من سيغيّر وجه إيران؟

مدة القراءة 7 د

“تمرّ عقودٌ أحياناً بالكاد أحداثها تذكَر، وثمّة أسابيع تتسارع فيها أحداث عقود”، قال ذلك يوماً فلاديمير إيليتش لينين. وهذا ينطبق على المستجدّات المتلاحقة في إيران بعد الضربات القاتلة في الثامن والعشرين من شباط، التي أودت بحياة المرشد الأعلى الإيرانيّ علي خامنئي. هكذا أخذت تنطوي صفحة من تاريخ إيران بدأت في عام 1979، ونحن الآن أمام فصل جديد ناتج عن تحوّلات الشرق الأوسط بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل.

 

من المبكر إجراء تقويم دقيق لمجريات الحرب الدائرة. لكنّ ميزان القوى بين الفريقين المتحاربين يدلّ على تفوّق أميركيّ – إسرائيليّ بسبب تضافر عناصر المباغتة والمعلومات الاستخباريّة والقوّة الناريّة والتكنولوجيا في ظلّ عزلة إيران وعدم وجود دعم لها كما ظهر في مداخلات مجلس الأمن الدوليّ ليلة بدء الحرب. هكذا انتقلت إيران خلال السنوات الثلاث الأخيرة من “التنمّر” إلى “التصدّع”.

تسلسل التّمدّد الإيرانيّ في الإقليم

تمادت القيادة الإيرانيّة بتوجيه من خامنئي في استغلال انهيار النظام الإقليميّ العربيّ منذ حرب العراق في عام 2003، وقرّرت التوسّع في المحيط العربيّ من بيروت إلى دمشق وبغداد وصنعاء.

منذ زلزال سقوط بغداد، وضمن لعبة التجاذب الإقليميّ والدّوليّ، وبعد تعثّر مشروع “الشرق الأوسط الكبير” الذي دعا إليه “المحافظون الجدد” في الولايات المتّحدة الأميركيّة، أخذت إيران تعمل بزخم على تسويق مشروعها الإقليميّ، نتيجة نفوذها في العراق، وتحالفها الإستراتيجيّ الحيويّ مع النظام السوريّ السابق الذي كان الممرّ نحو ركيزتها الأيديولوجيّة “الحزب” في لبنان، وتحالفها مع حركتَي “حماس” و”الجهاد” الفلسطينيّتين. كلّ هذا سمح لإيران بالتمدّد من طهران إلى البحر الأبيض المتوسّط. يشكّل هذا الإنجاز تتويجاً لحلم إمبراطوريّ إيرانيّ في الوصول إلى قلب بلاد العرب، وهذا لم يحدث سوى مرّة واحدة منذ أيّام الملك قورش.

التصرّف العدوانيّ مدعاة للاستغراب إن كان حيال دول عملت بقوّة لمنع وقوع الحرب، أو دول تعدّ بعضها قريبة من إيران

كان اغتيال رئيس الوزراء اللبنانيّ الأسبق الراحل رفيق الحريري بالشراكة مع منظومة الأسد، في شباط 2005، المقدّمة لتغيير وجه الشرق الأوسط وترسيخ “الحقبة الإيرانيّة” التي تمكّنت من الالتفاف على “الربيع العربيّ” في سوريا واليمن من أجل تمديد محورها المزعزع للاستقرار.

شكّل اغتيال قاسم سليماني في بدايات عام 2020 خلال ولاية دونالد ترامب الأولى، أوّل إرهاصات ضرب النفوذ الإيرانيّ، وأتت أحداث ما بعد السابع من أكتوبر، خاصّة سقوط نظام بشّار الأسد وانتكاسة “الحزب” في لبنان، لتوجّه ضربات قاسية للمحور الإيرانيّ. أدّت لاحقاً حرب الاثني عشر يوماً في الصيف الماضي إلى إضعاف النظام الإيرانيّ وتقليص قدراته.

بالتوازي مع فشل المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة، قامت طهران بإخفاء مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب وتفعيل برنامجها النوويّ بوتيرة عالية، وزيادة وتحسين ترسانتها من الصواريخ البالستيّة. إزاء هذه المخاطر ومن أجل إكمال تغيير الشرق الأوسط وفق الثنائيّ ترامب – نتنياهو، أصبح تغيير الوضع في إيران أمراً لا مناصّ منه.

تداعيات المواجهة الواسعة

بينما كان بنيامين نتنياهو مصمّماً على “استكمال العمل” في إيران، لم يعد بإمكان دونالد ترامب تجنّب الذهاب من جديد إلى الحرب في الشرق الأوسط، مهد صراعات الأساطير الدينيّة والعرقيّة التي ازدادت ضراوة في العصر الحديث بفعل المحرّمات النوويّة، المخاطر البالستيّة، صراعات الطاقة، والنفوذ. ‏

إيران

من المفارقات أنّ ترامب “رجل الأعمال – الرئيس” كان مقتنعاً بأنّه أفضل المفاوضين لعقد “صفقة” مع إيران، لكنّ نظام طهران المتمرّس في تضييع فرص التفاوض منذ 2003 وحياكة سجّاد المناورات طويلاً، اعتبر أنّه يخوض معركة بقاء، وأنّ الصاعقَين النوويّ والبالستيّ هما بوليصة تأمين.

يبدو المستقبل الإيرانيّ غامضاً، وسيكون من الصعب على واشنطن وتل أبيب التأثير الكبير عليه، إلّا إذا حصلت مفاجأة من نوع انقلاب

قضت الضربات صبيحة السبت الماضي على المرشد علي خامنئي وقائد المجلس الأعلى للدفاع علي شمخاني ووزير الدفاع وقائد الحرس الثوريّ ورئيس الاستخبارات العسكريّة ورئيس مكتب خامنئي للشؤون العسكريّة، أي تمّ القضاء على قادة الصفّ الأوّل عسكريّاً وأمنيّاً. أصبحت إيران من دون خامنئي، وسينعكس الحدث على تركيبة النظام وربّما مصيره، وستشمل تداعياته الشرق الأوسط والعالم.

مهما كانت خلاصات المواجهات الدائرة، والأرجح لن تظلّ إيران “جمهوريّة إسلاميّة” على مبدأ ولاية الفقيه، يتولّاها مرشد روحيّ، لأنه سيكون من الصعب إيجاد بديل بين رجال الدين المطروحين لخلافة خامنئي، من ذوي الشرعيّة الدينيّة والقدرات السياسيّة، علاوة على الانقسامات داخل دوائر النظام.

يمكن أن تراوح السيناريوات بعد الشغور في مركز القائد بين إيجاد قيادة بديلة أو اختلال في القيادة والتنسيق، وما يسفر عن ذلك من قيام حكم انتقاليّ هشّ، وأخيراً حصول اضطرابات داخليّة مترافقة مع ضغط عسكريّ خارجيّ واحتمال تمخّض فريق براغماتيّ يغيّر الوجهة الإيرانيّة.

قيادة المرحلة الانتقاليّة

قبل أيّام من مصرعه، كلّف المرشد أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ علي لاريجاني بتولّي مهامّ الإشراف على المرحلة الانتقاليّة، ولذا قام لاريجاني بإعلان مجلس القيادة المؤقّت (ترويكا الرئيس مسعود بزشكيان “الإصلاحيّ” ورئيس السلطة القضائيّة غلام حسين محسني إجئي الأمنيّ المحافظ وعضو مجلس صيانة الدستور آية الله رضا أعرافي المتشدّد والمقرّب من الحرس الثوريّ) بانتظار انتخاب المرشد الجديد.

على الرغم من الاحتجاجات المدوّية في كانون الثاني الماضي وتهاوي شعبيّة النظام، لا تبدو دروب التغيير سالكة في ظلّ القمع الوحشيّ وإمساك الباسيج بالبلاد. لكن سيتوقّف الأمر في نهاية المطاف على انعكاسات إضعاف الحرس الثوريّ وقوى الدولة العميقة وإمكانات الانشقاق ضمن صفوف قيادات الحرس أو قيادات الجيش الإيرانيّ. من ناحية أخرى، ليس مِن توقّع أن يتغيّر سلوك لاريجاني وبزشكيان خلال سير الحرب.

مهما كانت خلاصات المواجهات الدائرة، والأرجح لن تظلّ إيران “جمهوريّة إسلاميّة” على مبدأ ولاية الفقيه

يبدو المستقبل الإيرانيّ غامضاً، وسيكون من الصعب على واشنطن وتل أبيب التأثير الكبير عليه، إلّا إذا حصلت مفاجأة من نوع انقلاب يشبه نسبيّاً التحوّل داخل نظام فنزويلّا (على الرغم من الفوارق بين طبيعة النظامين والجغرافيا والتاريخ). ولا يمكن استبعاد سيناريو الفوضى أو انفراط وحدة إيران. بيد أنّه في حال تمكّن النظام بصيغته الحاليّة من النجاة، فلن تسترجع طهران دورها الإقليميّ وستبقى طويلاً تحت المجهر.

الانعكاسات الإقليميّة والدّوليّة

من أجل ضمان استمراريّة النظام، أقام المرشد الراحل هيكلاً خفيّاً يضمّ نخبة من أتباعه بالتكافل مع الحرس الثوريّ. هذا التنظيم يحرّك خيوط اللعبة، لكن نظراً للضربات ضدّ مراكز القيادة والسيطرة وكلّ مواقع مراكز القرار، يُرجّح أن يبقى الحرس الثوريّ الموزّع على 32 مركز عمليّات على امتداد البلاد الشاسعة، متماسكاً. ربّما يفسّر ذلك العمليّات ضدّ الدول العربيّة الخليجيّة المجاورة.

لكنّ سيناريو الضغط الابتزازيّ على الجوار وعلى الاقتصاد العالميّ يُخفي في العمق تحويل ضفاف الخليج العربيّ إلى “جبهة أماميّة مفتوحة مع الأحقاد الإيرانيّة التاريخيّة”، حسب الكاتب السياسيّ ساطع نور الدين.

هذا التصرّف العدوانيّ مدعاة للاستغراب إن كان حيال دول عملت بقوّة لمنع وقوع الحرب، أو دول تعدّ بعضها قريبة من إيران. لن يكون ذلك أمراً عابراً، وسيساهم مع الاستهدافات لمصادر ومنشآت الطاقة والملاحة الدوليّة، في حشد تحالف دوليّ ضدّ إيران في اللحظة المناسبة.

إقرأ أيضاً: هيكل سري لسلطة خامنئي لضمان ديمومة نظامه

تبرز بين الخلاصات الأوّليّة لهذه الحرب: قوّة عسكريّة أميركيّة ساحقة، تحالف إسرائيليّ – أميركيّ راسخ، تهميش وضعف أوروبيّان، تغاضٍ روسيّ وصينيّ، وإصرار إيرانيّ على مواكبة اهتزاز نظام الملالي بإشعال بركان الشرق الأوسط الملتهب.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@abou_diab

مواضيع ذات صلة

لماذا خسرت إيران المعركة قبل أن تبدأ؟

لا تُقاس الخسائر الاستراتيجيّة بالمعارك التي تُخاض فقط، بل بتلك التي فشلت الدول في منعها أو تجنّبها. لم تخطئ إيران في الحساب العسكريّ وحده، بل…

هل ينقذ الرّهان على الوقت النّظام الإيرانيّ؟

لم يعد القول إنّ إيران وشبكة حلفائها في المنطقة تلقّوا ضربات عسكريّة موجعة خلال المرحلة الماضية، موضع جدل. خرجت قيادات بارزة من المعادلة، تعطّلت مسارات…

إيران… قبل خامنئي وبعده

كان مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي حدثاً يفوق الهزّة التي أحدثها مقتل حسن نصرالله. من هو خامنئي؟ لماذا أقدموا على قتله وتتبّع كلّ القيادة الإيرانيّة…

عقيدة نتنياهو– ترامب لحسم الصّراع: الرّأس أوّلاً

في لحظة إقليميّة بالغة الحساسيّة، يتقدّم إلى الواجهة سؤال لم يعد نظريّاً: ماذا يعني أن تتحوّل فكرة استهداف القيادة العليا في إيران إلى خيار مطروح…