذا سيحدث في حال نجاح تغيير النّظام؟
حتّى في حال سقوط النظام الدينيّ، تبقى التداعيات غير مؤكّدة. ليس قيام جمهوريّة ديمقراطيّة النتيجة الأرجح. قد يكون تفكّك الدولة أو سيطرة الحرس الثوريّ الإيرانيّ عليها هو الاحتمال الأقرب. قد يؤدّي انهيار الدولة إلى صراعات داخليّة وحروب أهليّة شبيهة بما حدث في العراق وليبيا وسوريا واليمن، مع ما يرافق ذلك من دمار وتدفّقات لاجئين. قد تمنع سيطرة الحرس الثوريّ الإيرانيّ انهيار الدولة، لكنّها ستحافظ على الأرجح على العديد من السياسات التي تسعى الولايات المتّحدة إلى إلغائها، مع استمرار دعم الجماعات الوكيلة.
إنّ استبدال القيادة الدينيّة بالاستبداد العسكريّ قد يغيّر مظهر النظام من دون تغيير توجّهه الاستراتيجيّ. لذا لا يعني تغيير النظام بالضرورة نجاحاً استراتيجيّاً، وقد تنتج عنه نتائج مماثلة أو أكثر زعزعة للاستقرار.
6- هل يدعم الرأي العامّ الأميركيّ الحرب؟
بدأ ترامب هذه الحرب من دون ذريعة واضحة أو وجود تهديد وشيك، ولم يبذل أيّ جهود لحشد دعم الكونغرس. لم تُخاطب الإدارة الشعب الأميركيّ حتّى بدء العملية، ولم يقدّم كبار القادة مبرّراً واضحاً للحرب. من غير الواضح ما إذا كان معظم الأميركيّين سيؤيّدون هذه الحرب. بل يُعاني ترامب أصلاً من عدم الشعبيّة.
هذه الخطوات تنطوي على مخاطر جسيمة، إذ قد تؤدّي إلى توحيد الرأي العامّ الأميركيّ خلف الحرب وتبرير تصعيد عسكريّ أوسع
لكن إذا بدا أنّ عمليّة “الغضب الملحميّ” تُحقّق نجاحاً، فقد يكون الشعب الأميركيّ على استعداد لدعم استمرار الضربات. أمّا إذا نجحت إيران في إلحاق خسائر بشريّة بالولايات المتّحدة، أو إذا بدت العمليّات مع مرور الوقت غير مُجدية وتسبّبت في مقتل أعداد كبيرة من الأميركيّين، فقد لا يكون هناك أيّ تأييد لمواصلة القتال بأهداف غير واضحة.
خلص بايمن إلى التأكيد أنّ “تحقيق جميع الأهداف المعلنة للحرب، خصوصاً تغيير سلوك إيران أو نظامها، يتطلّب أكثر من ضربات عسكريّة، وقد يقود إلى صراع أطول وأعقد ممّا يبدو في بدايته. وقد تنتهي الحرب بالموت والدمار في إيران، لكنّها لن تُحدث تغييراً يُذكر على المدى البعيد”.
