لم يعد القول إنّ إيران وشبكة حلفائها في المنطقة تلقّوا ضربات عسكريّة موجعة خلال المرحلة الماضية، موضع جدل. خرجت قيادات بارزة من المعادلة، تعطّلت مسارات لوجستيّة، تآكلت مخزونات صاروخيّة، وتعرّضت صورة الردع لاهتزاز واضح. لكنّ الحروب لا تُحسم فقط بحسابات الخسائر الميدانيّة، بل تُحسم بإرادة الاستمرار، وبالقدرة على إعادة تعريف قواعد الاشتباك. يبدو أنّ طهران تحاول أن تفعل ذلك بالضبط.
على مدى عقود، بنت الجمهورية الإسلاميّة عقيدتها على ما يُعرف بـ”الدفاع المتقدّم”: توسيع نطاق المواجهة خارج حدودها عبر حلفاء وشبكات مسلّحة في الإقليم. في لبنان شكّل “الحزب” ذراع ردع وضغط في آنٍ واحد. في العراق وفّرت الفصائل الحليفة عمقاً استراتيجيّاً وهامش إنكار سياسيّ. في سوريا أمّنت طهران ممرّاً جغرافيّاً يربطها بشرق المتوسّط.
يتعرّض هذا البناء اليوم لهزّات قويّة. لكنّ اهتزازه لا يعني سقوطه. ما يتبلور تدريجاً هو انتقال من سياسة الردع عبر التصعيد، إلى سياسة الصمود عبر الاستنزاف، أي تحويل الصراع من معركة سريعة الحسم إلى مواجهة طويلة النفس.
الاستنزاف هو سلاح الطرف الذي لا يملك تفوّقاً ساحقاً، لكنّه يملك القدرة على الاحتمال. تدرك طهران أنّ الولايات المتّحدة وحلفاءها يتحرّكون ضمن دورات سياسيّة قصيرة: انتخابات، ضغوط رأي عامّ، حسابات ميزانيّات، وتوازنات تحالفات. في المقابل، تعمل القيادة الإيرانيّة بعقليّة زمنيّة أطول ترى الصراع مساراً ممتدّاً لا محطّة عابرة.
لماذا إطالة أمد المواجهة؟
من غير المنطقيّ أن يسعى طرف متضرّر إلى إطالة الحرب. لكنّ في الحسابات الاستراتيجيّة إطالة الصراع قد تكون بحدّ ذاتها أداة للأسباب التالية:
في داخل إيران فتظلّ أدوات الحرب غير التقليديّة، من الفضاء السيبرانيّ إلى أمن الملاحة، أوراقاً قابلة للاستخدام
1- تُبقي المنطقة في حال توتّر دائم، فترتفع كلفة الانخراط الأميركيّ، وتضع أسواق الطاقة والممرّات البحريّة تحت ضغط مستمرّ.
2- تراهن إيران على تباين أولويّات الحلفاء، فليس الجميع مستعدّاً لتحمّل سقف تصعيد مفتوح.
3- تسمح بإعادة تسويق المواجهة في الداخل الإيرانيّ بوصفها “صموداً” لا مغامرة خاسرة على طريقة الأنظمة الدكتاتورية..
4- تعزّز تماسك النظام تحت عنوان الخطر الخارجيّ.
من دون تغيير جذريّ في بنية النظام، قد ترى طهران أنّ البقاء وتفادي الانهيار يُعدّان بحدّ ذاتهما إنجازاً كافياً.
أدوار الوكلاء بعد الضّربات
حتّى بعد تراجع قدراتهم، يبقى الحلفاء الإقليميّون جزءاً من المعادلة. في لبنان، يسعى “الحزب” إلى ضبط الإيقاع، فلا يذهب إلى حرب شاملة، ولا ينسحب من المشهد بالكامل، بل يحافظ على مستوى احتكاك محسوب. في العراق، تستطيع الفصائل إبقاء الضغط على المصالح الأميركيّة عبر عمليّات متقطّعة تذكّر بوجودها من دون أن تستدرج ردّاً كاسحاً. أمّا في داخل إيران فتظلّ أدوات الحرب غير التقليديّة، من الفضاء السيبرانيّ إلى أمن الملاحة، أوراقاً قابلة للاستخدام. ويبقى تهديد الحوثيّين الموسميّ على البحر الأحمر وتهديد إسرائيل بصواريخ بعيدة المدى. ليس الهدف الانفجار الكبير، بل الاستنزاف البطيء: إنهاك الإرادة قبل إنهاك العتاد.
معضلة واشنطن
الولايات المتّحدة أمام خيارات كلّها مكلف مادّيّاً وشعبيّاً لإدارة ترامب والحزب الجمهوريّ في سنة انتخابيّة:
1- التصعيد الواسع، عبر ضربات مباشرة تطال بنية القيادة والقدرات الحيويّة داخل إيران. هذا قد يغيّر المعادلة سريعاً، لكنّه يحمل خطر انزلاق إقليميّ واسع وتداعيات قد يكون من الصعب ضبطها.

2- الاحتواء المعزّز: تعزيز الدفاعات الجوّية، حماية القواعد، تأمين الملاحة، ومواصلة الضغط الاقتصاديّ. هذا يحدّ من المخاطر، لكنّه قد يكرّس حالة “اللاحرب واللاسلم”.
3- البحث عن تهدئة غير معلنة، عبر قنوات خلفيّة تضع سقوفاً غير مكتوبة للاشتباك، من دون أن تعني تسوية شاملة.
لم يعد القول إنّ إيران وشبكة حلفائها في المنطقة تلقّوا ضربات عسكريّة موجعة خلال المرحلة الماضية، موضع جدل
تكمن المعضلة الحقيقيّة في الموازنة بين الردع والمخاطرة، وبين الحزم ومنع الانزلاق. مع استمرار الأعمال الحربيّة، سيصبح الموقف الأميركيّ أكثر وضوحاً: إسقاط النظام بأيّ وسيلة.
ماذا عن الدّاخل الإيرانيّ؟
يبقى العامل الداخليّ متغيّراً لا يمكن تجاهله. تواجه إيران ضغوطاً اقتصاديّة خانقة، تراجعاً في القدرة الشرائيّة، احتقاناً اجتماعيّاً ظهر في موجات احتجاج متكرّرة خلال السنوات الماضية. قد يعزّز استمرار المواجهة تماسك السلطة تحت عنوان “الخطر الخارجيّ”، لكنّه قد يفاقم أيضاً التصدّعات داخل النخبة السياسيّة والأمنيّة إذا ما رأت هذه النخبة أنّ كلفة المواجهة تفوق قدرتها على الاحتمال.
ليس الانهيار المفاجئ السيناريو الأكثر ترجيحاً، لكنّ التآكل التدريجيّ ممكن. قد لا يأتي التغيير من الشارع وحده، بل من داخل المؤسّسة نفسها، عبر إعادة تموضع أو تعديل في السلوك الاستراتيجيّ بهدف حماية النظام لا إسقاطه.
يُظهر التاريخ القريب أنّ النظام الإيرانيّ أثبت قدرة على امتصاص الصدمات. لكنّ تراكم الضغوط، داخليّاً وخارجيّاً، قد يعيد رسم حساباته على المدى المتوسّط.
إذا لم يسقط النظام فستسوّق إيران صمودها من خلال سرديّة الصمود وحسمها للصراع زمنيّاً. في حروب الاستنزاف، لا يكون السؤال من يربح المعركة، بل من يصمد أطول. السؤال المطروح على واشنطن وحلفائها لا يتّصل فقط بحجم الخسائر التي مُنيت بها إيران، بل مدى استعدادهم لتحمّل صراع طويل، الحفاظ على تماسك تحالفاتهم، ومنع الاستنزاف من التحوّل إلى واقع دائم.
إقرأ أيضاً: عقيدة نتنياهو– ترامب لحسم الصّراع: الرّأس أوّلاً
في النهاية، قد لا تكون المعركة على الأرض وحدها، بل على عامل الوقت نفسه. نصر الولايات المتّحدة وإسرائيل سقوط النظام، ونصر إيران صمود الجمهوريّة الإسلاميّة.
لمتابعة الكاتب على X:
